17 November,2018

وليد جنبلاط.. نكهة السياسة اللبنانية  

جنبلاطأبو تيمور، زعيم الجبل، البيك، رئيس الحزب <التقدمي الإشتراكي> ورئيس <اللقاء الديموقراطي>. تعددت الألقاب والتوصيفات، لكنه اسم واحد في كل زمان ومكان. هو وليد جنبلاط تجده في عنوانين لا ثالث لهما: المختارة وكليمنصو.

في لبنان قلما يوجد زعيم سياسي أو مذهبي أو حتّى حزبي، مُتصالح مع نفسه ومع قاعدته الجماهيرية ومُنسجم مع خياراته المتعددة على الرغم من صعوبتها، كالنائب وليد جنبلاط صاحب <التقلبات> السياسية والاستدارات المتلاحقة وسالك درب الأخطار في زمن ليس للموت قيمة ولا للبقاء لذة بين جدران المنزل. وإذا ما اخذته الخيارات الانطوائية إلى أقصى قساوتها، فتح باب اللقاءات الشعبية في عرينه <الجبل> بين أهله وناسه من دون أي حماية تُذكر ولا ادنى الوقاية الجسدية، وهو القائل ذات يوم < من لم يأمن على نفسه بين أهله وناسه، أشرف له أن يدفن هذه النفس بالتراب>.

لجنبلاط شخصيّة مُركّبة من عوامل عدة: ذكي، لمّاح وصاحب إنعطافات سريعة يظن المرء لحظة إتخاذها، بأنها لا توصل سالكيها سوى إلى المهوار. لكن جميع هؤلاء لا يُدركون براعة الرجل في القيادة وهو الذي يُصرّ على قيادة سيارته بنفسه نزولاً وصعوداً من بيروت إلى الجبل. وبراعته هذه، تُمكّنه في غالب الأحيان من استعمال مكابح إندفاعاته عند الضرورة وفي اللحظات المُناسبة. والمُلفت في تقنيّته هذه، أنه يُمكنه الاستدارة رغم قوّة سرعته، من دون أن يُشعر الأخرين ومن حوله، بأنه انتقل إلى الضفّة الاخرى سالماً مُعافى من اية رضوض أو خدوش لا في الجبهة الأمامية، ولا الخلفية.

لوليد جنبلاط هاجس كبير يصل الى حد الخوف على طائفته العائمة وسط بحر من السُنّة والشيعة، ولهذا هو دائم الدعوة لهم بالانفتاح على مُحيطهم هذا، ومن هذا الهاجس ونيّة الخروج من التقوقع، كان افتتاح مسجد الامير شكيب ارسلان في المختارة عاصمة <الجنبلاطية> ومركز قرار بني معروف. ووليد بيك يعرف حق المعرفة، كيف يُبنى لبنان على ثوابت الحوار والمشاركة والميثاقية، ويعرف كيف تستعيد كنيسةٌ أصوات ناقوسها في الجبل، ويدرك كما أدرك أجداده كيف يحفظ للتراث المعروفي العربي الإسلامي أصالته العريقة، بإعادة بناء جامع هنا او كنيسة هناك، سبق أن هدّمهما الحقد الطائفي.

أن تجالس شخصية بهامة وحجم وليد جنبلاط، فهذا معناه انّك ستتعلّم بأن المعارك السياسية مسموحة، لكن شرط ألا تتطور إلى استعمال السلاح مهما كبر حجم المعركة. من هنا يسترجع الزعيم الاشتراكي ذكريات الحرب اللبنانية العبثية كما يحب تسميتها في كل مرّة تسمح فيها الذاكرة. يجزم بأنه غير نادم على زمن سلّم فيه جزء من سلاحه إلى الدولة اللبنانية، ومنحه منظومة صواريخ موجهة مثل <الفوغوت> و<السايغر>، إلى <حزب الله> الذي جمعته به محطّات تُشبه البورصة.

اليوم يبدو أن البيك مرتاح مع نفسه ومع موقع <تويتر> أكثر من أي وقت مضى، فمن خلال هذا الموقع يُمكنه توصيل رسائله السياسية والشخصية في الإتجاه الذي يُريده ومن دون أن يستخدم اسلوب التهرّب كالذي استعمله يوم قرّر قطع علاقته بالرئيس السوري بشار الأسد. يومها كان جنبلاط في سوريا بضيافة صديقه اللواء محمد ناصيف <أبو وائل> الذي فاجأ البيك بدعوته للذهاب الى قصر الشعب للقاء الأسد، وعلى الرغم من الإرتباك الواضح الذي بدا على وجه جنبلاط حينها، الا انه تمكّن من إسعاف نفسه، متحجّجاً بارتدائه <الجينز> الذي لا يليق بزيارة كهذه.

قد تتفق معه أو لا تتفق، لكن عليك أن تعرف، أن هذا الرجل هو وليد جنبلاط. سياسي محنّك من الدرجة الأولى، يبتعد عنك ويطلق رصاصه عليك فتشعر بجرح الحبيب، يعود إليك بعد انقطاع طويل، فتشعر وكأنّ الروح قد ردت إليك.