11 August,2020

٢٠٢٠ عام الآمال الضائعة أو الجغرافية الجديدة في المنطقة؟

بقلم خالد عوض

لا شك أن وصول الرئيس السابق لإتحاد <رينو ــ نيسان> إلى لبنان في آخر يوم من سنة ٢٠١٩ أخذ حيزا أكبر بكثير، وهذا خلال أيام فقط، في الإعلام العالمي من كل ما حدث في البلد من مظاهرات وتطورات سياسية منذ ١٧ تشرين الأول (أكتوبر) من العام المنصرم. وهذا إن كان يدل على شيء فهو أولا أن عالم الأعمال يهم الإعلام العالمي والغربي تحديدا أكثر من السياسة. وثانيا أن المسائل الشخصية هي أكثر جاذبية من الشؤون العامة وهذا واضح مثلا في حجم متابعي المشاهير على شبكات التواصل الإجتماعي مقارنة بالسياسيين. أما الأمر الثالث وربما الأهم هو أن العالم لا يؤمن بأن شعب الشرق الأوسط، من إيران إلى الجزائر مرورا بلبنان، قادر على تغيير حقيقي في البنية السياسية لبلاده، فهو ينظر إلى مظاهرات العراق ولبنان مثلا على أنها إعادة يائسة لسيناريو <الربيع العربي> الذي بدأ في تونس عام ٢٠١٠… صحيح أن تونس تمكنت نسبيا من تحقيق إنتقال ديمقراطي ناجح، إلا أن الثورات والانتفاضات في كل البلدان الأخرى تمخضت عن حكم سياسي لا يختلف بنيويا عن الأنظمة السابقة.

الإنتفاضة اللبنانية… نقاط ضعف!

هناك حقائق يجب أن تقال كما هي في المسألة اللبنانية. لا يمكن بناء لبنان الحلم الذي يطالب به المنتفضون الشباب في كل مناطق البلد بوجود جو طائفي ومذهبي مقيت تستخدمه مكونات السلطة كحصن منيع لها. هناك أولا واجب توعوي على المنتفضين أن يقوموا به ليقنعوا الذين لا زالوا مغررين طائفيا ومذهبيا بينهم أن <الثورة> لا دين أو طائفة لها، كما أنها ضد المنظومة كلها حتى لو اسقطتها على مراحل، اذ يمكن أن تشعر طائفة أو مذهب في كل مرحلة أنها مستهدفة هي وليس غيرها. هذا <الإقناع> يتطلب اسابيع وحتى شهوراً طويلة وهو مرتبط أيضا بشكل الممارسة عند المنتفضين.

الحقيقة الثانية هي أن تركيبة لبنان السياسية جزء لا يتجزأ من مفاتيح الفساد في البلد والعكس صحيح، أي أن المستفيدين ماليا وإقتصاديا من ميزانية الدولة بطريقة إما غير مشروعة أو <مقوننة على الطريقة اللبنانية> وبنسب أرباح غير منطقية هم الذين يتحكمون بمعظم قرارات مجلس الوزراء، ومن الطبيعي في هكذا منظومة أن يستفيد <الزعماء> والسياسيون بشكل مباشر من تقديمات وحصص في أعمال هؤلاء المستفيدين. كسر هذه العلاقة <المقوننة> يلزمه إطار مؤسساتي متكامل يبدأ من القضاء ولكن تحت إشراف قيادة سياسية جديدة ما زالت غائبة حتى الآن. ولذلك أصبح من واجب الإنتفاضة أن تفرز قيادات لها قادرة أولا على إقناع الناس بالمشروع اللاطائفي وثانيا على بلورة تصور جامع للمبادئ الإقتصادية الأساس للمستقبل. الإثنان غير متوافرين اليوم.

التحدي الثالث والأخطر للإنتفاضة الثورية في لبنان هو تحويلها إلى عنصر إضافي للمنظومة الحاكمة بدل أن تبقى عنصرا تغييريا شاملا، فالكلام عن تمثيل الحراك في الحكومة والتفاوض مع بعض المنتفضين يفقد الإنتفاضة كل صدقيتها فتصبح لاعبا جديدا في الفريق المهترئ نفسه. الكثيرون من المنتفضين اليوم ربما عاجزون عن مقاومة جاذبية الاستيزار والدخول في السلطة، وهنا الإمتحان الذي يمكن أن تهان فيه كل الثورة.

حسان دياب والثقة الثلاثية!

أصبح من المعروف أن مصير ودائع اللبنانيين لم يعد مرتبطا بالوضع المالي للبلد بل بالشق السياسي. مفتاح الثقة اليوم هو في السياسة أولا. من المبكر الحكم على أداء رئيس الحكومة المكلف الدكتور حسان دياب وعلى شكل الحكومة التي يريد تأليفها وقدرتها على إستنباط الحلول السريعة والناجعة. الرجل لا يبحث عن زعامة سياسية وهو لم يجامل، حتى الآن، أي طرف سياسي وهذا السبب الأول في تأخير التأليف كما أنه يعرف تماما أن على حكومته أن تكسب ثقة مثلثة الأبعاد: في الشارع أولا والمجلس النيابي ثانيا والمجتمع الدولي ثالثا، ولن تقلع من دون الثلاثة مهما خلصت النوايا. الشارع يريد المحاسبة أي رؤية مسؤولين في السجون وإستعادة الأموال المنهوبة وإنتخابات نيابية مبكرة. السلطة تريد تمويه المحاسبة وترفض إنتخابات نيابية في غير موعدها الدستوري وتسعى لمحاصصة مستمرة للقرارات الإقتصادية عبر التجييش المذهبي المستمر. المجتمع الدولي يريد حكومة شرعية تنال ثقة الناس وتقوم بالإصلاحات المطلوبة منذ <مؤتمر باريس ١> في ٢٠٠١. كيف يمكن التوفيق بين كل ذلك؟ وهل يتمكن رئيس الحكومة المكلف من نيل هذه الثقة المكعبة ويسطر بذلك إنجازا سياسيا إستثنائيا؟ التحدي كبير، وحسان دياب كان قد وعد نفسه بتأليف سريع للحكومة رغم كلامه عن اسابيع، ولكنه بدأ يصطدم بلاءات سياسية غير مسؤولة وبجمهرة مذهبية مقيتة في الشارع وبلامبالاة دولية مستغربة. كل هذا تحت ضغط إختفاء أي نمو إقتصادي وتراجع كبير في إيرادات الخزينة مما يشكل الخطر الأكبر على ودائع الناس.

إذا لم يتمكن الحراك الثوري خلال فترة وجيزة من إفراز قيادات قادرة على تمثيل البديل الأفضل والواعد عن <البوطة الحاكمة> ومن عنونة رؤية سياسية وإقتصادية جامعة، فلن يأتي العام المقبل بالأحلام وستمضي السنة المنصرمة كسنة أوهام بلبنان أفضل.

وإذا كان عام ٢٠١٩ هو عام فقدان الثقة الداخلية والخارجية بالقطاع المصرفي اللبناني ودخول البلد رسميا في نادي الدول الفاشلة، فالرجاء أن لا تصبح سنة ٢٠٢٠ سنة خسارة إهتمام العالم بلبنان كدولة سيدة مستقلة… ما أحوجنا اليوم إلى بطريرك حويك ينسج لنا لبناننا الكبير لمئة سنة جديدة قبل أن تأكل الجغرافية الجديدة في المنطقة ما تبقى من لبنان ١٩٢٠… الكبير.