13 November,2019

”يربوا بعزّكن“ فيلم اجتماعي كوميدي برتبة.. ”مميّز“

بقلم عبير انطون

ماذا بين ابن النائب السابق

و”مسعد“ النجّار في غرفة الولادة؟

 

كنا نشاهد العرض ما قبل الاول لانطلاقة فيلم <يربوا بعزكن> السينمائية رسميا على الشاشات اللبنانية لما خرجنا و<كانت الدنيا في خارج صالة الافتتاح قايمة قاعدة>، حيث يغلي الجمر تحت رماد المطالب الاجتماعية للّبنانيين الذين بلغ فيهم عدم الثقة بالمسؤولين عنهم درجة <اللاعودة> مع امعانهم في تحميلهم <ضرائب> تقاعسهم وتقاسمهم على مدى سنوات.

 الاضاءة على الفيلم الذي كان يستعد لان يرى النور على الشاشات واجبة لا بل حتمية في هذه الظروف بالذات خاصة وانه يحمل في طياته وجع الناس وهمومهم ايضا، وهو في المواضيع التي تطرق اليها استمد احداثه ومسائله الشائكة من قلب هذا المجتمع اللبناني الذي تتوحد <حقوقه> الحياتية اليوم. الى ذلك، فان الفيلم الـ<نظيف> بكل ما للكلمة من معنى من حيث قصته واسلوبه واداء ممثليه وشخصياته وتصويره واخراجه يستحق التصفيق والمشاهدة، ليس بناء على المقولة الممجوجة بواجب تشجيع اي فيلم لبناني حتى تدور عجلة السينما الاقتصادية وهي مقولة لا تقنع الكثيرين، إنما على قاعدة انه فيلم يستحق المشاهدة. هو كوميدي بامتياز، لكنه اجتماعي بالدرجة الاولى، يمس الاعماق، ناضج ومقنع، وأهلٌ فعلا لأن ينتزع حوالى الساعتين الجميلتين من وقت المشاهد وفلوسه.

فمن هم صنّاع الفيلم؟ ما الذي قدمه للمشاهد؟ كيف لمس باداء ممثليه من عمار شلق الى باميلا الكك ورولا بقسماتي وشادي حداد والقدير غبريال يمين اعماق كل منا، وماذا عن المفاجأة التي قدمها من حيث اداء الممثل رامي عطالله الذي مد الشاشة بتميز كبير حتى سألناه في <الافكار>: <وين كنت من زمان>؟

صبيّان وبنت..!

 

 يروي النص الذي كتبه آيزك فهد ودوريس سابا، واخرجه دايفيد اوريان في انتاج مشترك لآيزك فهد ووسام لحود، قصة سيدتين لا يقتصر الاختلاف بينهما على لون الشعر والبشرة اذ احداهما شقراء (باميلا الكك) والثانية حنطية ذات شعر كستنائي (رولا بقسماتي)، انما أيضا على الانتماء الطائفي لكلتيهما، فالاولى درزية تزوجت بابن نائب سابق (شادي حداد) من غير دينها ما <اغضب> اهلها فانقطعوا عن اي تواصل معها حتى مع دخولها ساعات الولادة القيصرية، والثانية مسيحية هي وزوجها يستقران في احدى قرى الجبل حيث <جوز الصبيان> <عطية من الله> فيما البنت <معليش الله يعيشا حتى تهز لاخواتا> كما تقول <ام مسعد> في الفيلم الممثلة القديرة وفاء طربيه بدور والدة عمار شلق.

الى ذلك، فان الاختلاف بين السيدتين طبقي ايضا، فزوج الاولى ابن النائب السابق صاحب مقاولات ومشاريع كبيرة يحجز الـ<سويت> لولادة زوجته، فيما زوج الثانية <نجار> في منشرة على <قد الحال> لا يكفيه ما يجنيه منها وضع <ديبوزيت> في المستشفى الخاص عينه الذي حط القدر رحال زوجته الحامل فيه، بعد ان <فقشت مية الراس> لولادة الصبيين التوأم وهي كانـــــــــــــــــــــــت في طريق عودتها الى <راس التلة> مع الشاب الذي يعمل معه في المنشرة بعد ان ائتمنه على مشوار تقضيه في الـ<بيك آب> المخلّع الى العاصمة وما عاد بامكانهما بلوغ الضيعة من جديد حيث طبيبها المتابع.

عمار: حتى العلكة اخذوها..!

باقناع كبير لعب عمار شلق دور <الهمشري>، لكن المتقد عنفوانا وكرامة في الوقت عينه. <قبضاي وزكرت> في ما يتعلق بولادة <صبيّيه> بعد انتظار لعشر سنوات، وحنون طيب ينام على الاريكة بجانب زوجته، ويداري خواطر امه. لا يملك سوى <منشار الكهرباء>، اي رأسمال عمله، كدفعة على الحساب للمستشفى التي تأبى ان تحتضن زوجته بعد ساعات على ولادتها. الفيلم ينقل هنا معاناة الكثيرين ممن صرخوا في الساحات التي ملأت لبنان بمن يموتون على ابواب المستشفيات، صرخات بلغت اوجها حتى انفجرت بعد سنوات <هي اسوأ من ايام الاقطاع> حتى. وبحسب عمار <سابقا كان المبدأ كلوا وطعموا فيما اليوم حتى العلكة يريدون ان يشيلوها من تمنا>..وبرأيه، فان الطائفية التي تحكمت بالبلد على مدى سنوات كانت ما حال دون التفاف الناس <عاللقمة والبطالة والزبالة والدوا ومواجهة الحرايق>..

 <النص المهضوم على عمقه> كان الحافز الاول لمشاركتي بـ<يربوا بعزكن> يقول عمار، ولما كلمني المخرج دايفيد اوريان بانه بصدد التحضير لفيلم من كتابة ايزك فهد الذي لم اكن اعرفه سابقا اخبرني ان فكرته خطرت لايزك لما كانت زوجته تلد ابنته، فـ<اشتغلت التيليباتي الابوية> وانا أب لابن خمس سنوات أيضا، كذلك فان <تركيبة> الممثلين جاءت بغاية الحرفية، وأعتقد ان ذلك يبرز بقوة في الفيلم.

 التركيبة الموفّقة في اختيار الممثلين اثنت عليها باميلا الكك أيضا التي احبت دور <راي> لانه يمسها بالعمق مستذكرة القضية الشهيرة التي شغلت المجتمع اللبناني منذ سنوات في بلدة كترمايا الشوفيّة، كما اثنى عليها كل من رولا بقسماتي وشادي حداد اللذين اقنعا المشاهدين كل بدوره المتقن، هو ابن النائب السابق <المريّش>، وهي زوجة <مسعد> التي تحب زوجها بكل ما فيه..

رامي: هذا <سبع>..!

 مفاجأة الفيلم من حيث الاداء كانت لـ<سبع> الفيلم، الممثل رامي عطالله بدور الشاب الذي يعمل كساعد أيمن لـ<مسعد> في المنشرة، ومستعد لان يضع روحه على كفه لاجل <معلمه> وزوجته الحامل، في شخصية جمعت الى الطرافة وخفّة الظل، القوة والتأهب الدائم.

اين كنت قبلا نسأل رامي خريج المسرح والذي أسس أكاديمية لتعليم التمثيل عبر ورش عمل فيجيبنا:

– اشتغلت الكثير من الادوار التلفزيونية، ومنذ سنتين لعبت دور البطولة في فيلم ايراني بعنوان <بتوقيت الشام>. ايزك فهد الذي يعمل في <غراند سينما> وكان من تولى تسويق الفيلم الايراني في لبنان، أحب ما قدمته في الفيلم، وكذلك المخرج دايفيد اوريان، علما ان لي ادوارا عديدة في التلفزيون الا ان جمهور المسرح يعرفني بشكل أكبر.

وعن النقاط المشتركة التي تجمعه بشخصية <سبع> التي يقدمها في الفيلم يقول رامي:

– من حيث اللهجة والمهنة انا بعيد كل البعد عن <سبع> الا انني ايضا ابن ضيعة، من <ادونيس> جبيل. مثله املك <الحمّية>، ولا يزال ابناء القرى والضيع يعيشون <اللحمة> التي بين <مسعد> و<سبع> ولا نجدها في المدن، فنجده مستعدا للمستحيل كرمى لزوجة معلمه وولادتها بالسلامة. كذلك فان روح الوحدة هذه نقلها مشهد دق الجرس في كنيسة الضيعة، فأهلها لما سمعوه نزلوا جميعا للتبرع بالدم بقافلة من السيارات تصطف امام المستشفى استجابة لنداء طلب الدم لشخص لا يعرفون من هو، في حين ان شخصا واحدا من موظفي شركات ابن النائب حضر للتبرع في اليوم الثاني على النداء ما جعله محط تندر من <مسعد> حيث يقول له: <كنت تعا بكرا>..

 الى النخوة يضيف رامي، يبرز الفيلم الاختلاف بين طبقتين في لبنان: الطبقة البورجوازية والطبقة الفقيرة حيث التواصل مفقود نوعا ما بينهما، فالأولى لم تتفهم الطبقة الفقيرة الا حين اجتمعت بها في غرفة المستشفى فاكتشفت عن قرب طيبتها ومحبتها، في حين لا يجعل الفيلم الطبقة البورجوازية شماعة يعلق عليها كل المساوئ، بدليل ان زوج <راي> المقتدر، وبناء على طلب زوجته، وافق ان تتقاسم معها زوجة <مسعد> جناحها ريثما تخرج في اليوم التالي الى ضيعتها، وقد وحدت مشاعر الامومة والابوة ما بين الطرفين.الـ<لينك> بينهما اوجده الالم في غرفة الولادة وكذلك الأمل في التواصل الذي نجده في نهاية الفيلم بين أولاد الطبقتين.

ــ وهل يمكن ان نسقط ذلك على ما يجري في ساحات لبنان اليوم حيث يفيض وجع الناس مع تراجع الطبقة الوسطى بشكل كبير لصالح اقلية غنية جدا واخرى تزداد امعانا في الفقر؟

يجيب رامي:

– بطريقة ما، نعم. اذ نرى بان العلاقة غائبة بين طبقة <بورجوازية> او بالاصح <حديثة النعمة والثراء> نهبت البلد من دون رادع، و<مش قارية> وجع الناس في كل ما يعيشونه ويعبّرون عنه، وأشخاص فقيرة جائعة تعيش الهم على يومها ومستقبلها.وكما يتوحد الجميع في المطالب اليوم من دون تمييز في الطائفة والمذهب، فقد كان الفيلم سباقا في فكرة التواصل بين الجميع. ونحن ان وضعنا جانبا الخلاف بين <راي> واهلها (اطلالة كضيفين لتقلا شمعون ونقولا دانيال) لزواجها من غير دينها، يبرز الفيلم كيف ان الحب يمكن ان يكون عابرا للطوائف، وتشاهدونني في دور <سبع> اذوب امام جمال الممرضة المحجبة (تلعب دورها هند زهرا) والفيلم لا يطرح ابدا اية مشكلة بين الطوائف.

 

<فاهي>.. و<أزنافور>!

 

 الى ما سبق، يقدم الفيلم شخصية ارمنية، تدخل من جانبها في صلب النسيج الاجتماعي اللبناني، عبر شخصية <فاهي> مدير المستشفى الخاص حيث تتم الولادتان. باداء رائع يقدم القدير غبريال يمين شخصية المتفهم احيانا، المتمرد على <عدم الدفع> احيانا أخرى، محاولا شرح حجج المستشفى بضرورة تقاضيها للمال بهدف الاستمرار. يخاف أحياناً من <بطش> سبع> و<تهديداته اللّغوية> لكنه ايضا يحبه ويحترمه ويتفهّمه. كيف لا يتفهمه، وهو مغرم بالفنان العالمي الأرمني الأصل <شارل ازنافور>، يستظل بصورته في المكتب، يشحن روحه بالغناء الذي يسمعه منه، فيرق ويهادن ويغض النظر حتى لما يكذب <مسعد> ويقول له بأن زوجته في الضيعة لا تستمع الا لـ<أزنافور>، فهل صدقه <فاهي> ام اجبر نفسه على تصديقه حتى ترك له <منشار الكهربا> الذي احضره له <مسعد> كوعد منه بايفاء جميع المستحقات عندما تنفرج الحال؟ وهل هذه التحية من الفيلم لـ<أزنافور> هي بين رسائل الفيلم بان الفن يرتقي بالناس فتغض الطرف أحياناً عن الجوع الدائم الى المادة، على الرغم من أهميتها؟