14 December,2018

وضــع اللوحــات التذكاريــة التأريخيـــة فــي الأمــاكن العامـة مــن مسؤوليـــة الدولـــة... ولا دور للأحــــزاب فـيـــه!

كان يمكن للمسيرة التي نظمها التيار الوطني الحر الى منطقة نهر الكلب حيث لوحة جلاء القوات الاجنبية من لبنان لمناسبة الذكرى الـ75 للاستقلال، أن تمر بسلام كونها من مظاهر الاحتفالات بالذكرى الوطنية، لولا أن رئيس <التيار> الوزير جبران باسيل دعا الى وضع لوحة تحيي ذكر الانسحاب السوري من لبنان، الأمر الذي أثار ردود فعل سلبية خصوصاً أن كلام الوزير باسيل أوحى بأن الوجود السوري في لبنان كان احتلالاً لا بد من الاحتفال بجلائه عن الأراضي اللبنانية…

وإذا كان هذا الطلب من الوزير باسيل قد ترك تداعيات على صعيد العلاقة بينه وبين أحزاب 8 آذار ولاسيما منها حزب الله، فإنه فتح ايضاً باب المزايدات، فسارعت القوات اللبنانية الى الإعلان عن عزمها وضع لوحة تؤرخ الانسحاب السوري على صخور نهر الكلب، فيما ذكر حزب الوطنيين الاحرار بأنه سبق له أن وضع لوحة مماثلة قبل أعوام ثم نُزعت. وحده حزب الكتائب لم يدخل في هذه الخطوة <الاستعراضية> ليس لعدم رغبة في التعبير عن موقف من الوجود السوري، ولو بعد 13 عاماً على الانسحاب، بل لأن قيادة الكتائب ادركت أن مثل هذه الخطوة لا مفاعيل سياسية لها، ولا حتى اعلامية، بل تأتي من لزوم ما لا يلزم إضافة الى اثارتها خلافات كادت أن تصل الى النعرات الطائفية والمذهبية!

ولقد حاول الوزير جبران باسيل في الايام التي تلت اعلانه هذا الموقف، ان يوضح ملابساته، لاسيما بعدما تعرّض لحملة انتقادات واسعة ارتكزت على أن القوات السورية لم تكن قوات احتلال لأنها كانت في لبنان بطلب رسمي من الدولة اللبنانية الشرعية وسائر مؤسساتها الدستورية، ومن خلال <معاهدة أخوة وتعاون وتنسيق> لم يلغها مجلس النواب اللبناني على رغم الظروف التي مرّت بها سوريا. إلا أن هذه الإيضاحات التي استندت الى مواقف مسبقة للتيار الوطني الحر لاسيما خلال فترة ترؤسه من قبل رئيس الجمهورية، لم تحل دون استمرار الحملة القاسية على العهد ووزير خارجيته، خصوصاً في عدد من المساجد والأماكن العامة، ناهيك عن صفحات التواصل الاجتماعي.

إحراج… إرباك… تبرير!

وتقول مصادر متابعة لـ<الأفكار> أن كلام باسيل <أحرج> قيادة حزب الله التي رأت فيه <تجاوزاً للمألوف> في مخاطبة الجانب السوري خصوصاً في الفترة الأخيرة. إضافة الى ذلك، فإن <المزايدة> التي حصلت بين القوات اللبنانية و<التيار> على هذه الدعوة وردود الفعل عليها زادت في الطين بلة، بعدما رأى فيها الفريق المناوئ لباسيل، محاولة لـ<شد عصب> الشارع المسيحي المؤيد له، كما في الشارع المسيحي ككل، وحرصاً على تكريس نفسه <زعيماً مسيحياً> قادراً على المنافسة بقوة على الرئاسة الأولى، وإن كان موعدها لم يحن بعد لأن السنة الثانية من ولاية الرئيس عون انتهت ليل 31 تشرين الأول/ اكتوبر وبدأت السنة الثالثة بعد 24 ساعة على انتهاء الثانية.

ولاحظ الذين التقوا الوزير باسيل خلال الأيام الماضية، <إرباكاً> لما حصل من ردود فعل، لاسيما وأن حديثه في نهر الكلب عن سوريا أتى بعد إطلاقه تسمية <العقدة السنية – الشيعية> في إشارة الى دعم حزب الله لتوزير أحد النواب السنة الستة من مجموعة 8 آذار والمتحالفين مع حزب الله، وهي العقدة التي لا تزال تحول دون تشكيل الحكومة، خصوصاً بعد رفض الرئيس سعد الحريري توزير أي من النواب الستة في حكومته التي أراد أن يكون التمثيل السني فيها <صافياً> وحصرياً له، على رغم إعلانه أنه توافق مع الرئيس نجيب ميقاتي على تمثيل كتلته بوزير واحد سني. وفيما تم تجاوز الأزمة التي نشأت عن استعمال الوزير باسيل عبارة <العقدة السنية – الشيعية>، ظل موضوع اللوحة في نهر الكلب يتفاعل خصوصاً بعدما <استغرب> مصدر قيادي في حزب الله إطلاق باسيل هذه الدعوة في هذه المرحلة بالذات، ورأى فيها <دعسة ناقصة> من وزير الخارجية على رغم الإيضاحات اللاحقة حول ما قيل والتي لم تبدد <الغيوم> التي سيطرت فوق الساحة اللبنانية وامتداداتها السورية، لاسيما وان الأصوات النيابية السورية التي ارتفعت، وأحياناً من الشاشات اللبنانية، دلت على أن <الانزعاج> السوري يوازي – إن لم نقل يزيد – عن ردة الفعل لدى حزب الله.

 

الدولة معنية فقط!

وفيما تنافس التيار الوطني الحر والقوات اللبنانية على طلب وضع لوحة تؤرخ انسحاب القوات السورية من لبنان، فات القيمين على هذه الأحزاب، كما تقول مصادر رسمية لبنانية، أن وضع اللوحات التذكارية لا يمكن أن يكون بقرار فردي أو جهة سياسية دون أخرى، وأن ثمة قوانين وأنظمة ترعى هذه الواقعة ينبغي احترامها وعدم تجاوزها، وهذه القوانين تحصر بالدولة تأريخ أي مرحلة من تاريخ البلاد، فضلاً عن أن اشغال الأملاك العامة، بصرف النظر عن أية غاية، يحتاج الى قرار من المرجعيات الرسمية وليس من المراجع الحزبية. واعتبرت المصادر نفسها أن تجاوز الموقف الرسمي وتقديم الطلب سواء من هذه الجهة أو تلك، لن تكون الادارات المختصة ملزمة به، ويمكن أن تمضي أيام وأسابيع من دون أن يتم الرد عليه سلباً وهو الأرجح، أو إيجاباً وهو المستبعد.

وذكّرت المصادر نفسها أنه إضافة الى لوحة الجلاء ولوحات أخرى تؤرخ لمرحلة من تاريخ لبنان الحديث، فإن لوحة الانسحاب الاسرائيلي من الاراضي اللبنانية  العام 2000 تم وضعها في عهد الرئيس الاسبق العماد اميل لحود حيث أقيم احتفال رسمي في المناسبة لتأريخ انسحاب الاسرائيليين من الأراضي اللبنانية. وتحدثت المصادر حول عدم <واقعية> طلب وضع لوحة عن انسحاب السوريين، لأن وصف الجيش السوري بـ<الجيش المحتل> يتناقض مع واقع العلاقات اللبنانية – السورية التي لا تزال محكومة – من الناحية القانونية على الأقل – بوجود معاهدة <الأخوة والتعاون والتنسيق> بين البلدين، إضافة الى وجود اتفاقات ثنائية كثيرة لم يلغ المجلس النيابي أياً منها، إضافة الى التنسيق القائم بين القوى الأمنية اللبنانية ونظيرتها السورية والذي يتجلى يوماً بعد يوم من خلال عودة مجموعات النازحين السوريين من لبنان الى سوريا بعد تنظيم إقامتهم بالتنسيق بين الأمن العام اللبناني والجهاز المماثل في سوريا، هذا فضلاً عن استجرار الطاقة الكهربائية من سوريا. كل ذلك للإشارة الى أنه من غير المنطقي مقاربة ملف العلاقات مع سوريا من زاوية فتح دفاتر الماضي وإحياء توصيف <الاحتلال> على الجيش السوري وغيرها من المسائل التي فتحت جروحاً قديمة وجدت وسائل التواصل الاجتماعي فرصة سانحة للحديث عنها والترويج لها على نحو ملفت، علماً أن الوزير باسيل أسرّ لمقربين منه أنه لم يكن يرغب في إحياء النقاش حول الوجود السوري، لكن الحماسة أخذته الى مكان آخر!