16 December,2018

يــــذهـب الأســــد أم يـبـقــــــــى.. تــــــلك هـــــــــي الـمــســألــــــــــــــــــة!

 

بقلم وليد عوض

بوتين-سلمان من أقوال الرئيس الفرنسي الأسبق <جاك شيراك> أن الوعود لا تربط إلا الذين يطلقونها ويثقون فيها>.

   وما أكثر الوعود التي تشنف آذاننا في لبنان والوطن العربي ومن هذه الوعود وعد الرئيس تمام سلام ووزير الزراعة أكرم شهيب بأن ساعة الخلاص من النفايات آتية لا ريب فيها. والكل ينتظر. ومن الوعود الرنانة أيضاً قول العماد ميشال عون في مهرجان التيار الحر المجاور لقصر بعبدا انه سيعلن حرباً على الفساد، وعلى تجاوز الدستور في جلسات مجلس الوزراء، ذهاباً من تفرد وزير الدفاع سمير مقبل بإحالة العميد شامل روكز، صهر العماد عون، الى التقاعد، بعدما كان موعوداً ــ أي العماد عون ــ بأن العميد روكز سوف يرقى الى رتبة لواء، أي ستتمدد ولايته سنة أخرى، يمكن بعدها أن يصبح قائداً للجيش.

   وعود على الطاولات، وفي التصريحات، و<عالوعد يا كمون>.

   و<سيمفونية> الوعد تنطبق كذلك على الرئيس الفرنسي <فرانسوا هولاند> الذي وعد من قابله من الشخصيات اللبنانية بأن فرنسا ستبذل جهدها للتعجيل بانتخاب رئيس للجمهورية، وأقرن هذا الوعد بزيارة لبنان ثم صرف النظر عن هذه الزيارة، وكلف بها رئيس البرلمان الفرنسي <جيرار لارشيه> الذي سيفتتح في بيروت خلال تشرين الثاني (نوفمبر) المقبل معرض الكتاب الفرانكوفوني في مجمع <البيال>، لكن <لارشيه> سيمسك المقص لقطع شريط الافتتاح، ولن يملك بالمقص نفسه قطع الفراغ في كرسي رئاسة الجمهورية. أمر يتجاوز قدراته، وكل ما يستطيع أن يفعله وهو يلتقي نظيره الرئيس نبيه بري هو أن يسأل رئيس مجلس النواب اللبناني: ماذا تريدونني أن أفعل؟

   وخلال أسابيع سيجتمع الرئيس الفرنسي <هولاند> بالرئيس الإيراني <حسن روحاني>، ولن يأخذ منه في موضوع الرئيس اللبناني العتيد، أكثر مما أخذه وهو يلتقيه في نيويورك خلال أيلول (سبتمبر) الماضي، أي لا حقاً ولا باطلاً!

   لقد تغير المشهد بعد الدخول العسكري الروسي على الخط في سوريا، وصار الرئيس <فلاديمير بوتين> من المرجعيات الكبرى في ملف الرئاسة اللبنانية، ولا أحد يستطيع أن يقطع خيطاً في هذا الملف دون الرجوع إليه. فمن يملك طائرات <سوخوي> وصواريخ <كروز> المنطلقة من بحر قزوين، يملك كذلك قرار الحسم في معركة رئاسة الجمهورية اللبنانية، بالتواصل طبعاً مع إيران والسعودية التي تنفتح بينها وبين موسكو الآن جسور بالجملة، بعد الزيارة الثانية التي قام بها ولي ولي العهد وزير الدفاع الأمير محمد بن سلمان بن عبد العزيز لروسيا، والتقى في منتجع <سوتشي> الرئيس <بوتين> وكان الحوار على بساط أحمدي..

   فقد أبدى الأمير محمد بن سلمان قلق السعودية من الغارات الجوية التي تشنها طائرات <سوخوي> على الشمال السوري، ومثلها صواريخها الآتية من أسطولها في بحر قزوين، لأن هذه الأسلحة التدميرية تصيب مواقع المعارضة السورية المعتدلة، ولا تقف عند مواقع وترسانات <داعش>.

مصير الأسد

   ويخشى السعوديون من أن تكون هذه الغارات الروسية وسيلة لإنقاذ الرئيس بشار الأسد من السقوط، مع أن اتفاق <جنيف واحد> يتحدث عن سلطة انتقالية، وهذا يعني ان سلطة الأسد يجب أن تذهب من مداها الى منتهاها..

   وها هو وزير الخارجية السعودي الدكتور عادل الجبير يقول يوم الأحد الماضي، في أعقاب زيارة ولي ولي العهد السعودي لمنتجع <سوتشي> ان مستقبل سوريا لا يلحظ بقاء الرئيس الأسد، بل يذهب وتخلفه سلطة انتقالية تدعو الى انتخابات رئاسية جديدة.

   أي ان نقطة سوء التفاهم بين موسكو والرياض هي: يبقى الأسد، كما تقول روسيا، ويذهب الأسد، كما تقول السعودية، بعد هذه الدماء الغزيرة التي أهرقت في سوريا.

   وحتى الآن لا يتوصل المحللون السياسيون الى معرفة الغرض من هذا التدخل الروسي العسكري الكثيف في سوريا، لأن معالمه ما تزال أسيرة الغموض، وهذا ما يبعث القلق لا في الرياض فقط، بل كذلك في البيت الأبيض، لأن روسيا سحبت السجادة العجمية من تحت قدمي الرئيس <أوباما>، وصارت تتحدث مع إيران مباشرة لا بالواسطة. بل بلغ من التحالف الروسي ــ الإيراني أن إيران لم تحتج على سقوط ثلاثة صواريخ <كروز> طائرة من الأسطول الروسي في بحر قزوين ضمن الأراضي الإيرانية، ولم نسمع من إيران أي خبر حول هذا السقوط..

   أي ان الرئيس الروسي <بوتين> باق في السلطة حتى عشرينات هذا القرن، وإيران باقية على الخط، سواء بالرئيس <روحاني> أو بشخص آخر يختاره المرشد الأعلى السيد <علي خامنئي>، حسب الظروف المستجدة، ووحده الرئيس <باراك أوباما> سيحزم حقائب ملابسه في البيت الأبيض مع نهاية شهر كانون الأول (ديسمبر) 2016، ويعود الى حياة المواطن العادي، مثله مثل <جيمي كارتر> و<جورج بوش الأب> و<جورج بوش الابن> و<بيل كلينتون>، وربما اعتاش أيضاً من المحاضرات التي يلقيها في عواصم العالم مثل <كلينتون>.

 

كورماشوفنصيحة هيكل

   وليس معنى ذلك ان <بوتين> و<روحاني> سينفردان وحدهما بملف المنطقة، بل سيكون للسعودية دورها الفاعل في هذا الملف، وكذلك الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي الذي فتح باباً خلفياً على سوريا، وتلقّى دعوته الى زيارة دمشق من قبل عميد الصحافة العربية محمد حسنين هيكل في حوار مع الإعلامية لميس الحديدي على قناة <سي بي سي>.

   وابن الثانية والتسعين، أي هيكل، يرى بثاقب نظره، وبُعد رؤيته، ان مصر من خلال تفكيك المصاعب في الملف السوري، قادرة على استرجاع بطيء لدور الرئيس جمال عبد الناصر في المنطقة ومنها لبنان، حيث كان له تأثيره في انتخاب رئيسين: اللواء فؤاد شهاب، ووزير التربية شارل حلو.

   ولكن الصورة ضبابية، ولا نور للشمس فيها، بفعل تعقيدات المنطقة والعالم. فالسعودية تنزل بكل ثقلها من أجل استرداد الشرعية في اليمن للرئيس عبد ربه منصور هادي، ولا تحب أن يشغلها عن هذا الهدف شيء آخر. وإيران مشغولة بحصاد الاتفاق النووي الذي وقعته في <فيينا>، كما هي مشغولة بما يجري في جارها العراق. فحليفها الأول رئيس الوزراء السابق نوري المالكي تحت مطرقة الاتهامات بتبديد المال العام، خلال توليه السلطة، والسيارات المفخخة صارت مشهداً يومياً في بغداد والضواحي، وحصادها مئات القتلى وآلاف الجرحى، ووصلت السيارات المفخخة الى البصرة الجارة الأقرب الى إيران..

   وفي السيارات المفخخة فتش عن مشروع خلافة الشام والعراق، أي <داعش>. و<داعش> استهدف أحد مواكبه العسكرية يوم الأحد الماضي من قبل مدافع طائرات الجيش العراقي، ودارت التكهنات حول نتائج هذه الغارة المحكمة: هل كان رئيس تنظيم <داعش> أبو بكر البغدادي في هذا الموكب، ولقي حتفه؟ هل تفادى الموت ولملم جراحه؟! أم لم يكن في الأصل ضمن هذا الموكب؟

حديث التكهنات

   والتكهنات دوارة حول زعامة <داعش> إذا كان أبو بكر البغدادي قد لقي حتفه فعلاً. وفي حال وفاته، فإن الأنظار تتجه الى زعيم <القاعدة> الدكتور أيمن الظواهري الذي انطلقت من عنده بدايات أبو بكر البغدادي، وله هو أن يختار الخليفة لدولة الخلافة في العراق وسوريا. وقد جاءت الغارة على موكب <داعش> عند منطقة <القائم> على الحدود العراقية ــ السورية، لتشير الى أن أبا بكر كان يريد التوجه الى سوريا على سبيل معاينة معاقل التنظيم.

   ويخطئ من يعتقد أن لبنان سيكون في منأى عن الخطة الموضوعة لاقتلاع <داعش>، خصوصاً وأن بعض ارهابيي <داعش> يعسكرون في أعالي بلدة <عرسال>، أي ان قنابل طائرات <السوخوي> لن توفرهم، وهذا يؤكد الخبر الذي يقول ان الملحق العسكري في السفارة الروسية اللواء <رافيل كورماتشوف> قد طلب من قيادة الجيش اعطاءه معلومات عن مواقع الجنود اللبنانيين الأسرى الخمسة والعشرين، حتى يكونوا في مأمن من قنابل طائرات <سوخوي> إذا ما سقطت فوق الارهابيين عند أعالي عرسال..

   وفي رأي خبراء عسكريين بالجملة أن الرئيس الروسي <بوتين> يعلن على جماعة الشيشان حرباً استباقية، أي يضرب المعاقل التي تحويهم في سوريا، قبل أن يفروا الى بلاد الشيشان. ومن يضرب أولاً.. يكن له الحصاد في النهاية!

   أسلاك شائكة، هذه المرة سياسية، وليس معدنية، وليس من السهل تجاوز هذه الأسلاك كما يفعل أهل الحراك الشبابي في ساحة رياض الصلح.