24 September,2018

7 علـمـــاء بـاحـثـيــن يـشـرحـــون دور الكيمياء من منبر الجامعة الأميركية

 

2لرئيس-فضلو-خوري-والمشاركين-عقب-جلسة-الإفتتاح

يعتبر علم الكيمياء واحداً من العلوم الطبيعية التي استعملها الانسان وبحث فيها منذ القدم، وقد كان لهذا العلم في القديم دور كبير جداً في العديد من المجالات التي كانت تمس حياة الانسان بشكل مباشر وحيوي، وفي يومنا هذا ما زال لعلم الكيمياء أهميته في التقدم الحضاري للدول. لقد توالت الاكتشافات والاضافات حتى أصبحت الكيمياء الجزء الأهم في حياتنا، فالكيمياء علم يبحث في تركيب العنصر، وبنيته، ووزنه، وحجمه، وخواصه الفيزيائية والكيميائية، ووجوده في الطبيعة، وترتيبه في الجدول الدوري، وتفاعلاته، كما يبحث في تفاعل هذا العنصر مع غيره من العناصر لينتج مركباً مختلفاً عن مكوناته في الخصائص الفيزيائية والكيميائية.

 ان علم الكيمياء يساعد على التقدم الطبي والعلاج الدوائي نظراً لارتباطه الوثيق بصناعة الأدوية التي تعتمد في معظمها على المواد الكيميائية المختلفة، فعلم الكيمياء يبحث في خصائص المواد والمركّبات، وبالتالي فهو قادر على الكشف عن المركبات الكيميائية اللازمة لتطوير الأدوية المختلفة، بعد إجراء العديد من التحليلات والاختبارات والفحوصات على هذه المواد الكيميائية. له دور كبير في العديد من الصناعات. فالكثير من المواد الكيميائية يدخل في العمليات الصناعية التي تهدف الى تطوير انواع معينة من المنتجات، بالاضافة الى كونها تعتبر من المكونات الرئيسية للعديد من الصناعات المهمة مثل صناعة المنظفات وباقي المواد الكيميائية المختلفة. والصناعات الكيميائية على اختلافها لها أهمية اقتصادية عالية جداً، اذ تعمل على ترجيح كفة الميزان التجاري لصالح الدولة، فتزيد نسبة الصادرات على حساب نسبة الواردات. ويتم بواسطة هذا العلم التعرف على المواد السامة لتحصين الانسان منها ومن مغبة استعمالها، كما أنه يساعد في تحسين خصائص المعادن المختلفة باضافة بعض المواد الكيميائية فتصبح أكثر نفعاً من السابق. ويدخل هذا العلم بشكل واسع في المجالات الحربية المختلفة، اذ يمكن استعمال المواد الكيميائية التي تحمل خواصاً محددة في تصنيع الأسلحة على اختلافها مما يزيد من قوة الدول ويمكنها من خوض المعارك ضد الأعداء وتحقيق الانتصارات عليهم.

 

7 باحثين في عام المئة والخمسين

وفي حدث أكاديمي غير مسبوق اجتمع سبعة بحاثة نخبويين وعالميين في مجال الكيمياء في مؤتمر <مخلوف حدادين للكيمياء> في الجامعة الأميركية في بيروت للعام 2016، الذي نظمته الجامعة في سياق احتفالاتها بالعام المئة والخمسين لتأسيسها. وقد دام المؤتمر يومين ووفر فرصة للباحثين البارزين والعلماء والأساتذة والطلاب من مختلف الجامعات في المنطقة للمشاركة في مناقشات بشأن تحديد علم الكيمياء، والبصريات غير الخطية، وتكنولوجيا <النانو>.

أما العلماء العالميون المشاركون في الندوة فهم: <جورج وايتسايدز> من <جامعة هارفارد>، وهو عمل حوالى عشرين عاماً ضمن هيئة التدريس في معهد <ماساشوستس التقني> حيث قام بدور رئيسي يفي اكتشاف التفاعل الكيميائي المسمى تفاعل (كوري – بوسنر / وايتسايدز – هاوس) الذي يستخدم في تشييد جزئيات عضوية جديدة، ثم انتقل الى جامعة <هارفرد> حيث تبوأ كرسي <مالينكرود> للكيمياء. كما أنه تولى رئاسة قسم الكيمياء وعمادة كلية العلوم والآداب في جامعة <هارفارد> لبضع سنوات. وامتدت مسيرة البروفيسور <وايتسايدز> العلمية الرائدة حوالى خمسين عاماً، حقق خلالها انجازات علمية باهرة حيث اصبح من أكثر الكيميائيين الأحياء تأثيراً في العالم. وقد شملت انجازاته الفريدة مختلف فروع الكيمياء، بما في ذلك تقنية التحليل الطيفي بالرنين المغناطيسي النووي، والكيمياء العضو – فلزية، وكيمياء المواد والسطوح العضوية، وتقنية الموائع الدقيقة، والتشييد الدقيق، وتقنية النانو، والتجمع الذاتي للجزيئات، والمحفزات الكيميائية، وانتاج الطاقة. وقد اشتهر بدوره الأساس في توضيح نظم الترتيب الذاتي للجزئيات على السطوح وآلياته، مما ساهم كثيراً في تطوير علم <النانو>، والتقنيات الالكترونية الحديثة، وعلم الأدوية والتشخيص الطبي. ونشر البروفيسور <وايتسايدز> أكثر من 950 بحثاً علمياً، ومُنح أكثر من 50 براءة اختراع، وتدرب على يديه أكثر من 300 باحث، كما شارك في تأسيس 12 شركة، وساهم في تقييم العديد من الموضوعات المتعلقة بالعلوم والتقنية عبر العالم.

العالم <سمير زرد> من <معهد البوليتكنيك> في باريس، وهو رائد معروف عالمياً في مجال الكيمياء الراديكالية. وهو طالب سابق في الجامعة الأميركية في بيروت، قدم إسهامات مهمة في الكيمياء العضوية، وطور مع فريقه البحثي العديد من التفاعلات الجديدة التي أصبحت ركناً ثابتاً في مجال الكيمياء الاصطناعية، وتتراوح تطبيقاتها بين تركيب الأدوية وتصنيع <البوليمرات> بأنماط صناعية. وهو حالياً مدير البحوث من البروفيسور-مخلوف-حدادين---1الدرجة الاستثنائية في <المجلس الوطني للبحوث العلمية> وأستاذ الكيمياء العضوية في <معهد البوليتكنيك> في فرنسا.

العالم <جيرالد ماير> من <جامعة نورث كارولينا> في <تشابل هيل>، وهو باحث ناشط وأستاذ الكيمياء غير العضوية في جامعة <نورث كارولينا> في <تشابل هيل>، وتشمل اهتماماته البحثية الحالية الكيمياء الضوئية غير العضوية، مع التركيز على عمليات نقل الالكترون. وكان مدير مركز العلوم البيئية.

وأيضاً العالم <سِث ماردر> من <معهد جورجيا للتكنولوجيا>، و<مارك كورث> من <جامعة كاليفورنيا> في <دايفس>، و<لويزا دي كولا> من جامعة <ستراسبورغ>، و<بول ويس> من جامعة <كاليفورنيا – لوس أنجلوس> ( ركز <ويس> على فهم السيطرة الكيميائية والمواد في أصغر المقاييس، وأظهر مدى تواصل الذرات والجزئيات من خلال ركائز أكبر من المسافات الكيميائية).

كلمة رئيس الجامعة الأميركية الدكتور فضلو خوري

وفي هذه المناسبة العلمية تحدث رئيس الجامعة الأميركية في بيروت الدكتور فضلو خوري في افتتاح المؤتمر حول أهمية الندوات من هذا العيار لاستدامة وتطوير الجامعة التي زادت ميزانيتها البحثية بنسبة ستين بالمئة في العام الماضي وحده ويقول:

– ان ندوات مثل هذه الندوة هي ما يجب ان تتحلى به جامعة بحثية كبيرة اذا كان لها ان تُؤخذ على محمل الجد، لتكون قادرة على المنافسة، والحصول على منح مدعومة، واحداث تأثير حقيقي على المعرفة. ان مؤسسة كبيرة تستطيع ان تجد علماء كباراً وقادة عظماء، والصنفان لا يتعارضان. وتعتقد ادارتنا انه من اجل احداث فرق في مجال العلوم يجب ان نختار ونعلّم علماء عظماء.

ويتابع الدكتور خوري:

– ان التفاعل بين سبعة علماء بارزين وبحّاثة الجامعة وأساتذتها وطلابها، لا يعود بالإرشاد العلمي فحسب، بل أيضاً بالتعاون والزمالة والتنوير التي تخلق كلها مجموعات متميزة. وفي ختام الندوة، وزّعنا على العلماء المشاركين لوحات خاصة تقديراً لمساهماتهم في العلوم.

 أما الدكتورة ناديا الشيخ عميدة كلية الآداب والعلوم التي تم تعيينها في حزيران (يونيو) الماضي عميدة جديدة لكلية الآداب والعلوم خلفاً للدكتور <باتريك ماك غريفي>، فهي أول امرأة في تاريخ الكلية تشغل هذا المنصب، كما أنها وجه مرموق في عالم التاريخ والدراسات الشرق أوسطية وباحثة معروفة في الخلافة العباسية والبيزنطية، وفي مجال المساواة بين الجنسين، وقد ذاع صيتها في لبنان والولايات المتحدة الأميركية، وهي تشغل حالياً منصب <مساعدة وكيل الشؤون الأكاديمية> بالإنابة في الجامعة الأميركية في بيروت بعدما كانت قد تولت التدريس فيها وحصلت على لقب <بروفيسور> في العام 2006. وتجدر الاشارة الى ان العميدة تلقت علومها في الجامعة الأميركية في بيروت حيث حصلت على شهادة البكالوريوس في التاريخ وعلوم الآثار عام 1985 لتنتقل بعدها الى الولايات المتحدة حيث أكملت دراستها في جامعة <هارفرد>، ونالت شهادة الدكتوراه في التاريخ والعلوم الشرق أوسطية عام 1992 لتعود في العام نفسه وتلتحق بالجامعة كأستاذة مساعدة.

وعن دور الجامعة الأميركية في بيروت في تشكيل مستقبل لبنان والمنطقة تقول:

– عند هذا المنعطف التاريخي للجامعة الأميركية في بيروت وبالنظر الى الأحداث الجسام التي تجتاح منطقتنا، نعتقد ان على الجامعة الأميركية في بيروت ان ترقى الى تاريخها الاستثنائي من خلال لعب دور رئيسي في تشكيل مستقبل لبنان والمنطقة. ان بناء الجسور اقليمياً ودولياً خطوة أساسية في هذه المهمة. واتمنى ان تخلق هذه الندوة فرصاً جديدة لأعضاء هيئة التدريس والطلاب لبدء شراكات بحثية منتجة جديدة.

وقد نظم المؤتمر الدكتور بلال قعفراني من دائرة الكيمياء مع طلاب نادي الكيمياء في الجامعة. ويندرج المؤتمر في سياق احتفالات الجامعة بالعام المئة والخمسين لتأسيسها، عبر اقامة <محاضرة مخلوف حدادين> تكريماً للدكتور مخلوف حدادين، وقد سمح بإقامة هذه المحاضرة الوقف المالي الذي يحمل اسمه والذي أنشىء في العام 2011 لمنح جوائز لطلاب البكالوريوس المميزين عند تخرجهم من دائرة الكيمياء.

البروفيسور مخلوف حدادين

عميدة-كل---------3ية-الاداب-والعلوم-في-الجامعة-الاميركية-في-بيروت-الدك 

ولأن البروفيسور مخلوف حدادين استاذ الكيمياء في الجامعة الأميركية في بيروت حريص على ان يرتبط اسم بيروت بالأبحاث العلمية أصرّ على ان تندرج كلمة <بيروت> في تسمية أحدث تفاعل كيميائي اكتشفه. يُعرف هذا التفاعل باسم <دايفس – بيروت> وهو ثمرة تعاون طويل بين البروفيسور حدادين والبروفيسور <مارك كورث> من <جامعة كاليفورنيا>. وقد أطلق هذا الاسم على التفاعل قبل ثلاث سنوات واعتمد علناً من قبل مجلس مدينة <دايفس> بعد مرور ثماني سنوات تقريباً على اكتشافه. وقد نشرت حوله عشرات المقالات. وهذا هو التفاعل الكيميائي الثاني الذي اشترك باكتشافه الدكتور حدادين والذي يحمل اسم بيروت. ويعتبر تفاعل <دايفس – بيروت> واعداً للتطبيقات الطبية، إذ أنه يحول <النيتروبنزيلمين 2>  الى <2 ها اندازول> بمعالجتها بمحلول مائي في مذيب كحولي. وينصب الجهد لاستعمال تفاعل <دايفس – بيروت> لتطوير مضادات لأنزيم <الميلوبيروكسيديز>، وقد يؤدي تفاعل <دايفس – بيروت> الى توفير خيارات علاجية أفضل للمصابين بـ<التليف الكيسي> وأمراض التهابية أخرى مثل التهاب المفاصل الروماتزمي.

ويذكر انه في العام 1970 طور البروفيسور حدادين تفاعلاً كيميائياً مع الباحث <كوستاس أسيدريدس> في الجامعة الأميركية في بيروت، وهذا التفاعل أنتج مركباً عضوياً ارتبط به تركيب مواد مضادة لبكتيريا <السالمونيلا> التي تدمر الثروة الحيوانية، وقد أطلق على هذا التفاعل اسم <تفاعل بيروت>، ويتم حالياً محاولة الاستفادة من هذا التفاعل لإنتاج علاجات لمرض السرطان.

لقد خدم الدكتور مخلوف حدادين الجامعة الأميركية في بيروت لأكثر من اثنين وخمسين عاماً كأستاذ للكيمياء ورئيس للدائرة. كما تقلد بالوكالة مناصب: عميد، و<وكيل للشؤون الأكاديمية> ورئيس. وهو الآن مستشار لرئيس الجامعة الأميركية في بيروت ويقول:

– يشرفني جداً ان يقوم كيميائيون معروفون عالمياً بتقديم ابحاثهم الرائدة في هذا المؤتمر. وانني شاكر جداً للرئيس فضلو خوري على حضوره وخطابه الرائع، وأشكر العميدة ناديا الشيخ على كلماتها الطيبة. وانني أتساءل كيف يمكن ان أشكر بما فيه الكفاية من عمل بجهد كبير لتحقيق هذه الفكرة: زميلي الاستاذ بلال قعفراني.

تجدر الاشارة الى ان الدكتور مخلوف حدادين من مواليد مدينة معان في الأردن، وقد حصل على منحة دراسية كاملة من قبل وزارة التعليم الأردنية لمتابعة تحصيله العلمي في الجامعة الأميركية في بيروت حيث حصل على درجتي البكالوريوس و<الماجستير> في مادة الكيمياء. حينئذٍ غادر الى الولايات المتحدة الأميركية ليحصل على درجة الدكتوراة من جامعة <كولورادو بولدر> ومن ثم تابع ليحصل على درجة ما بعد الدكتوراة من جامعة <هارفرد>. ومن بعد هذه المسيرة العلمية الطويلة لم ينسَ البروفيسور حدادين جامعته الأم فعاد اليها هذه المرة كأستاذ وليس كطالب، وما زال أستاذاً فيها حتى من بعد 50 عاماً من التعليم. فحسبما يقول العديد من طلابه: من الواضح عليه عندما يعطينا المحاضرات انه يستمتع بما يعطيه، وهو لا يبخل علينا بالمعرفة، ففي العديد من محاضراته يطلعنا على تاريخ التفاعلات وأساسها فنفهمها من خلال قصصه الممتعة. وبالرغم من ان المادة التي يعطيها من الصعب فهمها فانه بأسلوبه الخاص وخبرته في التعليم يجعلها مثيرة للاهتمام وسهلة للفهم.

وبالتوازي مع التعليم نجح البروفيسور حدادين بالدخول الى مجال الاختبار من بابه العريض. فبحوزته اليوم تفاعلان كيميائيان باسم <تفاعل بيروت> وتفاعل <دايفس – بيروت>. شاركه في اكتشاف <تفاعل بيروت> البروفيسور <اسيدريدس>، والمادة الناتجة عن هذا التفاعل أثبتت أنها مادة مضادة للسرطان ومضادة للبكتيريا مما يشكل ثورة في عالم الطب من قبل عالم في الكيمياء. أما تفاعل <دايفس – بيروت> فشاركه في اكتشافه البروفيسور <مارك كورث> وهو أستاذ في جامعة <كاليفورنيا دايفس>، ولذلك اتفقا على تسمية التفاعل نسبة للجامعتين الأميركية في بيروت و<كاليفورنيا دايفس>، والمادة الناتجة عن هذا التفاعل يمكن استخدامها لعلاج مرض <التليف الكيسي> المعروف بـ<سستك فيبروسس>. كذلك شغر البروفيسور حدادين العديد من المواقع في قسم الكيمياء وكلية العلوم، فكان نائب <رئيس الشؤون الأكاديمية> لمدة 12 عاماً، العميد القائم لكلية العلوم الصحية لمدة ثلاث سنوات ونصف السنة، رئيس قسم الكيمياء لعشر سنوات، العميد القائم لكلية العلوم والآداب لأوقات متقطعة. وطوال هذه الفترة لم يبخل على طلابه بالمعرفة، ولم يتوقف عن العمل في المختبر يومياً، وبذلك أصبح قدوة لطلابه الذين يرون فيه تجربة أكاديمية ناجحة ومفعمة بالحياة حتى بعد مرور ثمانين عاماً.

وعندما أقامت الجامعة احتفالاً بمناسبة اعلان تفاعل <دايفس – بيروت> للمرة الأولى في لبنان قال آنذاك البروفيسور حدادين في خطابه للمناسبة:

– كثيراً ما اعتبر المثقفون اللبنانيون الجامعة الأميركية في بيروت هبة حاصلة، لكنني أؤمن بقوة ان هذه الجامعة العظيمــــة مــا كان يمكــــــن لهـــا ان توجــــد في اي بلـــــد عـــــربي آخر غير لبنان المضياف، فلبنان شجع وحمى حرية الجامعة الأكاديمية، والجامعة اعتمدت على هذا الامتيـــــاز لدعم انتــــاج معــــارف جديــــدة عبر الأبحـــــاث الأساسية والتطبيقية.