25 September,2018

وضوح نصوص الدستور يجعل الجدل حول عمل الحكومة بعد الفراغ... جدلاً سياسياً لا قانونياً

سلام يسعى الى الجمع بين «نقيضين » داخل حكومته: التمسك بصلاحياته.. والمحافظة على الاستقرار السياسي والأمني!

tamam-salam 

يقول مرجع دستوري كبير لـ<الأفكار> ان الجدل الدائر حول صلاحيات مجلس الوزراء في ظل غياب رئيس الجمهورية والذي شهدته جلسات حكومة الرئيس تمام سلام خلال الأسبوعين الماضيين، هو جدل سياسي بامتياز، وليس جدلاً دستورياً أو قانونياً، وان هذا <الخلط> بين السياسة والقانون يتكرّر في كل مرة تُطرح مسألة دستورية يقتضي توضيحها أو تفسيرها، فيصبح الساسة من كبار المشرعين الدستوريين ويحلّون محل رجال القانون والدستور في تقديم الاجتهادات، وهذا ما أوقع البلاد في <مستنقع> الخلافات الدستورية التي لا مبرر لها. وفي رأي المرجع الدستوري نفسه، ان ما قيل في مجلس الوزراء وخارجه حول <خلافات> بين الوزراء على طريقة عمل الحكومة بعدما آلت إليها صلاحيات رئيس الحكومة نتيجة تعذّر انتخاب خلف للرئيس السابق ميشال سليمان، لا يعدو كونه صدى لمواقف سياسية لا تمت الى الدستور والقانون بصلة، وهي تتبدّل وتتغيّر تبعاً لمواقف السياسيين وميولهم.

من هنا، يضيف المرجع الدستوري، فإن البحث عن تفسيرات للمواد الدستورية التي ترعى عمل مجلس الوزراء مجتمعاً، وبعد شغور موقع الرئاسة الأولى، يخفي وراءه اعتبارات غير قانونية ودستورية ويندرج في إطار محاولات تعطيل المؤسسات الدستورية، عن قصد أو غير قصد، التي بدأت على مستوى رئاسة الجمهورية، وتدرجت الى مجلس النواب وصولاً الى مجلس الوزراء الذي <غرق> في جلسته الأسبوع الماضي بنقاش لا طائل منه، ولا حاجة أصلاً له، إذ بدا نقاشاً مفتعلاً سواء بالنسبة الى صلاحية رئيس الحكومة في إعداد جداول أعمال جلسات مجلس الوزراء، أو بالنسبة الى توقيع المراسيم التي تعطي لقرارات مجلس الوزراء الصفة التنفيذية.

سلام تجاوز أول <قطوع>

وعلى الرغم من أن وزراء مسيحيين في فريقي 8 و14 آذار أبدوا حرصاً على صلاحيات رئيس الجمهورية، فإن ذلك لا يلغي أن على مجلس الوزراء ان يمارس صلاحياته كاملة والمنصوص عنها في الدستور، إضافة الى صلاحيات الرئيس التي آلت اليه بحكم الدستور أيضاً، وبالتالي فإن ذلك يعني بوضوح الآتي:

أولاً: يعد الرئيس سلام جدول الأعمال ويعممه على أعضاء مجلس الوزراء لدرسه وإبداء الرأي فيه. لكن سلام آثر المزيد من التنسيق مع الوزراء، وتفادياً لأي مواجهة أن يتم التوزيع قبل 72 ساعة للإفساح في المجال أمام سماع ملاحظات الوزراء، علماً أن النص الدستوري لا يلزمه بذلك، لأنه يتحدث عن <اطلاع> رئيس الجمهورية على الجدول. لكن الممارسة في عهود الرؤساء الياس الهراوي وإميل لحود وميشال سليمان اعتبرت أن <الاطلاع> يعني ضمناً <الموافقة أو عدم الموافقة>. وبالتالي فإن مطالبة وزراء في الحكومة بأن تؤول صلاحية <الاطلاع> واستطراداً <الموافقة أو عدم الموافقة> الى مجلس الوزراء مجتمعاً، ليست منطقية ولا هي دستورية، إذ كيف يمكن لـ24 وزيراً أن يبدوا آراءهم بجدول الأعمال، وأن يكون لأحدهم اعتراض على بند فيه، فيعطّل إذذاك عمل السلطة التنفيذية بكاملها. وهكذا نجح سلام في تجاوز أول <قطوع> واجه حكومته.

ثانياً: بالنسبة الى آلية العمل داخل مجلس الوزراء، فإن المرجع الدستوري يؤكد أنه في حالة وجود نص دستوري يبطل الاجتهاد ولا مجال للنقاش أو الجدل. وبالتالي فإن الأصول المحددة في المادة 65 من الدستور تطبق بحذافيرها، لاسيما الفقرة 5 منها التي تشير الى أن القرارات في مجلس الوزراء تتخذ توافقياً، فإذا تعذر ذلك فبالتصويت بأكثرية الحضور، أما المواضيع الأساسية فهي تحتاج الى موافقة ثلثي عدد أعضاء الحكومة المحدد في مرسوم تشكيلها. وتورد الفقرة 5 المواضيع التي تعتبر أساسية وعددها 14. وانطلاقاً من نص هذه المادة، فإن الحديث عن ضرورة توقيع جميع الوزراء المراسيم التي تصدر عن مجلس الوزراء لا يقع في موقعه القانوني، لأن هذا يعني أن لكل وزير حق <الفيتو»، أي القدرة على تعطيل عمل مجلس الوزراء بمجرد رفضه توقيع المرسوم أو حضور جلسات مجلس الوزراء. وهذا الوضع لا يستقيم دستورياً أو قانونياً، لأن حق تعطيل جلسات مجلس الوزراء أعطي بموجب الدستور لثلث أعضاء المجلس وليس لواحد منهم، لأن جلسات مجلس الوزراء لا تكون قانونية إلا إذا توافرت غالبية الثلثين في الحضور (الفقرة 5 من المادة 65 من الدستور). وعليه، فإن المرجع الدستوري يقول في هذا المجال ان المراسيم التي تحتاج الى غالبية الثلثين يفترض أن يوقعها الوزراء الذين يؤلفون ثلثي أعضاء الحكومة، والمراسيم التي تحتاج الى الأكثرية يوقعها الوزراء الذين يشكلون أكثرية، علماً أن ذلك لا يمنع توقيع جميع الوزراء على المرسوم، إذا ما رغبوا في ذلك وكانوا قد وافقوا بالإجماع على القرار الذي يورده المرسوم المعني.

ورفض المرجع الدستوري رفضاً مطلقاً مطالبة وزراء بتوقيع 24 وزيراً على كل مرسوم، واعتبر ذلك <هرطقة> دستورية، لأنه في حال رفض وزير واحد، لأي سببٍ كان، توقيع المرسوم فهذا يعني أنه يمتلك  قدرة تعطيل عمل السلطة التنفيذية، وبالتالي شلّ عمل المؤسسات، وهو أمر لا يمكن أن يمتلكه وزير واحد بصرف النظر عما يمثل هذا الوزير من ثقل سياسي أو طائفي في البلاد.

«حكمة> سلام.. وسابقة السنيورة

وفيما أكد المرجع الدستوري أن عمل مجلس الوزراء لا يتغير في حضور رئيس الجمهورية أو غيابه كونه السلطة التنفيذية في البلاد، رأى أن الاعتبارات السياسية يمكن أن تحكم طريقة تعاطي مجلس الوزراء في إدارة شؤون البلاد بحيث لا يصار الى مقاربة مواضيع  شائكة أو خطيرة يمكن أن تُحدث انقساماً بين أعضاء الحكومة، أو تثير ردود فعل تؤثر على الاستقرار العام، ما يعطي الأولوية  لـ<حكمة> الرئيس تمام سلام الذي يحرص على إدارة مجلس الوزراء بروح توافقية تحفظ شعار <المصلحة الوطنية> الذي رفعه لحكومته عند تشكيلها يوم 15 شباط/ فبراير الماضي. ولاحظ المرجع أن سابقة حكومة الرئيس فؤاد السنيورة في عهد الرئيس إميل لحود الذي انتهى الى فراغ رئاسي دام ستة أشهر، يمكن أن تشكل قاعدة لعمل حكومة سلام، بحيث ان وزراء الحكومة كانوا يوقعون المراسيم بمجرد موافقة مجلس الوزراء عليها، بصرف النظر عن موقف كل وزير على حدة، حتى ولو كان قد عارض القرار، إلا أنه عند موافقة المجلس، فهو بات ملزماً بتوقيع المرسوم. ويستذكر المرجع أن كل المراسيم التي صدرت في عهد الرئيس السنيورة كانت نافذة وتم العمل بموجبها، حتى ان حكومته أجرت تعيينات بينها تعيين المدير العام لوزارة التربية الدكتور فادي يرق. كذلك يمكن تطبيق طريقة التصويت على قرارات مجلس الوزراء أو في التوقيع عليها وفق ما نصت عليه المادة 65 من الدستور.

سلام أمام تجربة جديدة

وفي وقت استغرب فيه المرجع الدستوري <افتعال> نقاشات سياسية حول مسائل محسومة دستورياً، قالت مصادر سياسية مطلعة ان لا حاجة لتعميم أجواء من <الهلع> حيال عمل مجلس الوزراء في مرحلة الفراغ الرئاسي، لأنها ليست المرة الاولى في ظل اتفاق الطائف التي تناط فيها صلاحيات رئيس الجمهورية بمجلس الوزراء وكالة بسبب تعذر انتخاب رئيس جديد للجمهورية، اذ سبق للرئيس السنيورة وحكومته أن مارسا هذا الحق في تجربة مماثلة استمرت ستة أشهر، إلا ان الواقع السياسي الراهن يختلف عن الواقع الذي <حكم> في ظله الرئيس السنيورة ووزراء حكومته. فالرئيس سلام لا يرئس حالياً حكومة <الفريق الواحد> كما كان الحال مع الرئيس السنيورة الذي استمر على رأس حكومة خرج منها 7 وزراء، منهم 6 وزراء يمثلون الطائفة الشيعية في لبنان، فسقطت صفة <الميثاقية> عن حكومته، ما جعله يدير فريقاً وزارياً متجانساً ومتضامناً، هو فريق وزراء 14 آذار والنائب وليد جنبلاط الذي كان في صفوف قوى <ثورة الأرز> آنذاك. وقد أدى غياب الوزراء الشيعة (والوزير الأرثوذكسي يعقوب الصراف الذي كان يمثل فريق الرئيس لحود)، الى رد الرئيس بري كل مشاريع القوانين التي أقرتها الحكومة ولم يطرحها على مجلس النواب حتى اليوم. علماً أن الرئيس السنيورة أبدى في حينه رغبته في أن تُتخذ قرارات حكومته بالإجماع، بما في ذلك القرارين الشهيرين بتفكيك شبكة الاتصالات التابعة لحزب الله وإعفاء العميد وفيق شقير من منصبه كقائد لجهاز أمن المطار، ما أدى بعد 48 ساعة الى وقوع أحداث 7 أيار/ مايو وما رافقها من نتائج وتداعيات. لذلك فإن واقع الرئيس سلام يختلف عن الرئيس السنيورة، لأن حكومته ليست حكومة الفريق الواحد، بل تتناقض فيها انتماءات الوزراء ومواقفهم وخياراتهم، ما يجعل مسألة <تماسكها> مطروحة في أي لحظة، الأمر الذي يدفع بالرئيس سلام الى العمل لمنع انفجارها. وثمة من يعتبر أن <قيادة> الرئيس السنيورة لحكومة الفراغ  الرئاسي بين عامي 2007 و2008، مختلفة عن <قيادة> الرئيس سلام لحكومة الفراغ عام 2014، لأن توزع القوى السياسية داخل الحكومة جعل سلام <متقدماً بين متساوين> هم وزراء قوى 8 و14 آذار، وسبب <تقدمه> لا يعود الى حالة شعبية أو تمثيلية، بل الى كونه يتمتع بصلاحيات مستقلة عن مجلس الوزراء مجتمعاً، بصفته رئيساً له، أي رئيساً للحكومة.

أيهما أوّلاً الصلاحيات أم الاستقرار؟

وتضيف المصادر السياسية ان الرئيس سلام يحاول من خلال تعاطيه مع الصلاحيات الرئاسية المضافة الى مجلس الوزراء أن يجمع بين ممارسة صلاحياته الدستورية التي قد تقوده الى الاصطدام بأحد فريقي الحكومة، ولا سيما فريق وزراء 8 آذار، وبين المحافظة على تماسك الحكومة وتضامنها لبقاء الاستقرار الأمني والسياسي على حاله، من دون أي هزة إضافية، وهو لأجل ذلك <يبتكر> مخارج وسطية كلما دعت الحاجة لتفادي اللجوء الى واحد من الخيار بين اثنين، من دون ان <يتنازل> عن الحد الأدنى من صلاحيات رئيس مجلس الوزراء، لاسيما وأن ثمة من ينتظره <على الكوع> ان هو تنازل، لاسيما الرئيس فؤاد السنيورة الذي خاض تجربة مماثلة، والرئيس نجيب ميقاتي الذي أظهر خلال وجوده في السرايا صلابة في الدفاع عن صلاحيات رئيس مجلس الوزراء. ولعل المهمة الأصعب أمام الرئيس سلام في ترؤس الحكومة الحالية هي محاولة إقناع الوزراء بعدم تعطيل الحكومة من جهة، وأدوار بعضهم البعض من جهة أخرى، لاسيما وان سلام لم يخفِ أمام زواره وجود <نزعة> لدى بعض الوزراء بممارسة حق <الفيتو> على مواضيع تهم وزراء زملاء لهم، لذلك عمد على التشديد في الجلسة الأولى لمجلس الوزراء، في ظل الشغور الرئاسي، على أهمية التضامن الوزاري والحرص على تماسك الحكومة، داعياً الوزراء المعترضين على أي قرار للتجاوب مع ما يصدر عن مجلس الوزراء بعد النقاش، لاسيما وأن توقيع المراسيم المرتبطة بهذه القرارات لا يعني الموافقة عليها من قبل المعترضين، بقدر ما يسهّل عمل الحكومة التي ستواجه يومياً <امتحانات> قاسية تتعلق بقدرتها على ممارسة مسؤولياتها الدستورية كونها أيضاً <صاحبة الفخامة»، وليس فقط <صاحبة الدولة»