14 November,2018

3 قـــــــوى تـمــــــــلك الــقــــــــرار: الــــرئـيـس عــــون والـــــرئيس بــــــري والـــــرئيس الحريـــــري!

 

بقلم وليد عوض

ثلاث قوى تملك القرار في لبنان: قصر بعبدا، ومجلس النواب، والسراي الحكومي، ولكل من هذه القوى حصانتها ومقاديرها الدستورية. وإذا حصل تشابك بين قوتين ترك الأمر تأثيره على سياسة الدولة. وهذا ما يحصل الآن، فكل كتلة برلمانية تملك التصور بأن الحكم لها أو <الأمر لي>!

فالدكتور سمير جعجع رئيس القوات اللبنانية يملك سلطة خمسة عشر نائباً، وعلى هذا الأساس ولأن كل ثلاثة نواب أصحاب حق في حقيبة وزارية فوزراء القوات يجب أن يكونوا خمسة وزراء، وكتلة <لبنان القوي> تملك العدد الأكبر من المقاعد النيابية وعلى هذا الأساس ينبغي أن يكون عدد وزرائها تسعة وزراء على الأقل،  فيما يملك الزعيم الوطني وليد جنبلاط الحق في ثلاث حقائب درزية. أما الرئيس نجيب ميقاتي فعدد نواب كتلته أربعة ويمكن أن ينضم إليهم نائب من خارج التكتل فيصبح العدد خمسة نواب، ويراعى في الأمر أن طرابلس ذاقت ما يكفي من الحرمان والتهميش ومن حق أهلها أن يكونوا فاعلين في الحكومة المقبلة، وأن تكون وزارة الاقتصاد هي جائزة الترضية بدءاً من تطوير مدينة رشيد كرامي التي بناها المهندس الفنزويلي <أوسكار نيماير>، وأن تبعث الروح في مطار رينيه معوّض الذي انتخب رئيساً للجمهورية خريف 1989، وأن تتوفر فرصة أخرى لقلعة طرابلس حتى تتجلى كأثر عالمي ذهاباً من ضريح مصطفى بربر آغا الذي حكم طرابلس والشمال في فترة من التاريخ.

ولأن كل بادرة من لبنان هي واسعة المدى فينبغي أن تستعين بقوة دولية لتهذيب أطرافها، وعدم مواجهة أي معارضة من قبل الولايات المتحدة، وهكذا حال ملف النازحين السوريين الذين يزيد عددهم عن المليون والنصف مليون نسمة، ونجح مدير عام الأمن العام اللواء عباس ابراهيم، واللواء السوري علي المملوك في النأي بالمبادرة عن أي معارضة أميركية مباشرة أو حليفة. أي ان تفاهم واشنطن وموسكو علىأي مبادرة لبنانية سياسية انسانية تخرج من أوصال لبنان. وكما طرابلس كذلك زغرتا وإهدن حيث يجثى بطل لبنان يوسف كرم في ناموس بلوري يقصده السياح لإلقاء نظرة على هذا الرمز التاريخي في حياة لبنان. هذا إذا نسينا المرافئ مثل مرفأ برج رأس النهر في طرابلس وقلعة الشقيف في الجنوب ونضالها التاريخي ضد الانتداب الفرنسي.

نشاط آمال مدللي

وحتىالآن تعتبر ساعة التل في طرابلس هي أهم تراث في المدينة وهي الساعة الحجرية الفخمة التي أهداها السلطان عبد الحميد الثاني للعاصمة الثانية تكريماً لتاريخها السياسي والأدبي والشعري.

ونحن الآن أمام الانعطاف الروسي على مشاكل لبنان، بدءاً من ملف النازحين السوريين، وعبثاً يحاول لبنان إنهاء ملف النازحين السوريين دون استنهاض قوة دولية تفرش ظلالها فوق الموضوع. وها هي روسيا في الأسبوع الماضي ترسل الى بيروت المبعوث الروسي الرئاسي للشؤون الدولية <ألكسندر لافرنتييف> الذي لا يقل شأناً عن نائب وزير الخارجية الروسي <ميخائيل بوغدانوف> الذي يملك مفاتيح العلاقات بين موسكو ودول الشرق الأوسط. وأهمية الرجل أنه واسع العلاقات مع الأمم المتحدة وفروعها في العالم. وبهذه الاعتبارات كان الاجتماع الذي انعقد في القصر الجمهوري بين الرئيس ميشال عون والرئيس نبيه بري والرئيس سعد الحريري ووزير الدفاع يعقوب الصراف مع الموفد الروسي.

ودور المبعوث الروسي أن يضمن العودة الآمنة للنازحين السوريين من لبنان بأمان وسلامة تكفلهما السلطات السورية فتكون هذه العودة الى بلدات وقرى تحررت من سلطة تنظيم <داعش> وأصبحت مع السلطات السورية.

وتلعب مندوبة لبنان في هيئة الأمم آمال مدللي دورها الديبلوماسي المطلوب في نزع الأشواك من ملف النازحين السوريين، وتأمين المناطق الآمنة التي ينتهون إليها، كما يلعب وزير الخارجية الأميركي <مارك بومبيو> دوره الأميركي في دعم هذا الملف بعدما تحول ملف النازحين السوريين الى قضية مشتركة بين موسكو وواشنطن. موسكو تضغط على الحكومة السورية لتأمين الممرات الآمنة للسوريين النازحين، مع تقديم ما توفر لديها من المال والغذاء، والولايات المتحدة تدعم قوافل النازحين. حين يحضر وزير الخارجية الأميركي أي موقف فهو في هذا الموقف المستشار الأول لرئيس الجمهورية. وإذا رغب في التنحي فعليه حسب الدستور أن يرسل كتاب الاستقالة الى وزير الخارجية.

 

<سوليدير> على الطريق

ولكن من هو المبعوث الروسي الكبير <الكسندر لافرنتييف>؟!

الرجل آتٍ من عالم المخابرات، أي من مصنع المراكز المسؤولية ويسمونه في روسيا برجل المهمات المستحيلة، وغزارة علمه المخابراتي تؤهله للعناية بملف النازحين السوريين دون تعريضهم لردة فعل السلطة السورية، وهذا المنصب يساوي في الأهمية رئيس البلاد من حيث المسؤولية. وللرجل عناية خاصة بالملف اللبناني ــ السوري ويعرف أين تكمن الشياطين.

يستطيع الرؤساء ميشال عون ونبيه بري وسعد الحريري ووزير الدفاع يعقوب الصراف أن يتكلوا على الرجل في تصريف ملف النازحين السوريين، واستثناء المطلوبين لعبور الحدود اللبنانية ــ السورية الوسطى للوصول الى ادلب وجوارها، وقد تسلم النازحون العائدون رسائل من أقارب لهم يطمئنونهم فيها الى سلامة عيشهم في ادلب والمناطق المجاورة، والتحافهم بالأمن والأمان.

وإذا استطاع لبنان معالجة ملف النازحين، وتأمين عودتهم الى سوريا، فهو يكون قد رفع عن ظهره كابوساً كان يشغله سنوات، ومنه يستطيع أن ينصرف الى حل القضايا الأخرى ومنها الأزمة الاقتصادية، وتأهيل المؤسسات الخاصة بالجانب الاقتصادي ومنها مؤسسة <سوليدير> التي أعيد انتخاب رئيسها الدكتور ناصر الشماع، ووضع منهاج تنفيذي للقضايا التي طلبها مؤتمر <سيدر واحد>، وأولها تخفيف الدين العام فلا يظل 80 مليار دولار. وكذلك إعادة النظر في المؤسسات التعليمية التي تحمل اسم لبنان، ومستواه الثقافي مثل مدارس جمعية المقاصد الخيرية الاسلامية التي أصبحت لها جمعية جديدة برئاسة الدكتور فيصل سنو.

ولا بد من نظرة دقيقة الى قطاع المصارف، فهذا القطاع هو مفخرة الاقتصاد اللبناني، وقوة لبنان الاقتصادية هي في قوة مصارفه.. وإذا كان أحد البنوك قد تعثر فإن العثرة تكمن في البنك نفسه، لا في قطاع المصارف ككل، ولا في المصرف المركزي الذي هو الآن جوهرة الاقتصاد اللبناني.

وينبغي ألا تغفل عين الدولة عن ملف الفساد الذي استشرى في الآونة الأخيرة، فهناك رشوة ومرتشون وفساد وفاسدون، ولكن الأسماء تبقى مكتومة، لأن ظهورها الى العلن يؤذي القطاع الاقتصادي ككل. وبقدر ما يرتدي لبنان العباءة الاقتصادية دون أن يفرط في السياسة بقدر ما يحقق النهضة الاقتصادية الموعودة.

ولأن المستقبل من الآن جزء من التسوية السياسية والحل المطلوب لأزمة النازحين السوريين، فرئيس الوزراء سعد الحريري لا يستطيع وحده في هذا المضمار أن يصول أو يجول، ويمكن أن يسانده الرئيس نجيب ميقاتي، لأن الكتف يحتاج الى قوتين عظميين على الأقل لا قوة عظمى واحدة. فالرئيس صائب سلام كان قوة ضاربة في بيروت والرئيس رشيد كرامي كان قوة ضاربة في طرابلس والشمال، وأي حدث أمني طارئ كان كفيلاً بجمع الاثنين الى طاولة واحدة تماماً كما كانت الحال بانفجار أحداث طرابلس ربيع 1958، واضطرار الرئيس جمال عبد الناصر الى وقف رحلته البحرية الى تركيا للاجتماع بالماريشال <جوزف بروز تيتو> ضمن سياسة عدم الانحياز فقطع رحلته وطار الى لبنان ليكون على تماس بالأحداث الجارية فيه.

وهكذا هو التاريخ من جديد: سعد الحريري في بيروت ونجيب ميقاتي في طرابلس ومعه أربعة نواب في كتلة واحدة.

ومحاولة تعطيل دور نجيب ميقاتي هو انقضاض على القيمة الكبرى لرئاسة الوزراء. فميقاتي يمثل الاعتدال والحكم العادل، وسعد الحريري يمثل الحضور السني المعتدل.

ومستقبل لبنان بخير ما دامت العلاقة بين الحريري وميقاتي بخير.

ويا نار كوني برداً وسلاماً على اقتصاد لبنان!