18 September,2018

وميض جمر في لبنان بسبب أحداث اليمن وانقلاب الحوثيين   

بقلم علي الحسيني 

الحريري-(1) انقســــم لبنــــان سياسياً واعلاميــــاً مـــــع بـــــدء تحــــــالف الــــــدول العربيــــــة الذي تقـــــــوده المملكة العربيـــــة السعوديــــــة بشن غــــــارات على جماعــــة أنصار الله <الحوثيين> في عملية وصفتها بالاستباقية قبل ان تصبح الجماعات المسلحة عند حدودها او ربما داخل اراضيها.

وقد تعود لبنان منذ نشأته على مظاهر الانقسام السياسي بين مختلف الافرقاء مسلمين ومسيحيين، لكن خطر الانقسام اليوم يتأتى من فريقين مسلمين هما: تيار <المستقبل> وحزب الله اللذين اعلن كل منهما موقفه الداعم لدول معنية بالحرب اليمنية كإيران الداعمة للحوثيين وللرئيس اليمني السابق علي عبد الله صالح والسعودية الداعمة لشرعية الرئيس عبد ربه منصور هادي، ويأتي هذا الانقسام بالتزامن مع إحياء لبنان ذكرى اربعين حربه الاهلية التي اندلعت في 13 نيسان/ أبريل  1975 وفي وقت ينظر فيه الشعب اللبناني الى الخروج من نفق الاصطفافات السياسية التي توتر الاجواء وتشحن الحقد في النفوس وتزيد من التعصب الطائفي والمذهبي.

سجال اعلامي يتحول الى سياسي

تشكل اليوم المنابر الاعلامية التي يطل منها رجال السياسة في لبنان مرآة تعكس الواقع المقسوم والمآزوم في البلد بحيث تحولت الساحة الداخلية الى حلبة للخطابات التصعيدية والتهجمية كل من خلف متراسه وكأن الحرب قائمة لا محالة من دون اي اهتمام للانعكاس الخطير على المواطن الذي نقل بدوره هذه السجالات الى منزله وأماكن عمله حتى باتت الحرب اليمنية جزءاً من حياتهم: منهم من هو مؤيد لحزب الله وايران ومنهم من هو داعم للمستقبل والسعودية، لكن السؤال الابرز الذي يطرح نفسه في ظل اجواء كهذه غير مستقرة، ماذا لو انتقلت المعركة الاعلامية والسجالات الحادة الى واقع على الارض فمن يتحمل بعد ذلك المسؤولية وهل ستنفع عندئذٍ الحوارات القائمة بين الجهات المتناحرة سياسياً؟ ومن سيكون المستفيد الابرز في حال تطور التراشق الكلامي بين الكبار الى تراشق بالرصاص على الارض؟

هكذا احتدمت السجالات

مع اعلان السعودية عن اقامة تحالف عربي تحت مظلة الجامعة العربية لتتدخل في اليمن رحبت مجموعة من اللبنانيين بهذه الخطوة وفي طليعتها الرئيس سعد الحريري الذي وصف القرار بـالسليم والحكيم والشجاع وبأنه لا يمكن للسعودية ان تترك الشرعية في اليمن وحدها أمام ميليشيا تحاول ان تسيطر على الشعب اليمني. واعتبر ان ما يحصل في المرشداليمن هو تداعيات لما يجري في سوريا والعراق وأماكن أخرى. وكلام الحريري تبعه تأكيد من النائب وليد جنبلاط في الوقوف الى جانب السعودية باعتبار ان أحداث اليمن تشكل تهديداً لأمنها القومي وامن الخليج ومصالح اللبنانيين الذين يعملون في هذه البلاد. لكن وحده حزب الله ظل يغرد خارج سرب التأييد للسعودية بحيث كان للسيد حسن نصرالله اكثر من اطلالة عبر فيها عن غضبه على ما تقوم به السعودية مؤيداً الجماعات الحوثية ومعلناً تضامنه معه. ثم تطور العراك السياسي خلال الاسبوع الفائت تحديداً بعد إطلالة نصرالله الاخيرة في يوم التضامن مع الشعب اليمني الذي دعا اليه حزب الله والذي شن فيه نصر الله هجوماً عنيفاً على السعودية وعلى دورها في المنطقة ما جعل الحريري يرد عليه بعد انتهاء كلمته بالقول <لماذا كل هذا الجنون في الكلام؟ إنها عاصفة الحزم يا عزيزي>.

الحرب أولها كلام

الحرب الكلامية بين ايران من خلال المرشد السيد الخامنئي الذي وصف القيادة السعودية بمجموعة من الشباب الذين لا يملكون الخبرة فيغلبون التوحش في سياساتهم على الاتزان، وبين رد السعودية بمزيد من التمسك بخياراتها في اليمن، زادت في توتير الساحة اللبنانية الداخلية، واكثر من ذلك فقد يجد اللبنانيون أنفسهم امام خيار واحد هو العودة الى الحرب المذهبية خصوصاً وان الفتنة عادة تبدأ بكلام من هنا وهناك ما يؤكد مقولة ان <الحرب مبدؤها كلام>. هي جملة من بيت شعر كان أرسله نصر بن سيّار (آخر ولاة الأمويين على خراسان) إلى يزيد بن عمر بن هبيرة والي العراق يستشعر فيه الخطر الآتي جرّاء الاضطرابات الحاصلة في بلاد المسلمين حيث يقول:

أرى تحت الرماد وميض جمر

ويوشك أن يكون له ضرام

فإن النار بالعودين تُزكّى

وإن الحرب مبدؤها كلام

قاسم-قصير-1فهل ينسحب هذا القول على الانقسام الحاصل في البلد الذي على وشك ان يتحول من وطن واحد الى محاور لكل فريق فيه قطاعه الخاص؟

 

فتفت: السعودية فاجأت الايرانيين

 بقرار المواجهة

عضو كتلة <المستقبل> النائب احمد فتفت يرى بداية ان استمرار حزب الله في حملته ضد المملكة العربية السعودية يؤكد انه اخذ زاوية حادة في المشروع الايراني- الفارسي وتخلى كلياً عن اي طرح عربي وهو سيواصل حملته لأنها طرح استراتيجي جديد مناهض للعروبة ومؤيد للمشروع الفارسي في المنطقة. ولذلك من غير المستبعد ان يركز نصر الله على السعودية في كل خطاباته وان يقوم ايضاً بإرسال مقاتلين الى اليمن، مشيراً الى ان هناك خطة اعلامية وسياسية متكاملة لتجييش الرأي العام المؤيد لحزب الله ضد العرب والسعودية وأخذه في اتجاه المشروع الايراني وهذا خطير جداً على لبنان ومستقبل المنطقة.

ورأى فتفت  أن ايران تعبر عن انزعاجهـــــا من الإدارة السعودية الجديدة لتوقعها بأن تخضع المملكة وتخنع للسياسة الايرانية. لكن السعودية فاجأت الايرانيين بقرار المواجهة دفاعاً عن المصالح العربية وبخاصــــة عن مضيق <بـــــاب المندب> الاستراتيجي الذي يهم الخليج ومصر والســـــودان. كما ان السعودية لم تتدخل في المنطقـــــة فهـــــي دولة عربيـــــة وواجبها يحتم عليها حماية الشرعية العربية ومصالح العرب الاستراتيجية بوجه ايران التي صدرت مشروع الفتن الى المنطقة خدمة لامبراطوريتها الفارسية.

 

الفرق بين المونة السعودية والايرانية

وتابع فتفت كلامه: ان مونة السعودية على عدد من فرقاء الداخل اللبناني هي مونة سياسية بالمقابل، فإن مونة ايران على حلفائها في لبنان هي سياسية – أمنية – مخابراتية. واذا كان هناك من قرار بانعكاس الكباش السعودي – الايراني الحاصل على الساحة اليمنية في لبنان فقد يكون نصر الله من أراد ذلك بإطلالته مرتين متتاليتين من دون مبرر للهجوم على المملكة بتصعيد إرادي، لافتاً انه قد يكون هناك اكثر من سبب لقرار ايران التصعيد في الداخل اللبناني، فإما هو تعبير عن فائض قوة بعد توقيع الاتفاق النووي مع واشنطن والتي كانت لا شك ستتهم اي طرف آخر يوقعه بالخيانة والتآمر، او هو سعي لربط النزاع مع اسرئيل باطار تقاطع مصالح بعد التخلي عن الورقة النووية.

ورجح فتفت ان يكون حزب الله يسعى من خلال تصعيد نصر الله الى فرض هدنة اعلامية عليناً تماماً كما حاول قبيل ذهاب رئيس كتلة <المستقبل> فؤاد السنيورة للإدلاء بشهادته في المحكمة الدولية، لكننا لن نرضخ لكل محاولاتهم. وصحيح اننا لا نمتلك السلاح ولا نريد ذلك لكننا نمتلك الكلمة والموقف ولن نسكت عن الجرائم التي يرتكبونها في سوريا ولا عن تهديدهم مصالح اللبنانيين في دول الخليج. كما لم يستبعد فتفت لجوء حزب الله للتصعيد أمنياً تنفيذاً لقرار ايراني وقال: المشكلة ان العقل الايراني وتلقائياً عقل حزب الله، عقل إلغائي للآخر يعتمد المنطق الشمولي، وبالتالي لا شك اننا نخشى أن يدفع باتجاه خربطة الوضع الامني.

اضاف: أحمّل نصر الله مسؤولية التصعيد الحاصل في الخطاب السياسي لأنه كان البادىء بـالسباب والشتائم بتعبير واضح عن فقدان أعصابه، أما نحن فما أدلينا به كان في إطار ردة الفعل. وختم: لقد ظفتفتهر نصر الله في خطابه الاخير محشوراً ولو لم يكن كذلك لما تمادى بالتصعيد وأحمّله شخصياً مسؤولية أي تطورات أمنية داخلية.

 

قاسم قصير: تضخيم للدور الايراني

 في اليمن

بدوره اعتبر الباحث الاسلامي الصحافي قاسم قصير المقرب من سياسة حزب الله ان ما يجري  من حرب اعلامية وسياسية هو انعكاس لما يجري من اوضاع في المنطقة خصوصاً بعد التطورات في اليمن وقيام السعودية بشن حرب على اليمن بحجة مواجهة النفوذ الايراني في المنطقة ومن أجل القضاء على حركة <أنصار الله> الحوثيين الذين نجحوا وبالتحالف مع قوى أخرى بالسيطرة ميدانياً. وذكر قصير انه منذ بداية هذا الهجوم قام حزب الله بالتضامن مع الشعب اليمني والحوثيين وأقام سلسلة احتفالات وأنشطة لدعمهم ولاستنكار ما تقوم به السعودية، لكن في المقابل قام تيار <المستقبل> بالدفاع عن الموقف السعودي والهجوم على ايران باعتبارها حليفة لحزب الله، ولذلك لاحظنا منذ ثلاثة أسابيع تقريباً كيف اشتعلت حرباً سياسية واعلامية وإن كان من الواضح ان الطرفين حريصان على ان لا تؤدي هذه السجالات الى تخريب الوضع اللبناني، وهذا ما أكده الرئيس سعد الحريري في رده على السيد حسن نصر الله الذي أعلن بدوره ايضاً حرصه على الاستمرار في الحوار رغم هجومه القاسي على السعودية وسياستها وعلى الفكر العقائدي الذي تتبناه.

وبرأي قصير فإن القواعد الدولية في السياسة او القوانين الدولية لا تمنح الحق لاي دولة بالتدخل في شؤون دولة أخرى، هذا من الناحية المبدئية، لكن الآن نحن في حالة سيلان في العلاقات الدولية على مستوى المنطقة، ونلاحظ ان دول التحالف الدولي تشن غارات في سوريا والعراق بدون إذن من الحكومة السورية، وفي المقابل ايران وحزب الله يدعمان النظام في سوريا، والسعودية تواجه جزءاً كبيراً من الشعب اليمني بحجة دعم الرئيس اليمني  عبد ربه منصور هادي رغم انه كان قد استقال وحتى ان ولايته قد انتهت. اما القول ان حرب السعودية على اليمن هي حرب استباقية فهذا برأيي توصيف غير دقيق لأنه صراع المصالح، فالسعودية تعتبر ان مصالحها في المنطقة تتعرض للتراجع تحت عنوان الصراع مع ايران وان الاخيرة تدعم الحوثيين، ولذلك شنت هذه الحرب تحت هذا العنوان وليس تحت عنوان نصرة الشعب اليمني. كما ان السعودية تعتبر ان المنطقة قادمة على متغيرات لذلك يجب الرد على هذه المتغيرات من خلال عاصفة الحزم التي تقوم بها. اما بالنسبة الى ايران يوضح قصير <ان الزيديين في اليمن او الحوثيين تاريخياً كانوا على علاقة جيدة بالسعودية وهي دعمتهم ودعمت مملكتهم وأئمتهم في مواجهة الانقلاب التاريخي الذي شنه عبد الله السلال الضابط اليمني المدعوم من الرئيس المصري الراحل جمال عبد الناصر، كما ان الحوثيين كانو ا في فترة من الفترات على علاقة جيدة بقطر ثم انقلبت الامور. اليوم تقيم ايران علاقة جيدة مع الحوثيين وبدأت تدعمهم من اجل ترتيب اوضاعهم.

ورأى ان هناك تضخيماً للدور الايراني في اليمن بحيث لا توجد لايران هناك قواعد ايرانية او معسكر او قوات، وقد يكون هناك عدد محدود منهم سواء عبر السفارة او أشخاص يقيمون بشكل فردي، ولذلك لم يتم حتى الآن الاعلان عن قتل ايراني او سقوط مركز عسكري ايراني او ضرب قاعدة او بارجة ايرانية. نعم هناك تضخيم للدور الايراني، وأنا أظن ان السعودية تريد استعادة دورها وموقعها لذلك اخترعت فكرة مواجهة الدور الايراني. اما عن زج الشيعة في معارك اقليمية يقول قصير: الشيعة بشكل عام هم قوة نضالية ومتحركة في الواقع السياسي وحزب الله يمثل قسماً من هذه الطائفة وليس كلها، ولذلك ما يحكى عن قرارات اقليمية خصوصاً في دول الخليج يمكن انالسيد-نصرالله تطال شيعة يعملون هناك فهذا أمر خاطئ ولا يجب ان يحصل، خصوصاً وان قرارات الحزب لا تلزم كل الشيعة، كما ان تصوير الموضوع وكأنه خلاف مذهبي او عرقي غير صحيح، فنحن أمام صراع سياسي فريق يدعم حرب السعودية على اليمن وفريق يدعم جماعة محددة، وإن كان دعم حزب الله للحوثيين حتى الآن يتم بالإطار السياسي والاعلامي ولم يرسل جنوداً او مجموعات مقاتلة.

انها عاصفة الحزم يا عزيزي

يشرح قصير فهمه للجملة التي قالها الحريري لنصرالله: فهمت من رد الحريري على نصر الله انهم يعتبرون ردة الفعل القاسية التي قام بها الحزب على السعودية هي بسبب ما قامت به السعودية من حرب على اليمن والتي يبدو انها استعادت من خلالها دورها الاقليمي وهذه وجهة نظر. لكن من الناحية العسكرية فإن الأمور تعود للخبراء العسكريين بمعنى هل نجحت فعلاً السعودية باستعادة دورها، وهل حققت نتائج ميدانية  تعيد ترتيب الاوضاع في اليمن؟ هذا أمر يترك للباحثين، والسعودية نجحت بشيء اساسي ان تقول: <انني هنا قوة عسكرية موجودة في المنطقة ويجب على الآخرين احترامي >، معتبراً ان ما يجري في اليمن هو لأسباب يمنية، لكن السبب الاهم مرتبط بالاتفاق النووي الايراني الدولي، فنحن امام مرحلة جديدة في العالم العربي بعد الاتفاق النووي المبدئي وبانتظار الاتفاق النووي النهائي، اذ ان المنطقة سيعاد تشكيلها مما سيؤدي الى تغيير أدوار ومواقع كل قوى المنطقة سواء ايران او اسرائيل او دول الخليج، والشيء المهم هو تصريحات الرئيس الاميركي<باراك اوباما> عندما قال بعد توقيع الاتفاق ان على دول الخليج ان تأخذ  بعين الاعتبار بأن الخطر عليها من الداخل وليس من الخارج وان هناك أزمة تهميش سياسي وأزمة تهميش لدور الشباب في دول الخليج وهذه ضمن عقيدة مدمرة.

وختم قصير بالقول: الشيء الجيد حتى الآن انه رغم تطور الخلاف السياسي بين الحزب و<المستقبل> لم نلحظ اي مشكلة أمنية او مذهبية في اي منطقة، وهناك نقطة مهمة في خطاب السيد نصر الله وهي انه لم يدعُ للقيام بأي عمل  ذات طابع شعبي مثل تظاهرات او اعتصامات مؤيدة للحوثيين، ربما لأن هناك تخوفاً من ردود فعل، وفي الوقت نفسه الحوار بينهما مستمر، ونلاحظ ان الخطط الأمنية تنفذ بشكل جدي وحازم، وان هناك ضبطاً لكل المجموعات التي يمكن ان تخرب او ان تقوم بخروقات امنية، لكن لا أدري الى متى يتم الاستمرار بقرار تحييد لبنان عن الصراع الاقليمي.