17 November,2018

1340 تلميـــذاً لبنانيــاً وسوريــاً فــي حضــن مـشــروع بـنــاء الـتـسامـــح!  

 

بقلم وردية بطرس

السيدة-منى-الطويل يعاني لبنان احتقاناً اجتماعياً ناتجاً عن أزمة النازحين السوريين. للاحتقان أسباب متعددة، من عدد النازحين بالنسبة الى عدد اللبنانيين الى التوزيع الديموغرافي للنازحين وكثافة أعدادهم في المناطق المهمشة أصلاً، الى عدم وجود دعم مالي كافٍ الى إجراءات حكومية نتيجتها عكسية. فلبنان يحتضن نازحين سوريين أكثر من أي بلد آخر في العالم، بنسبة 38 بالمئة من مجموع عدد النازحين السوريين (اكثر من مليون سوري وفق السجلات الرسمية) والذين يشكلون الآن حوالى ثلث سكان لبنان. 86 بالمئة من النازحين يقيمون في الأنحاء التي تعيش فيها أكثرية اللبنانيين المهمشين (66 بالمئة). وهناك مشكلة ازدحام سكنية في بعض المناطق اللبنانية، ففي البقاع والشمال ازداد عدد سكان بعض القرى بنسبة مئة بالمئة.

وفي العام 2014، قامت المفوضية السامية للأمم المتحدة لشؤون اللاجئين بدراسة 446 منطقة تستضيف النازحين في لبنان، رأت ان 61 بالمئة من هذه المجتمعات أقرت بحصول حوادث توتر او عنف متعلقة بالنازحين خلال الأشهر الستة السابقة لتاريخ الاستطلاع اي منذ بداية السنة.

ولكن بالرغم من الصعوبات التي يعانيها النازحون خصوصاً الأولاد، فإن لبنان يبقى من الرواد في مجال تعليم النازحين السوريين. وهذا ما جاء على لسان رئيس الحكومة البريطانية السابق <غوردن براون> أثناء زيارته للبنان، حيث عقد وزير التربية والتعليم العالي الياس بو صعب اجتماعاً مع الموفد الخاص للأمين العام للأمم المتحدة رئيس الحكومة البريطانية السابق <غوردن براون> بحضور السفير البريطاني <توم فلتشر> والمدير العام لوزارة التربية الأستاذ فادي يرق ومسؤولين في الوزارة لاستكمال البحث في سبل مساعدة الطلاب النازحين السوريين في الحصول على التعليم. وكان الوزير الياس بو صعب قد تحدث عن مساعدة الأمم المتحدة في تأمين التعليم للطلاب السوريين، وقال ان السيد <براون> وقف الى جانبنا في موضوع النازحين السوريين والطلاب اللبنانيين الذين يدفعون الثمن بسبب ضغط النازحين. وصرنا اليوم في مرحلة متقدمة، وبتنا نعلم 105 آلاف طالب سوري بفعل مساعدات الأمم المتحدة وجهات مانحة أخرى، وان المساعدة كلها تتجمع في السيدة-كارولين-قرداحي-تابت مشروع تأمين التعليم لكل طالب، والمجتمع الدولي يقف بجانبنا في هذا المشروع. لقد حققنا الى اليوم 25 بالمئة مما نطمح اليه على أمل ان نحقق المشروع بكامله وان نحسن وضع المدارس.

ومن جهته، اعتبر السيد <غوردن براون> ان لبنان هو من الرواد في مجال تعليم النازحين السوريين، وانه تم انجاز الكثير من العمل، ونقدر جهد الوزير الياس بو صعب وجهد الحكومة اللبنانية في تمكنهم من استقبال 105 آلاف طالب، وان هذا الأمر يشكل إنجازاً انسانياً في زمن الصعاب، وان حكومته تتعرض للكثير من الضغط وزيارتي هي للتأكيد على هذه الحقيقة وعلى ضرورة تأمين التعليم للأولاد. ورأى ان لبنان تفوق على غيره في تقديم الدعم لآلاف الأشخاص واعطائهم الحظ في الحصول على التعليم، وهو وضع خطة لتقديم المزيد. ونعلم ان التحدي كبير والعبء على لبنان كبير اذا لم يحظَ بالدعم الدولي الكامل. و<اجتماع اليوم يشعرنا بمزيد من الارتياح بأنه في ايلول (سبتمبر) المقبل سنرى المزيد من الأولاد في المدارس، فقد اعتمدتم نظام الدوامين وأنتم تفتحون المزيد من المدارس، ونشكر الشعب اللبناني على استقباله لهذا العدد الهائل من النازحين. اننا نناقش كيف يمكن للمجتمع الدولي تأمين المزيد من الالتزام بهذا البرنامج لتوفير التعليم لكل النازحين السوريين والفلسطينيين واللبنانيين.

                

جمعية <إدراك>

 

تعليم الأولاد النازحين السوريين أمر مهم ولكن الأهم من ذلك هو الحد من العنف والنزاعات بينهم اذ ينتشر شعور بالخوف والتوتر لدى الأطفال السوريين ولاسيما الطلاب منهم الذين اضطروا الى التأقلم مع منهج دراسي مختلف والاختلاط بزملاء لبنانيين، كما لوحظت بعض السلوكيات العدائية والعنفية في أوساطهم، من هنا، رأت جمعية <ادراك> اللبنانية ضرورة اعداد مشروع تربوي قائم على الصحة النفسية لدى الطلاب السوريين والطلاب اللبنانيين المضيفين.

الدكتور كرم: فاعلية المشروع تزيد اذا ترافقت مع جهود الأهل

 

ولهذا عرضت جمعية <ادراك> (مركز الأبحاث وتطوير العلاج التطبيقي) نتائج مشروع دعم نفسي استهدف التلاميذ من العائلات السورية النازحة والمجتمعات اللبنانية المضيفة في عدد من المناطق اللبنانية، نفذته بالتعاون مع وزارة التربية والتعليم العالي، وكشفت ان احد أهم نتائج المشروع ارتفاع مستوى دعم التلاميذ بعضهم لبعض في الصفوف التي شملها من 2,9 بالمئة قبل تنفيذ البرنامج الى 42,4 بالمئة بعد انجازه. هدف المشروع الذي مولته السفارة الأميركية في لبنان الى تنمية قدرات أساتذة المدارس الرسمية اللبنانية ليكونوا وسطاء لتغيير سلوكي والمساهمة في بناء التسامح والحد من العنف والنزاعات بين الأولاد اللبنانيين وأولاد النازحين السوريين.

فماذا يقول رئيس جمعية <ادراك> الدكتور ايلي كرم عن الجهود التي تبذلها الجمعية للحد من العنف بين الأولاد بشكل عام وخصوصاً الأولاد النازحين السوريين؟ وماذا عن دور وزارة التربية في هذا الخصوص؟

فعن تأثر الولد في سنوات الطفولة والمراهقة، يشرح الدكتور ايلي كرم:

ان الدراسات أظهرت ان الدماغ شديد التأثر في سنوات الطفولة والمراهقة، فالأبحاث العلمية وبينها تلك التي أجرتها <ادراك> بينت ان للتجارب السلبية كما للتجارب الايجابية آثاراً تبقى قائمة الى أبعد بكثير من مرحلتي الطفولة والمراهقة، وان الدكتور--جون-فياضالأولاد لا ينسون الضغوط التي يتعرضون لها في بيوتهم او في آي مكان آخر.

ويتابع قائلاً:

– ان أبحاث <ادراك> في السنوات الثلاثين الأخيرة في مناطق عدة في لبنان أظهرت وبصورة متكررة ان سوء المعاملة الذي قد يتعرض له الطفل في المنزل أخطر من الحرب على ان الأزمات ومنها مثلاً الحرب في سوريا تترك أثراً كبيراً على الأطفال، الا ان الأطفال والمراهقين السوريين ليسوا وحدهم من يتعرض لهذه الصدمات بل كذلك المجتمعات التي تستضيفهم في لبنان. من هنا أهمية الصف المدرسي في الحد من هذه الآثار من خلال تشجيع الأساتذة على تطبيق مفاهيم وأساليب توفر للتلاميذ الأدوات التي تتيح لهم تحصين أنفسهم من المشاكل التي يواجهونها في المنزل وفي أمكنة أخرى. من هذا المنطلق، نفذت جمعية <ادراك> خلال العام الفائت وبدعم من وزارة التربية والتعليم العالي مشروعاً ممولاً من السفارة الأميركية في لبنان، تم بموجبه تدريب 17 معلماً على تطبيق برنامج خلال ساعات الدوام المدرسي العادية، يهدف الى الحد من النزاعات وزيادة القدرة على التكيف لدى التلاميذ السوريين واللبنانيين على السواء.

وبالسؤال عن دور وزارة الشؤون الاجتماعية ووزارة التربية في هذا الخصوص يقول:

– ان فاعلية هذه المحاولات تزيد اذا ترافقت مع جهود على مستوى الأهل ايضاً الا ان ذلك بدأ أصلاً مع وزارة الشؤون الاجتماعية في بعض المناطق اللبنانية. ونثمن دعم وزارة التربية لهذا المشروع وتعاونها مع الجمعية على مدى السنوات العشرين المنصرمة، ونأمل في تحقيق تحسين متواصل للتقنيات المعتمدة للحد من معاناة الأولاد من الجروح النفسية التي يتعرضون لها جراء الحرب او في منازلهم، اذ ان الطفل يكون في هاتين الحالتين عاجزاً، ولا يتقن الوسائل التي تمكنه من حماية نفسه من الانعكاسات والآثار الفورية والبعيدة المدى لمثل هذه الأوضاع.

منى الطويل: نأمل ان يصبح هذا البرنامج جزءاً من المنهج التعليمي الرسمي

 

ونسأل المنسقة العامة للتوجيه التربوي في وزارة التربية والتعليم العالي منى الطويل عن دور المؤسسات التربوية فتقول:

– يجب ألا يقتصر دور المؤسسات التربوية على ان تكون مصدراً للمعلومات بل من واجبها ان تعدّ جيلاً يواجه المستقبل بالعودة الى ذاته بحثاً عن الحلول المتعددة. ان مشروع <ادراك> لبناء مهارات المرونة بالتعاون مع وزارة التربية يشكل الحجر الأساس في التوجيه الوقائي لإعداد جيل يتمتع بمهارات تساعده على تخطي الصعوبات في مسيرته التربوية وتحصنه لمواجهة المستقبل. نأمل ان تعمم هذه التجربة الناجحة على كل مدارس لبنان الخاصة والرسمية، ودوام التعاون الى ان يصبح هذا البرنامج جزءاً من المنهج التعليمي الرسمي وان تتاح هذه الفرصة لكل التلاميذ وخصوصاً في المرحلة الثانوية نظراً لحاجتهم الى هذه المهارات.

السيدة ارابيلا بحصلي: نتمنى تعميم هذه المبادرة على مدارس أخرى

السيدة-ارابيلا-بربير-بحصلي

 وتعتبر مديرة مشاريع المنح في السفارة الأميركية السيدة أرابيلا بربير بحصلي ان جمعية <ادراك> التي صممت المشروع ونفذته تقوم بعمل جيد وتقول:

– تضم الجمعية أطباء متطوعين وتخصص جهودها وعملها للصحة النفسية والعقلية في لبنان والعالم العربي. ساهمت على مدى العقود الثلاثة الأخيرة في التوعية عن أهمية الصحة النفسية للمجتمع، وعملت على نشر ثقافة السلام اذ أظهرت أبحاثها ان الحرب مرتبطة بمجموعة من الاضطرابات النفسية، ولذلك تطوعت لاحتضان الشباب والنساء والأطفال الذين عانوا الآثار المدمرة للحرب. ان هذا المشروع الذي تم تنفيذه بالتعاون مع وزارة التربية والتعليم العالي وتولت تمويله السفارة الأميركية في بيروت من خلال برنامج المنح الصغيرة ساهم في دعم مبادرة <إدراك> لتدريب معلمي المدارس على تقديم دروس في الصفوف عن التقنيات التي تساهم في تحسين الصحة النفسية للأولاد اللبنانيين وأولاد اللاجئين السوريين الذين تركت الحرب آثارها عليهم. ان اكثر من ألف تلميذ في مدارس متنوعة من مختلف أنحاء لبنان استفادوا من المشروع، وآمل ان يتم تعميم هذه المبادرة على مدارس أخرى بغية استكمالها وتمكين أكبر عدد ممكن من الأولاد من الاستفادة منها. نلاحظ ان مواطنين كثر في لبنان يعانون من الآثار السلبية التي تركتها الصراعات العنيفة على كل عائلة. ان أهمية هذا المشروع تكمن في ان رسالته الأساسية هي: أنتم لستم وحدكم، نحن هنا من أجلكم.

فياض وتابت: الحصص ركزت على تعليم التلاميذ ضبط الانفعالات والتفكير قبل الاقدام على تصرف معين

 وقدم كل من الدكتور جون فياض والسيدة كارولين قرداحي تابت عرضاً لنتائج المشروع اذ يقول الدكتور جون فياض ان المشروع ينمي قدرات الأساتذة على بناء التسامح والحد من العنف والنزاعات و قدرات معلمي المدارس الرسمية لكي يصبحوا وسطاء للتغيير السلوكي ويساهموا في بناء التسامح والحد من العنف والنزاعات بين التلاميذ السوريين واللبنانيين.

وأوضح الدكتور فياض والسيدة تابت ان هذا المشروع نفذ خلال السنة الدراسية 2013 – 2014 من خلال تقديم 442 حصة دراسية في 13 مدرسة رسمية تتوزع على أقضية عالية والمتن وصيدا بإشراف 17 استاذاً وعدد من علماء النفس والأطباء النفسانيين من جمعية <ادراك>. وتم تقديم 13 حصة في كل صف، تم ادراجها في المنهج الدراسي للسنة الدراسية، وشارك فيها 1340 تلميذاً من الصف الرابع الى الصف السابع. لقد تم تدريب المعلمين على تقديم الدروس التي يساهمون من خلالها في بناء استراتيجيات التكيف، وبناء التسامح والمرونة، وحل النزاعات، واستراتيجيات لضبط الاندفاعية الدكتور-ايلي-كرموالعدوانية والحد منهما لدى تلاميذهم من اللبنانيين واللاجئين السوريين. وتم اختيار الأساتذة كوسطاء تغيير كونهم يؤدون دوراً حاسماً وبالغ الأهمية في حياة التلاميذ واحتياجاتهم.

ويشرح الدكتور فياض والسيدة تابت:

– ان الحصص التي أعطيت في الصفوف ركزت على تعليم التلاميذ أهمية التريث والتفكير قبل الإقدام على تصرف معين، وعلى توعيتهم على النتائج السلبية للسلوك العدواني والاندفاعي والمتهور. وتضمنت كل حصة مزيجاً من التقنيات الادراكية – السلوكية المختارة بعناية، تهدف الى التحكم بالجسم والعقل وتحقيق التوازن السلوكي بينهما، مع تعريف الأولاد الى خطوات محددة يمكنهم اللجوء اليها لهذا الغرض، وتعليمهم كيفية السيطرة بشكل أفضل على الانفعالات والمهارات اللازمة لمواجهة الضغوط اليومية التي يواجهونها. وفق النتائج الأولية التي استخلصناها أفاد 70 بالمئة من المعلمين بأن هذا المشروع وفر لهم تقنيات تربوية عملية وسهلة، ولاحظوا جميعاً انه ساهم إيجابياً في احداث تغيير لدى تلاميذهم، ورأى 88 بالمئة من المعلمين ان هذا المشروع ساعد تلاميذهم في تحسين سلوكهم على اكثر من صعيد. وعندما سئل المعلمون اذا كانوا يريدون المشاركة في هذا البرنامج في المستقبل مع صفوف أخرى، وافقوا جميعاً وأبدى 72 بالمئة منهم موافقة شديدة.

لقد أفاد المعلمون انهم شعروا براحة أكبر في التعليم ضمن الصفوف التي شملها المشروع بعد انتهاء البرنامج، وارتفعت نسبة ارتياح المعلمين في مهمتهم في هذه الصفوف من 23 بالمئة قبل تنفيذ البرنامج الى 41 بالمئة بعد انتهائه، في حين انخفضت نسبة الارتياح من 26,9 بالمئة الى 22,7 بالمئة في الصفوف التي لم يشملها المشروع. ان احدى أهم النتائج المستخلصة كانت ارتفاع مستوى دعم التلاميذ بعضهم لبعض في نهاية البرنامج، ورأى المعلمون ان هذا المستوى زاد بعد تقديم الحصص في الصفوف من 2,9 بالمئة قبل تنفيذ البرنامج الى 42,4 بالمئة بعد إنجازه. كذلك لاحظ المعلمون الذين لم يشاركوا في البرنامج الارتفاع نفسه في الصفوف المشمولة به من 11,8 بالمئة الى 48 بالمئة.