18 September,2018

1300 بـطـاقـــة بريديـــــة جـمـعـهــــا المهندس المعماري كميل طرزي فـــي كتــاب بـعـنـوان ”واجــهـــة الــشــــرق“!

بقلم وردية بطرس

1

1300 بطاقة بريدية من كل أنحاء العالم جمعها المهندس المعماري كميل طرزي الذي يعد من الجيل الخامس لعائلة طرزي التي تهتم بالفن الشرقي والديكور الشرقي ووثقّها في كتاب بعنوان <Vitrine de L’Orient> او <واجهة الشرق> الصادر باللغة الفرنسية عن دار <La Revue Phenicienne> عام 2015، وهو صاحب ارث أصيل حيث كرّس حياته ووقته وجهده للبحث عن تاريخه العائلي وتوثيقه، وفي العام 1997 انضم الى <Maison Tarazi> المتخصصة في صنع الحرف الخشبية الشرقية والتحف الشرقية وتنفيذها، وذلك بالتوازي مع نشاطه العملي حيث بدأ أبحاثه المعمّقة للتعرف الى جوانب مختلفة من المشاريع التي نفذها أسلافه منذ انطلاقة الأعمال في العام 1860، وعمد الى تطوير العمل منذ انضمامه الى الشركة العائلية وهو مدير <ميزون طرزي>.

<الأفكار> قصدت <Maison Tarazi> في مار مخايل وكان لنا حوار مطول مع المهندس المعماري كميل طرزي مدير <ميزون طرزي> (لقد درس الهندسة المعمارية في جامعة <A.L.B.A> وحصل على شهادة الماجستير من <E.S.A>).

وبدأنا حوارنا عن البطاقات البريدية التي جمعها من حول العالم ووثقّها في كتاب (416 صفحة) على مدى عشرين سنة، فقال:

– لقد بدأت أجمع البطاقات البريدية في العام 1993 بشكل عفوي، أعتقد انه في ذلك الوقت او بعدها بفترة كان فؤاد دباس قد أصدر كتاباً وكان صديقاً للعائلة، وعندما رأيت الكتاب تأثرت اذ كنت قد التحقت بالجامعة وبدأت اهتم بكل ما يتعلق ببيروت القديمة. في البداية كانت لدي حشرية ان اتعرف وأطلّع على أمور جديدة، واكتشفت انه بداخل كتاب فؤاد دباس الكثير من البطاقات البريدية وتبين ان هناك صوراً لمتري طرزي، وبعدما توفي جدي أميل طرزي في العام 1995 بدأت ببحث عن شجرة العائلة وذلك بشكل عفوي، اذ كنت قد بدأت بذلك لكي اكون على تواصل مع أفراد العائلة من كل الأجيال. أحببت ان أكمل المسيرة ولهذا تعرفت الى أشخاص من العائلة كانوا بعمر جدي وبدأت أسأل عن أمور تخص العائلة لم يكن جدي قد اخبرني عنها بشكل واضح، وبدأت اكتشف البومات العائلة عن افراد العائلة. وفي العام 1997 تعرفت بالصدفة على فؤاد دباس في باريس خلال معرض البطاقات البريدية اذ أراد أن يريني ما يملك من بطاقات بريدية وكنت بالأساس أجمع البطاقات البريدية، وكان والدي يرافقني الى باريس اذ كنا نزور معارض الانتيك في باريس، وبالصدفة التقينا بفؤاد دباس وعندما زرته أظهر لي البطاقات البريدية التي جمعها عن بيروت ولبنان منذ سنة 1975، ويعود الفضل الى فؤاد دباس اذ اكتشفت ان لديه البومات للبطاقات البريدية التي طبعها ديمتري طرزي وأولاده وندره طرزي وأولاده، فديمتري هو جد جدي، وندره هو شقيق جد جدي. ومنذ ذلك الوقت بدأت أجمع البطاقات البريدية عن العائلة وعن لبنان اذ قمت بجولة في الصالونات المختصة بالبطاقات البريدية في باريس من ثم في مارسيليا وايطاليا ولندن وسافرت الى بلدان عدة، وعندما دخلت الانترنت الى حياتنا اليومية بدأت اشتري البطاقات البريدية عبر البريد الالكتروني، اذاً بدأت أجمع البطاقات البريدية على مدى عشرين سنة الى ان أصبح لدي 1300 بطاقة بريدية عن لبنان ووثقتها وطبعتها كلها في كتاب.

وتابع قائلاً:

– في لبنان كان هناك بضع عائلات تجمع وتطبع البطاقات البريدية منها عائلة صرافيان، وعائلة حبيس، و« بونفيس>، ولكن عائلة طرزي كانت تطبع كدعاية لأن على كل بطاقة بريدية مكتوب عليها <Dimitri Tarazi & Fils> (Beyrouth – Damas – Jerusalem)، لأن دميتري هو جد جدي وقد وُلد في دمشق، وعندما حصلت المذابح في العام 1860 هربوا الى لبنان وقسم منهم انتقلوا الى اليونان ومنهم ندره طرزي وثلاث أخوة (ندره هو شقيق ديمتري طرزي)، وعاد ندره الى لبنان في العام 1868 تحت اسم <Andre Terzis> وتعني بالتركي <خياط> لأن جذور العائلة من أورفا جنوب تركيا، ويُقال أنه عندما أتت عائلة طرزي الى دمشق في العام 1796 لم يكن هناك حدث معين في أورفا لكي يهاجروا منها، وفي ذلك الوقت كانت عائلة العظم في الشام قد بدأت ببناء القصور، وربما أحبت عائلة طرزي ان تنتقل الى دمشق لمزاولة العمل هناك، وقد بقيت عائلة طرزي في الشام منذ سنة 1796 لغاية 1860، وتغير اسم العائلة من تيرزي الى طرزي، ومن ثم كل أفراد العائلة انتقلوا الى لبنان، وقسم منهم هاجر الى اليونان ولكنهم عادوا مجدداً الى بيروت.

2  

شجرة عائلة طرزي

 

ــ ماذا عن شجرة العائلة وما تحمله من ارث عريق في هذا المجال؟

– تتألف عائلة طرزي من 9 أولاد من بينهم 4 هاجروا الى أثينا بعد المجازر في العام 1860. سنتحدث الآن عن أربعة اشقاء وهم: الشقيق الأكبر قسطنطين وكان كاهناً وقد عُين في العام 1902 بطريرك <Erzeroum> وتوفي بعد عشرة أيام من تعيينه اثر اصابته بسكتة قلبية. الشقيق الثاني هو جورج وكان طبيباً تلقى دراسته في أوروبا الشرقية وتزوج من سيدة صربية ورُزقا بابنة ومن ثم تزوجت الابنة من نمساوي ولكن لاحقاً توفيت الابنة والزوجة وانتحر الاب، وبذلك لم يعد هناك أفراد من عائلة جورج طرزي. الشقيق الثالث هو ندره طرزي المعروف بـ<Andre Terzis> والذي اتى الى بيروت ودخل بشراكة مع شقيق جد جدي ديمتري اذ اسس المحل في العام 1868 وعملا سوياً لغاية العام 1894. وفي العام 1894 افتتح سوق الجميل في بيروت، وفي الوقت نفسه انفصلا عن بعضهما البعض وكل واحد كان لديه محل خاص به، ولم يكن هناك تنافس حتى بالاسم اذ لم يكن الاسم يختلف باللغة الفرنسية ام بالعربية فكانت تسمية العائلة هي نفسها طرزي – طرزي. ديمتري طرزي وأولاده فتحوا فروعاً ومنها: فرع أول في القدس، وفرع ثان في دمشق، وفرع ثالث في القاهرة والاسكندرية. ثم ندره طرزي فتح محله في القدس وطبعاً فتح فرعاً اخر في بيروت. والأخ الرابع هو يوسف طرزي الذي كان كاهناً ثم أصبح استاذاً، ولكنه توفي وعاشت عائلته في فلسطين ثم انتقلت الى القاهرة ومنها الى أوروبا وأميركا.

الجد ديمتري طرزي قام بتطوير المهنة

 

ــ هلا حدثتنا عن جدك ديمتري طرزي؟ وكيف قام بتطوير المهنة؟

– لقد فتح ديمتري طرزي محلاً في بيروت لبيع التحف الشرقية، وفي ذلك الوقت كانت السياحة في الأراضي المقدسة مزدهرة، اذ كان الاوروبيون يزورون بيروت، وكان هناك اهتمام بالتذكارات مثلاً اقتناء طاولة او كرسي حيث لم يكن الأوروبيون معتادين على الطاولات او الكراسي ذات الطابع الشرقي في البلدان العربية، ثم تطورت المصلحة بتصميم الموبيليا بناء على طلب الزبائن، على سبيل المثال الفرد سرسق اذ كان سفير السلطنة العثمانية في باريس وعاد الى لبنان وبدأ يهتم بجذوره وأصله وطلب من عائلة طرزي ان تصمّم له في العام 1915 باباً رئيسياً لمدخل بيته والذي كان عبارة عن لوحات نحاس محفورة على الباب، وبالتالي كانوا يصممون بناء على الطلب، وفي العام 1900 أصبح لدى العائلة عمل آخر اذ طلبت متصرفية جبل لبنان من ديمتري طرزي وأولاده تصميم عرش لكي تهديه للسلطان عبد الحميد لمرور 25 سنة على توليه العرش، وبالفعل صمم ديمتري العرش، ولقد اكتشفت العرش بعد مرور 111 سنة اذ لم يكن أحد يعرف عن تصميم العرش للسلطان عبد الحميد، وقد علمت بالأمر بالصدفة اذ وجدت صورة في أرشيف العائلة وبدأت بالبحث لأعرف اين هي موجودة، وبعد بحث طويل اكتشفت ان تصميم العرش لا يزال موجوداً في قصر <يلديز> في اسطنبول، فذهبت ووالدي الى اسطنبول في العام 2011، وأخذت معي البيانات والصورة والتقينا بمدير المتحف لكي نتأكد ما اذا كان المتحف على علم بذلك وأيضاً لأحصل على المعلومات، وتبين ان لا احد يعرف من أين وصلت هذه الهدية، اذ كانوا يحضرون لاعداد كتاب عن كل الهدايا التي وصلت للسلطان عبد الحميد في العام 1900 وقد اندهشوا عندما عرفوا بالأمر، ولقد أخذت معي مقاييس الكرسي وتأكدنا ان المقاييس هي نفسها واكتشفنا انه منحوت على خشب أرز لبنان إذ صُمم آنذاك كهدية للسلطان عبد الحميد، بالتالي كنت ابحث عن اثباتات وقد تأكدت من صحة المعلومات، وبهذه الطريقة اعددت الكتاب اي أن كل شيء كنت ابحث عنه املك الاثباتات حوله وليس فقط مجرد كلام وما شابه.

3 واستطرد قائلاً:

– لقد تزوج ديمتري طرزي مرتين وأنجب 16 ولداً حيث أنجب 6 أولاد من الزوجة الأولى، و 10 أولاد من الزوج الثانية، وكان والد جدي جورج يهتم بالمحل في دمشق وكان لديه 3 أولاد اميل والفريد وادوار، وعاشوا في دمشق، وبعدها وقعت الحرب العالمية الأولى ومن ثم حدثت مشاكل اقتصادية في القدس لأن الجيش العثماني احتل المحل ليصرف على الجيش العثماني خلال الحرب، وفي القاهرة والاسكندرية كانت هناك فوضى في الحسابات تسببت بالافلاس، وبدأت الفروع الثلاثة تتراجع فالفرع في بيروت تراجع، وأحد الشركاء في مصر توفي اثر اصابته بمرض مما أثّر على اقتصاد المحلات في مصر، وبسبب ما حدث في مصر والقدس تأثر المحل في بيروت أيضاً، أما في دمشق فدُفعت الديون، ولكن سنة 1924 وقع حدث أثّر على المصلحة اذ شبّ حريق في منطقة سوق الحميدية فاحترقت ثلاثة محلات من بينها محل والد جدي، وبالنسبة للمحل في بيروت فلم يعد قادراً ان يكمل بهذه الديون وعندئذٍ اعلن الافلاس سنة 1926، ولكن والد جدي لم يقبل ان يستمر الوضع هكذا طالما هو حي، وعند ذلك طلب من ابنيه الفريد واميل ان يساعداه لكي يدفع الديون واشترى حصص اخواته وكان المسؤول الوحيد عن محلات ديمتري واولاده، اما ولداه الفريد واميل فهاجرا الى المغرب ليعملا مع خالهما الذي كان يملك محلاً في المغرب ودار البيضاء، وعملا هناك ما بين عامي 1928 و 1960، ثم افتتح جدي محلاً في دمشق سنة 1936 ومن ثم في بيروت سنة 1946 اي ازدهرت المصلحة بسبب جهود جدي وشقيقه وكانا شريكين لغاية سنة 1987.

 

اوتيل <الكازار> تحول الى ورشة

عمل خلال الحرب اللبنانية

 

وعن اوتيل <الكازار> يشرح:

– سنة 1960 قام جدي وشقيقه ببناء اوتيل <الكازار> الذي كان يقع ما بين اوتيل <سان جورج> واوتيل <فينيسيا>، وخُصص الطابق الأرضي في اوتيل <الكازار> للتحف الشرقية، وكان المشغل في الطابق الارضي لتصميم الموبيليا والسقوف والجدار الخشب، وكان الاوتيل مزدهراً بسبب السياح الذين كانوا يزورون لبنان ما بين عامي 1960 و1975، ولكن بعدما وقعت الحرب الأهلية في لبنان سنة 1975 أُقفلت الصالات الرئيسية في اوتيل <الكازار> وتحولت الى ورشة وبدأا بتصميم الغرف الشرقية وذلك خلال الحرب، اذ كان جدي يسكن في الاشرفية وشقيقه يسكن في فردان، وكانا يلتقيان في ميناء الحصن خلال الحرب لتصميم الديكور والغرف الشرقية للزبائن خصوصاً لدول الخليج، ولكن أصبحت هناك مخاطرة في فترة الثمانينات اذ اراد جدي ان يوقف المصلحة وفضّ الشراكة بينه وبين شقيقه، وكان اولاد عم والدي ووالدي يعملون سوياً ولكن عند القسمة فتح ميشيل طرزي (والدي) محلاً في برمانا وذلك سنة 1988 اي اصبح لديه محل خاص به وكان جدي قد ساعده لكي يتمكن من افتتاح المحل، وهكذا اكلمنا المسيرة في هذه المصلحة الى ان دخلت الى هذه المصلحة سنة 1997 حيث كنت لا ازال ادرس في جامعة <A.L.B.A>، وسنة 2002 بدأت اهتم بهذه المصلحة أكثر وبشكل مستمر.

 

4الصمود والحفاظ على

ارث عائلة طرزي

ــ ماذا استطعت ان تنجز منذ ان بدأت بهذه المهنة؟ والى اي مدى عملت جاهداً للحفاظ على ارث عائلة طرزي؟

– في البداية كانت مجرد حشرية، وأود ان اذكر انه في العام 1996 ربح ميشيل طرزي (والدي) مسابقة لترميم خشب السفارة الفرنسية في بيروت التي أصبحت قصر الصنوبر (قصر الصنوبر هو منزل السفير الفرنسي)، وتجدر الاشارة الى ان الفرد سرسق هو الذي بنى القصر، وطُلب من عم جدي جبران طرزي ان يصمم كل الخشبيات والأبواب والنوافذ وغلاف الدرج وان ينفذ التصميم أيضاً، وكان من المفترض ان يكون <كازينو> عثمانياً على ايام الحكم العثماني، ولكن خلال الحرب العالمية الأولى تحول الى مستشفى عسكري عثماني من ثم الى مستشفى عسكري فرنسي، وفي العام 1920 وقف الجنرال <غورو> أمام الباب الرئيسي للسفارة واعلن دولة لبنان الكبير، ويبدو في الصورة الباب الرئيسي الذي كان عم جدي قد صممه ولا يزال موجوداً، وبعد مرور 80 سنة قام والدي بترميم قصر الصنوبر: ترميم الدرج وتنفيذ خشبية جديدة للصالون الشرقي، وقمنا بهذا العمل بمشاركة المهندسين الفرنسيين اذ دُهشوا بتراث عائلة طرزي، وبسبب ذلك ركزت على هذه المهنة وأدركت أهميتها وانه واجب علي ان اكمل بهذه المهنة (لدي اخ واخت وهما لا يزاولان هذا العمل ولكنهما يحبان هذه المهنة)، واذا اردت ان اسمي ما انجزته منذ ان بدأت بهذا المجال فهو الكتاب الذي جمعت فيه كل تلك البطاقات البريدية، فهذا الكتاب هو ثمرة جهود على مر عشرين سنة لأن الكتاب يشمل العديد من الأمور المتعلقة بعائلة طرزي، والبطاقات البريدية، والمشاريع التي نُفذت مع عدد من أفراد العائلة.

وأنهى حديثه قائلاً:

– هناك تحدٍ في هذا العصر الالكتروني الذي نعيشه حيث اصبح الانسان يعتمد على الجهاز الخليوي والتكنولوجيا ولم يعد يعتمد على الروح الانسانية، وفي المقابل نحن لا نزال نهتم بالفن الشرقي الذي يُنفذ بفضل العمال والحرفيين، كل واحد ضمن مجال عمله سواء بالحفر او النقش او الرسم، ولدينا تنفيذ مهني يدوي لا نجده بسهولة في اوروبا اذ أصبحت هذه المهنة نادرة في اوروبا بينما لا تزال موجودة في سوريا ولبنان ولكنها تحتاج للادارة، وهذا ما نقوم به  ألا وهو تصميم مشاريع مع أشخاص منهم من يعملون لدينا في الورشة ومنهم من لديهم ورشتهم الخاصة اذ يساعدوننا بهذه المهنة لنحافظ على التراث اليدوي.