15 November,2018

يــــد خـفـيـــــة تـريـــــد أن تـطـفـــــــئ مـجــــد تـمـــــام ســـــلام بـجـبــــــال الـنـفـايـــــــات!

 

تمام-سلام-و-هولاندبقلم وليد عوض

 الرئيس تمام سلام هو النموذج المطلوب لحكم السراي الحكومي. ولأنه كذلك، فالحملات عليه تترى من كل حدب وصوب. وما حملة النفايات التي تبخ السموم لأهالي بيروت والجوار إلا بعض الخفايا التي في الزوايا. فمن يقف وراء فضيحة النفايات يريد اصطياد الصفات الخلاقة التي يتميز بها الرئيس تمام سلام. ومن يحرك هذا الوحش <النفاياتي> لإطفاء مجد تمام سلام، بعدما أيقن سواد اللبنانيين، وحتى السفراء العرب والأجانب، أنه عطية من عطايا الرب للبنان؟ وما الإشادة به على لسان البطريرك مار بشارة الراعي إلا للتذكير بأن المطلوب للبنان رجال مثل تمام سلام.

   يمارس تمام سلام مناقبية رئاسة الحكومة، وسط طوفان من الحرائق السياسية والأمنية في طول المنطقة وعرضها، أي ان الامساك بناصية الحكم في مثل هذه الزوابع الأمنية التي يثيرها تنظيم <داعش> عملية بطولية في وجه القدر الصعب. وبدلاً من أن تتهيأ الفرص لتمام سلام حتى يعبر العاصفة الآتية من سوريا، والنكبة التي يمثلها مليون ونصف مليون نازح سوري، والقروض العالمية الواعدة للبنان، بدءاً من البنك الدولي، وصندوق النقد الدولي، تثار في وجهه فضيحة النفايات، وهي مسألة ثانوية عند الدول الراقية، ولكنها هنا تتصل بما يمثله تمام سلام ونواب بيروت من عصمة للعاصمة اللبنانية. وما الاعتداء الأرعن على سيارة الوزير رشيد درباس في شارع الحمرا إلا حلقة من سلسلة التعكير على رئيس الحكومة الذي جاء برشيد درباس وزيراً.

   بإدخال بيروت في عاصفة النفايات، يجد تمام سلام نفسه محصور الاهتمام في القضايا الصغرى، بدلاً من القضايا الكبرى التي تعود والده الرئيس صائب سلام أن يواجهها، ويتغلب عليها.

   فالمطلوب من الحكومة التي يرئسها تمام سلام أن تبحث مستقبل الأجيال، بتطبيق اللامركزية الادارية التي نص عليها اتفاق الطائف، وبذلك تكون لكل محافظة مسؤوليتها في لجم المشاكل التي يواجهها المواطنون، بدلاً من أن تلقى كل الأثقال على الحكومة، ويسلم المحافظون ورؤساء البلديات من الحساب.

   وفي الاعتذار التي قدمته رئيسة لجنة التربية البرلمانية السيدة بهية الحريري لأهالي بيروت بسبب أزمة النفايات اعتراف بما يعانيه أهالي بيروت من ظروف صحية وبيئية كالحة من جراء جبال النفايات، وتقطّع السبل في وجه إيجاد مطامر لهذه النفايات بعد اغلاق مطمر الناعمة.

   وأهم ترضية لمعاناة الرئيس تمام سلام جاءت هذه المرة من الرئيس الفرنسي <فرانسوا هولاند> الذي جعلته صفقة السلاح الفرنسية بتمويل سعودي جزءاً من سياسة العناية بالأوضاع اللبنانية، إذ تمنى على الرئيس تمام سلام في اتصال هاتفي عدم التفكير في تقديم الاستقالة لأن أي خطوة من هذا النوع ستعرض الاستقرار الداخلي في لبنان للاهتزاز. كذلك وفي الموضوع نفسه تلقى رسالة ديبلوماسية من الفاتيكان عبر قنوات ديبلوماسية تعلن الاستغراب للأنباء التي تتحدث عن توجه الرئيس سلام الى الاستقالة.

   والرئيس <هولاند> كما حكومة الفاتيكان، يأخذان في هذا السياق بظروف المنطقة المحيطة بلبنان، بدءاً من سوريا وتركيا التي نزلت بكل زخمها العسكري الجوي ضد تنظيم <داعش> خصوصاً بعدما استهدف هذا التنظيم بتفجير انتحاري مجموعة من الطلاب الأكراد في بلدة <سروج> التركية وبعد قتل اثنين من رجال الأمن الأتراك.

 

انقلاب الموقف التركي!

 

   وما يستوجب الملاحظة هو تأييد الولايات المتحدة لهذه الحرب التركية الجوية ضد <داعش> بعد حصول الرئيس <باراك أوباما> موافقة على إقلاع الطائرات الأميركية من قاعدة <انجرليك> التركية، على أثر غياب كامل للطائرات الأميركية عن هذه القاعدة، وفي تفسير ذلك هناك عدة احتمالات:

   ــ الأول ان تركيا اكتشفت ولو متأخرة ان مشروع الدولة الكردية يضم أجزاء من تركيا بدءاً من <دياربكر> و<ماردين> قد بدأت ترسم معالمها، وتشكل خطراً على الأمن الجغرافي التركي، فانتفض السلاح التركي ضد جيوب الأكراد في العراق وسوريا، مثلما انتفض ضد تنظيم <داعش> بعدما كان قد استخدمه في عدد من المخططات، ولاسيما محاولة إسقاط النظام السوري.

   ــ الثاني أن تركيا وضعت نصب عينيها احتمالين: إما ذهاب المنطقة الى التقسيم، وتركيا ضد هذا التقسيم، بدءاً من انفصال الأكراد عن جغرافيتها، واما أن يكون التقسيم متعذراً في الوقت الحاضر، وإذ ذاك تتريث تركيا في المواجهة، وتكتفي بمراقبة الأحداث ومجرى المخططات.

   وفي كل الأحوال تبقى العودة عن الخطأ فضيلة، تماماً كما فعل الرئيس الأميركي <باراك أوباما> عندما أعرض عن محاولة تغيير النظام الإيراني بالقوة، وهي السياسة التي انتهجها سلفه <جورج دابليو بوش>، والانتقال الى اخراج إيران من <محور الشر> وإعادتها الى المشهد الدولي كشريك تجاري للولايات المتحدة وأوروبا، والى دور رئيسي في منطقة الشرق الأوسط، وقد ساعد على ذلك مجيء الرئيس <حسن روحاني> الموصوف بالاعتدال، والمؤيد من مرشد الثورة الاسلامية الإيرانية السيد <علي خامنئي>، وكان مهماً قول الرئيس <روحاني>: <علينا أن نتفاوض مباشرة مع عمدة القرية (يقصد الولايات المتحدة) بدلاً من التفاوض مع حلفائه الأوروبيين، والتعاون معه في البحث عن الطرق والوسائل التي تكفل جلوسنا الى مائدة الشطرنج الدولية.

ماذا سيحدث بعد <أوباما>؟

   لا نقول ان التعاون الإيراني ــ الأميركي قد وصل من مداه الى منتهاه. فأمامه أشواط لا بد من اجتيازها، قبل أن يصبح الاتفاق النووي فعلاً اجرائياً. وإذا كان الرئيس الإيراني <حسن روحاني> باقياً في الحكم لتنفيذ الاتفاق الذي وقعه وزير الخارجية <محمد جواد ظريف>، فإن <أوباما> سيترك السلطة مع اليوم الأول من عام 2017، ومن يضمن ماذا سيكون عليه موقف الرئيس الآتي. فإذا كان من الحزب الديموقراطي، أي <هيلاري كلينتون>، فإن الخليفة لـ<أوباما> سيحفظ عهد الاتفاق النووي. أما إذا كان جمهورياً مثل <بوش الثالث> فربما انتقل الاتفاق النووي الى كف عفريت!

   صحيح ان الرئيس <أوبــــــاما> العــــــائد من زيـــــارة الأهل في كينيا، مسقط الرأس، يملك <الفيتو> بحسب الدستــــور ضد تصويت أغلبية الكونغرس ضـــــد الاتفــــــاق الإيـــــراني، ويمرر الاتفاق بالقــــــوة، إلا انـــــه في هذه الحالة اردوغان-و-اوباماسيوصم بتهمة الديكتاتورية، ولا يسلـــــم الاتفـــــاق النووي من التجريح، لأنه حصل على جواز المرور الأميركي بطريقة ديكتاتورية.

   ولعل ما فينا هنا في لبنان يكفينا، خصوصاً بعدما اشتد عود الرئيس السوري بشار الأسد، وهو يتلو خطابه الأخير، بعد الاطمئنان الى استمرار الدعم الإيراني الذي بشر به أمين عام حزب الله السيد حسن نصر الله في مهرجان تكريم عوائل الشهداء، بمعنى ان إيران لن تتخلى عن حلفائها، وان الاتفاق النووي الذي جرى توقيعه في فيينا، ليس حركة تغيير لسياسة إيران حيال سوريا، وهذا يعني استطراداً ان إيران باقية على التواصل مع حزب الله، وبهذا التواصل كان تحذير السيد حسن نصر الله للرئيس تمام سلام من الاستقالة بالنظر لما تمثله من خطورة على الاستقرار في لبنان.

في البدء: أزمة سوريا!

   والاستنتاج الطبيعي لكل هذه الملابسات ان أزمة الشغور الرئاسي في لبنان باقية طالما ان النظام السوري لم يتغير، ويستنشق المزيد من جرعات الأوكسيجين الإيراني والروسي.

   ولا يزال الرئيس الروسي <فلاديمير بوتين> ووزير خارجيته <سيرغي لافروف> متمسكين بمشروع التحالف الشرق أوسطي لإيجاد حل سياسي للأزمة السورية، وهو المشروع الذي جرى عرضه على وزير الخارجية السوري وليد المعلم في آخر رحلة قام بها الى موسكو، واستغرب عند سماعه هذا المشروع كيف تلتقي سوريا مع الدول التي أرسلت إليها المحاربين الارهابيين ودعمتهم بالمال والسلاح. والمقصود بهذا الكلام هو تركيا التي أدخلها الروس هذا التحالف الذي تبشر به، وكان أول ثماره انقلاب الحكم التركي على تنظيم <داعش> بعدما كان له الأم والمرضعة.

   وبتنا هكذا محكومين بالتطلع الى ما يجري في سوريا، وعلى الحدود التركية، حتى نستكشف معالم مستقبل قصر بعبدا الرئاسي. وهذا التطلع سيأخذ مداه، لأن التغيير لن يتم بين عشية وضحاها، بعدما اعترف الرئيس <أوباما> مواربة بأن الولايات المتحدة تساند تركيا في إقامة منطقة عازلة على طول حدودها مع سوريا لإيواء النازحين السوريين، وهو أمر يستدعي المزيد من الوقت. وعامل الوقت كذلك متلازم مع حركة استئصال <داعش>. فها هو المرشح الرئاسي الأميركي الجمهوري <ريك بيري> يقول لشبكة <سي أن أن> ان <داعش> سيستمر في التمدد إلا إذا واجهته الولايات المتحدة وحلفاؤها بتدخل عسكري بري.

   وإضافة الى ذلك فإن الشغور الرئاسي في لبنان لن يصل الى نهاية سعيدة، إلا إذا حصل التفاهم بين طهران والرياض، وكان مستغرباً أن يزور وزير الخارجية الإيراني <محمد جواد ظريف> الكويت وقطر وسلطنة عمان لشرح مفهوم إيران للاتفاق النووي الموقع بين إيران ودول الغرب، ولا تشمل الزيارة العاصمة السعودية الرياض، أو تبدأ منها، ربما لأن السياسة السعودية ترى ان الاتفاق مع طهران ما زال مبكراً، وان الأمر يستدعي مراقبة مفاعيل الاتفاق النووي قبل أن تعطيه البركة، ومن هذه المفاعيل دور إيران في مملكة البحرين، وفي دعم الحوثيين اليمنيين.

   وقبل ذهاب حرارة الصيف، لا رؤية لتغيير مفاعيل الاتفاق النووي على… البارد!