17 November,2018

يتحرشون بالأطفال جنسياً وجمعية «بدائل » تتولى الإرشاد والمكافحة

  بقلم عبير انطون   

Sophie شهادات حية بقالب فني على المسرح، هي محفّز للجميع على إغلاق جرح ما زال يعتمل وهو بشقين، تحت عنوان واحد <الرعاية الأسرية البديلة>: الشق الاول هو فتح الملفات وكشف الاوراق للأطفال الذين تم تبنيهم حتى لا نقول <بيعهم> الى الخارج خلال الحرب بطرق غير شرعية وهم يعودون بعدد لا يستهان به الى لبنان للتفتيش عن جذورهم، والشق الثاني متعلق بالأطفال الذين يودعون دور الرعايات والمياتم المختلفة، وفيها يعرفون ألواناً من العذاب تصل الى التحرش الجنسي والانتهاكات الجسدية لمدة خمسة أعوام مثل طارق الملاح الذي أخبر قصته كاملة لـ<الأفكار>.

<بدائل> هي جمعية مديرتها التنفيذية زينة علوش التي كتبت نص العمل الفني التوثيقي <حبل سرّة>. كان لنا معها لقاء أول أعقبه آخر مع طارق الملاح، ومن ثم مع صوفي ديك المنسقة الاعلامية التي صورت الفيلم الوثائقي <الذاكرة مفقودة> رافقت فيه اشخاصاً عادوا الى لبنان للتفتيش عن جذورهم، فإذا بالأبواب توصد في وجوههم حتى انهم تعرضوا للتهديدات. لماذا وكيف؟  كل التفاصيل في السطور الآتية:

 

 حربنا.. مستمرة

زينة علوش لها في ذمة العمل الاجتماعي حوالى 25 عاماً، عشر سنوات منها كانت مع الأمم المتحدة و<اليونيسيف> في لبنان واليمن في مجال حقوق الطفل، كما عملت لسبع سنوات في قرى الأطفال <اس او اس> كمديرة وطنية ومستشارة اقليمية لحقوق الطفل. درّست زينة في الجامعة أيضاً، وعملت كمستشارة لحكومة أبو ظبي في مجال إصلاح الرعاية الاسرية البديلة. عن الجمعية وأهدافها تشرح زينة:

 في أيار/ مايو من العام 2014، أسسنا جمعية <بدائل> وهدفها العمل على إصلاح قطاع الرعاية الاسرية البديلة في لبنان لأن هناك حوالى 10 آلاف مسجل عبر التبني غير الشرعي، وهناك حوالى 28 ألف طفل مودع في الرعاية الاسرية البديلة في ظل غياب أية معايير رعائية وأطر تنظيمية. وحالياً يقتصر دور وزارة الشؤون الاجتماعية للأسف على دفع المستحقات، أما من الناحية التنظيمية وتحسين النوعية فما من حراك. وأود ان أشير هنا الى ان مشكلة الرعاية البديلة والاتجار بالأطفال هي مشكلة عالمية، وهناك جهد عالمي بدأ في العام 2009 لإصلاح الرعاية في كل العالم. فللمعوّقين كان هناك مسار عالمي طويل وصلوا في نهايته الى تحقيق الكثير من مطالبهم، والأمر عينه بالنسبة للمرأة، في حين يبقى هذا القطاع الاجتماعي الأقل تطوراً.

Umbilical-Cord-performanceوتضيف زينة قائلة:

– نعتبر ان الحرب ساهمت في ارتفاع عدد الأطفال المتاجر بهم، وفي نسبة الإيداع الكبيرة في دور الرعاية والمؤسسات. ونعتبر انه طالما ليست هناك حلول قانونية للأشخاص الذين تأذوا خلال الحرب، وبغياب أطر كفيلة بإعادة هيكلة وسد الثغرات الموجودة، فإننا مستمرون في الحرب. هذه الأعداد تبلغ 38 ألفاً ما بين 28 ألفاً في مؤسسات الرعاية و10 آلاف تم تبنيهم في الخارج. اما عدد المتبنين داخلياً فهو غير معروف، وما من احصاءات لأن الموضوع لا يزال بمنزلة <المحرمات>، ذلك لأن لا قانون مدنياً يرعى عملية الفصل بشكل عام. حاولنا ان نقوم بوثيقة فنية من خلال العمل المسرحي <حبل سرة> حتى نلفت النظر وهي إحدى الوسائل التي تشعر المتلقي بالوجع المختلف الذي يعيشه هؤلاء الأشخاص. نحن في شراكة مع المفكرة القانونية، نعمل سوياً، وأعتبر اننا لا نزال في البدايات لخطوات قانونية للإصلاح في قضايا الفصل عن العائلات البيولوجية.

 لا يقتصر دور جمعية <بدائل> على الأولاد المتبنين الى الخارج، بل يدخل في نطاق عملها أيضاً موضوع الأطفال في دور الرعاية والمياتم. تعتبر زينة الموضوع جزءاً من كل: <نحن نضيء على الانتهاكات حتى يتم الإصلاح لأنه لم يعد بوسعنا تجاهلها كالنعامة التي تدفن رأسها في الرمل. الأولاد باتوا يتكلمون عما جرى معهم، ومن يتجرأ يجر خلفه شهادات>.

اما عن ردود فعل المؤسسات الرعائية لهؤلاء الأولاد ومواجهتها بما يحدث معهم تجيب زينة قائلة:

– هناك نكران تام. وجهنا رسائل رسمية اليهم من دون جواب، والآن وصلنا الى مرحلة رفعنا فيها دعوى قضائية على احدى الدور وعلى وزارة الشؤون الاجتماعية باسم طارق الملاح، بواسطة وكيله المحامي نزار صاغية لأنها لم تتجاوب حتى الآن. نحن أشخاص مدنيون لا نتعاطى مع الروحيين، بل نتعاطى مع دولتنا المسؤولة عن قطاع الرعاية مع وزارة الشؤون التي نأمل منها ان تتحمل مسؤوليتها.. وندرك ان ملف الرعاية البديلة في لبنان ملف قديم وشائك وكأنه نموذج عن كل التحاصص الطائفي الموجود ونقدر ان هناك ضغوطات لعدم التعاطي به وفتحه، لذلك فإننا لا نحمّل شخصاً بعينه المسؤولية، إلا انه لم يعد بالإمكان الصمت.

طارق.. اغتصبوني لخمس سنوات

فمن هو طارق الملاح؟ بلسانه يخبر <الافكار> قصته وما تعرض له من تحرش وانتهاكات جنسية في احدى دور الأيتام التي عاش فيها <الامرّين> بحسب قوله.

Zeinaيقول طارق بنبرة لم تهدأ حتى اليوم على الرغم من مرور السنوات على قصته:

– قررت كسر الصمت والكلام لأنني حتى هذه اللحظة يتملكني شعور بأن أولاداً ما زالوا يتعرضون للانتهاكات الجنسية. دخلت الدار وأنا في عمر السنتين. أبي طلق أمي التي سافرت وهو دخل السجن، لا أعرفهما إلا من خلال صور قديمة. في التاسعة من عمري، تعرضت لاغتصاب من ثلاثة شباب يبلغون 14 و15 عاماً. حدث ما حدث تحت ستار الليل، وفي الصباح أخفوا معالم جريمتهم. اما المشرفة، فلم تنبس ببنت شفة على الرغم من يقيني بأنها عرفت بما حدث. كنت أتعرض للاغتصاب ليلياً تقريباً طوال خمس سنوات، وكنت أرى الأولاد الآخرين كيف يغتصبون، فلا هم يتكلمون ولا أنا لشدة خوفنا ولتهديدهم لنا اذا ما بحنا بشيء لأحد. استسلمت للأمر الواقع. عندما كانوا يسألونني عن سبب مشيتي على هذا النحو وما بها خطواتي الثقيلة، فكنت أجيب ان رجلي تؤلمني. لم أجرؤ على البوح. اما سبب عدم توجهي لأي مسؤول مباشرة، فمرده الى الضرب الذي كنا نعاقب به من قبل المشرفين، مع كلمات مثل <حمار> و<بهيم> و <حيوان> وكان هذا عنفاً لفظياً لا يقل جرحاً وألماً عما نتعرض له من عنف جسدي.

ويكمل طارق قائلاً:

 – في عمر الرابعة عشرة، هربت من الدار الى بيت جدتي لأمي التي كانت تأتي لزيارتي أحياناً وكانت بائسة الحال مادياً فلم أخبرها بما حصل معي ولا حتى جدي. صدمت بعودتي، ورحت أقنعها بأنني خرجت فقط لأنني أريد ان أعمل وأعود اليها بالمال. صدقوني، كنت أفكر ليلياً طوال ثلاث سنوات بما يجب ان أفعله: هل أسكت ام أتكلم بما حصل معي حتى لا يتكرر مع غيري؟ اتخذت القرار في العام 2012. تكلمت مع صديق أوصلني للإعلامي مالك مكتبي في برنامجه <أحمر بالخط العريض> فظهرت في البرنامج من دون الكشف عن وجهي حتى انني لم اسمّ ِالدار. لم أشعر بأنني اكتفيت واقتنعت بأن الرسالة يجب ان تكون مباشرة، فأتكلم بجرأة من دون أي غطاء وأرفع الصوت وأقول: هناك أطفال يتعرضون للاغتصاب، أين انتم أيها المسؤولون؟ وعيت نوعاً ما على العالم الخارجي الذي كنت أجهله تماماً. وصلتني تهديدات من محامي الدار التي كنت فيها ولطالما اسمعوني: <انت تدق بدول كبيرة وشخصيات كبيرة>. وفي كل دقيقة كنت أتلقى اتصالاً بعد الحلقات التلفزيونية التي أكون فيها ضيفاً. توقفت التهديدات الآن، وأنا أوثق حالات من أشخاص يتصلون بي من دار الايتام وغيرها يروون فيها تعرضهم لاغتصاب او انتهاكات مختلفة من جوع وبرد وألم.

ونسأل طارق:

 ــ أما من جانب إيجابي تقر به للدار؟

يفكر طارق ويجيب: لا شيء..  صدقوني أنا اليوم ناشط اجتماعي وأعمل مع المفكرة القانونية وأتقاضى راتباً يعيلني، وهم توكلوا عني. اما شهاداتي فما زالت في الدار اذ انهم لا يسلمونني إياها من دون ان أفهم الدافع، هل هو الخوف او لأسباب أخرى. لهذه الدرجة، حتى جواز سفري الذي لا أعرف حتى اليوم كيف ومن أنجزه لي، وكنت قد حصلت عليه لإحياء حفلة من خلال دار الايتام في احدى الدول لا أعرف من كان ولي أمري حينئذٍ ليوقع عليه. الآن أحمل إخراج قيدي وهويتي ولا شهادات معي. انا وصلت في الدار للصف الثامن وعادة من من أولاد يتجاوزون السن في هذه الدار، لأنهم إما يهربون، أو انهم من يخرجونهم، وللأسف يتحول الكثيرون منهم الى منحرفين، والدليل وجود عدد منهم في السجون وهم قاصرون، وحالاتهم موثقة.

 

أغرب من الخيال..

 

غير الانتهاكات، تعنى <بدائل> بالأطفال المتبنين الى الخارج في فترة الحرب. صوفي ديك المنسقة الإعلامية في جمعية <بدائل> وهي مخرجة ومنتجة صورت فيلماً وثائقياً في العام 2012 حين عرف الموضوع ضجة في الاعلام، من خلال عدد الذين تم تبنيهم الى خارج لبنان و يعودون للتفتيش عن جذورهم.

تخبر صوفي القصة:

 – طرحت الفكرة على قناة <الجزيرة> ولاقت قبولاً، فكان فيلم <الذاكرة مجهولة> من 52 دقيقة، يتابع 5 قصص أساسية لأشخاص تم تبنيهم في السبعينات خلاTarek-Mallahل الحرب الى هولندا والسويد، فصورتُ حياتهم في هذين البلدين وفي لبنان ايضاً. تابعت معهم المراحل التي يلاحقونها في البحث عن جذورهم في لبنان حين يحملون أوراقهم ويطوفون بها على المراجع المختصة والمخاتير والمستشفيات واكتشفت ما يكتشفونه من أبواب توصد في وجههم. كذلك فإنني تلقيت تهديداً بالقتل، فقد كانت <مافيات> متكاملة بين المستشفيات والاطباء والمحامين والمحاكم الروحية الذين كانوا يظهرون التبني شرعياً، في حين ان الأوراق والتواريخ مزورة. هناك مثلاً شابان شقيقان توأمان جرى تبنيهما في السويد من عائلتين مختلفتين، التقيا بالصدفة في احد الأمكنة في السويد وهما نسختان متشابهتان،، وتأكدا أكثر من خلال فحص الـ<دي ان  اي> فاكتشفا انهما توأما العائلة اللبنانية عينها. ولما عرفت عائلة الولد الاول بذلك أعلنت انها كانت لتتبنى الولدين فلا تفصلهما عن بعضهما البعض، الا انه بالطبع <بيع> ولدين أكثر ربحاً من <بيع> ولد واحد.

غير هذين الشابين في السويد، صورت صوفي ايضاً حالة أخرى هي حالة اميل الذي وجد في لبنان اهله البيولوجيين بعد ان ظهر على التلفزيون وأخبر قصته. هو لم يعلن نتيجة الـ <دي ان اي> لأنه لم يرد أن يعطي الأمل للكثيرين اذ ان عددهم في السويد 150 حالة و400 في هولندا، وهناك  10 آلاف حول العالم . وفي فيلم صوفي ايضاً حالة دايفيد في هولندا، وهو مؤسس جمعية <أطفال الأرز> يجمع فيها كل من جرى تبنيهم خارج لبنان الى هولندا وسجل لديه 250 اسماً حتى الآن، وأخته ايضاً تم تبنيها قبله الى هولندا في العام 1973 وهو من بعدها بسنتين.

وتضيف صوفي مستعيدة الأسماء:

– وفي الفيلم ايضاً قصة <هيستير> في هولندا وهي لم تفلح في إيجاد ما يعيدها الى جذورها، حتى انه أثناء عرضنا للفيلم، تقول صوفي: زارنا أحدهم وكان بالصدفة في زيارته الاولى للبنان بحثاً عن جذوره وتأثر جداً بالحالات المماثلة لحالته.

وتختصر صوفي أسباب الإصرار على معرفة هؤلاء الاشخاص المتبنين لجذورهم بالقول:

 – في عمر الـ18، يبدأون بالأسئلة عن هويتهم، ويصبح بإمكانهم السفر والبحث، كما ان بينهم من توفيت أمهم بالتبني ويقولون ان لي اماً بيولوجية عليّ ان أبحث عنها، وتتعدد الأسباب الأخرى. عندما يكبر أحدهم ينظر الى نفسه فيجد انه مختلف بالشكل عن أهله. كذلك فإنهم عندما يراجعون طبيباً يسألهم عن أمراض في عائلتهم لا يعرفون ما يجيبون، علماً ان كل العائلات التي تبنت الأطفال أخبرتهم انها ليست عائلتهم البيولوجية. حياتهم جيدة ويعملون جيداً وعاشوا طفولة عادية إلا انهم يشعرون دائماً بنقص ما، وهم يغفرون لأهلهم ولا يلومونهم، ويـــؤكدون انهـــــم لا يبحثـــــون عـــــن جذورهـــــــم لانتقـــــــام مـــــا ولا حتى لمحاسبة اي شخص بعد كل هذه السنوات. جـــــــل ما يقولونــــــه: هدفنا فقــــــط معرفة جذورنــــــا وهذا حق لنا!