23 September,2018

وصيتي للأجيال الشابة: افعلوا كل ما يمكن لإنقاذ سوريا!

2 لم يكن الفن وحده حاضراً في مسرح المدينة في بيروت مع الفنان السوري رفيق السبيعي، فالممثل الشامل المنتمي حديثاً الى الحزب القومي السوري جاء بدعوة منه الى مسرح <ست الدنيا> واستحضر السياسة ايضاً. خطاه التي اثقلتها السنون لم تمحُ ملامح أبي صياح القبضاي <الزكرت>، بسرواله الاسود وخيزرانته وكوفيته وشاربيه، وطبعاً بتاريخه الفني الطويل، هو من أسس مع مجموعة من الممثلين السوريين للمسلسلات الكوميدية والدرامية في آن، وكان له مع الرحابنة في لبنان أكثر من محطة من <سفر برلك> في العام 1966 الى <بنت الحارس> في العام1971.

فأين هو الفنان السوري اليوم؟  ما آخر مشاريعه هو الذي يقول: <بت لا أعرف في لحظة أغيب، فانتبهوا>..  ماذا دعا أبو صياح الى الانتباه منه؟ بماذا يوصي؟ كيف أضحت علاقته برفيق عمره دريد لحام، وماذا عن مشاريعه الدرامية الحالية؟

الاجوبة كلها في هذه السطور…

 

 <وطّيت راسنا.. >

هو الفن حتى الرمق الأخير يحرّك رفيق السبيعي منذ رأت عيناه النور في حيّ البزورية في دمشق. تعرف الى الحركة المسرحية في مسارح العاصمة ونواديها. لم يمنحه احد فرصة في بداياته بحسب ما يذكر، حتى ان اهله طردوه ومنعوه من التمثيل لأن الفن حينذاك كان يعتبر عاراً، لدرجة ان والده كان يخاطبه بالقول <وطّيت راسنا بين الناس>. لكنه تحدى المجتمع والظروف وانخرط في الحياة الفنية ممثلاً ومغنياً و<مونولوجيست> حتى أواخر الاربعينات، حيث بدأ بتقديم مقاطع كوميدية مرتجلة على المسارح السورية بشخصيتي أبو جميل وأبو رمزي. انتقل بعدئذٍ الى الغناء والتمثيل في الفرق الفنية، منها فرق علي العريس، سعد الدين بقدونس، عبد اللطيف فتحي، البيروتي، محمد علي عبدو، وساهم بتأسيس عدد من الفرق المسرحية الاولى بعد الاستقلال، حيث برز بشخصية أبو صياح التي قدمها للمرة الاولى في العام 1953، ولقب فيما بعد بفنان الشعب. اما النقلة النوعية في حياته، فكانت بعد ثلاث سنوات، مع تأسيس المسرح الحر الذي عمل فيه معظم رواد الحركة المسرحية السورية، اذ بدأ بتقديم مسرحيات كاملة منها <بالمقلوب>، <مرتي قمر صناعي>، <طاسة الرعبة> الى <صابر افندي> التي عرفت شهرة واسعة قبل ان يشترك رفيق السبيعي في تأسيس المسرح القومي في العام 1960 .

غاب أبو صياح عن المسرح لسنوات قبل ان يعود اليه في العام 1996 في مسرحية <مات ثلاث مرات> من إخراج حاتم علي وبعدئذٍ مسرحية <شو هالحكي> من إعداد وإخراج مجموعة اسماء بينها ابنه سيف الدين السبيعي.

 

أبو راغب.. والشيخ صالح

ومع سيف الابن، يكمل أبو صياح المشوار. منذ فترة وجيزة، انتهى معه من تصوير دوره في مسلسل <بنت الشهبندر> اي كبير التجار، وهو المسلسل الذي تعد له العدة منذ الآن لشهر رمضان الكريم المقبل، ليدخل ساحة المنافسة كإنتاج ضخم حشد له عدد كبير من النجوم البارزين من قصي خولي الى قيس الشيخ نجيب والممثل اللبناني فادي إبراهيم بدور <الشهبندر>. اما دور ابنته، <اي بنت الشهبندر> فتشخصه الكنّة السابقة لرفيق السبيعي طليقة ابنه الممثلة سلافة معمار. سوف يعرض العمل لبنانياً في رمضان على شاشة تلفزيون <المستقبل>. هو مسلسل سوري – لبناني يحكي مجموعة قصص حب تجري أحداثها في بيروت أواخر القرن التاسع عشر أو أوائل القرن العشرين، في حي <الخندق الغميق> البيروتي الشهير الذي كان السوريون يذهبون للسكن فيه كثيراً .

في <بنت الشهبندر> إنتاج مفيد الرفاعي، احتفل العاملون اثناء التصوير بالعيد الخامس والثمانين لرفيق السبيعي. عن دوره هذا، يقول فنان الشعب: <ألعب دور أبي راغب، احد زعماء الاحياء في زمن السلطنة العثمانية>. المسلسل كما ذكرنا سوف يعرض في شهر رمضان الكريم، الشهر الذي بات رفيق السبيعي حزيناً عليه: <في القديم، كانت العائلة تجتمع الى مائدة واحدة، اما الآن فلقد تحول الى موضة يقصد الناس فيها المطاعم عوض ان يلتقوا في بيوتهم> .

 اما حول الاعمال الشامية التي يتحلّق الناس لمشاهدتها في هذا الشهر، فاعتبر صاحب اغنية <شرم برم كعب الفنجان> انها استعراض وصراخ وسحب خناجر تنقص من قيمتنا أمام الجمهور الذي منحنا ثقته، بعد ان كانت في مسلسلات  <ليالي الصالحية > و<أيام شامية> تقدم المُثل العليا الصالحة لكل زمان ومكان. للأسف، هناك تكريس صورة سطحية لتلك الفترة من تاريخ دمشق، فلا اجد صورة واحدة لولد يذهب الى المدرسة..  انها تشويه للصورة والحقبة والتاريخ وابتعاد عن الاصالة بسبب دخول التجارة على الفن.

 بعد مسلسل <ابو راغب>، يؤدي السبيعي الآن دور <الشيخ صالح> أحد وجهاء الحارة الذي يحتكم إليه الناس لحلّ المشاكل والخلافات وطلب النصيحة في مسلسله الجديد <حرائر> من توقيع المخرج باسل خياط . يبدو ان السبيعي سعيد بالدور الجديد وراضٍ عنه .عنه يقول: <المسلسل في الشكل بيئي شامي، وبالتالي نمطي بالنسبة لكثيرين، لكنه في المضمون ليس كذلك، بل هو جرعة توثيقية تأخذ أجمل ما في دمشق في مرحلة مهمة من تاريخها، لتحبكه ضمن قصة جميلة وتقدمه في مسلسل رمضاني سيقول الكثير وأكثر ما اعجبني فيه هو الشخصيات النسائية التي سيتم تسليط الضوء عليها والتي كان لها دور في حركة الفكر بدمشق مثل الصحافيات اللواتي تألقن في تلك المرحلة وواجهن المستعمر بالقلم، مثل ماري العمجي ونازك العابد اللتين يُشهد لهما بإنارة الفكر في حقبات ظلامية>.

مع دريد.. <القلوب مو صافية>

التلفزيون الذي لا يزال رفيق السبيعي يعطيه من ذاته له رصيد كبير فيه. منذ تمثيلية <مطعم الأناقة الجوال>، اجتمع لأول مرة مع نهاد قلعي ودريد لحام وانطلق قطار الشهرة الواسع. مع <غوار> ليس أبو صياح على ما يرام، والقلوب ليست صافية. فقد دخل شقاق الخلاف بينهما على خلفية ما ذكر رفيق السبيعي في سيرة حياته ان لحام نصب منه الكثير من الأموال، إذ باع <حمام الهنا> للسعودية وقبض مبلغاً مهماً لم يتقاسمه مع البطلين الأخيرين قلعي والسبيعي، ما جعل لحام يرد <ان هذا الاتهام أمر كبير، مضيفاً انه <عندما يدرك (اي السبيعي) ويأتي ليعترف انه أخطأ، انا مستعد للتعاون معه>. وتفرّق مُبدعا الأمس الجميل. قيل ان مشروع مصالحة كان يتم الإعداد له بين الرجلين وصل الى حد إعطاء السبيعي فكرة تمكنهما من العودة الى العمل سوياً، إلا ان دريد لحام لم يتجاوب معه أبداً، ما أفقد السبيعي اي رغبة في محاولة الوصال من جديد.

 الى التلفزيون، للسبيعي رصيد كبير في الإذاعة، وهو عرف جداً ببرنامجه الاسبوعي <حكواتي الفن> الذي استمر طوال 12 عاماً. كذلك فقد اعتبر بحق رائد الاغنية الناقدة في النصف الثاني من القرن العشرين مختاراً قالب <الطقطوقة> واللون الشعبي لأغنياته، مقدماً إياها بشخصية أبو صياح وغيره. لقد عرف شهرة واسعة في هذا اللون أبرزها على الاطلاق <يا ولد لفلك شال>، وبعدها <تمام تمام هذا الكلام  شروال أبو صياح شيش بيش> وغيرها، كما أدى أغانٍ عديدة في الافلام السينمائية مثل <ليش صار معنا هيك> في فيلم <شروال وميني جوب> وأغنية <الأوتو ستوب> في فيلم <نساء للشتاء>.

 لم تعنِ الشهرة يوماً الكثير الى رفيق السبيعي. برأيه هدف الفنان هو الوصول الى الغاية الأسمى وهي قلوب الناس لايصال الرسائل الانسانية، اما الشهرة وحدها فهي غاية رخيصة. بالنسبة له <مهما كان المسلسل كوميدياً وضاحكاً، يجب ان يعطي عبرة في كل حلقة وان يكون دوره توجيهياً. المهم ان يصل الفن لعامة الشعب، فأنا كفنان لا أريد ان أثقف المثقف>.

 

هموم العرب..

الدور التوجيهي للفنان يراه السبيعي دوراً أساسياً في التجذر بالوطن ايضاً. حول سوريا وأحوالها، تحدث في اللقاء اللبناني عن مستقبل أسود او غامض يلف الوطن العربي كله، وهو لم 1يخفِ قلقه. لقد رفض مغادرة الشام مع اندلاع الاحداث معتبراً انه من المعيب ان يترك بلده الذي أعطاه كل شيء بهكذا ازمة، معتبراً ان عاصمة الأمويين هي حضارة وثقافة وبشر وليست مجرد حجر. واعتبر السبيعي ان سوريا تتعرض للوحشية والغدر من قبل الذين قدمت لهم الكثير، وهي تدفع ثمناً فظيعاً نتيجة تبنيها فكرة العروبة، مضيفاً: سوريا كانت دائماً تحمل هموم العرب جميعاً وتشاركهم الوجع وتقف معهم، والمستغرب ان معظم العرب يشاركون في المخطط التآمري الذي يضاعف من أوجاع سوريا.

ويضيف السبيعي:

 – سوريا التي خاضت حرب تشرين ضد اسرائيل، بقيت وحدها في الميدان، بعدما ذهب الرئيس أنور السادات إلى الكيان الصهيوني ووقع اتفاقية <كامب ديفيد> وأخرج مصر من الصراع المصيري مع العدو الصهيوني، مشيراً إلى أن الضغط والحصار على سوريا ومحاولات زرع الفتن والخراب فيها بدأ منذ ذلك الوقت، وقد فشلوا في ذلك، إلى أن جاء ما يسمى بـ<الربيع العربي>، حيث نجح أعداؤنا بالدخول علينا بطريقة خبيثة وماكرة..  زرعوا فتنة سببت دماراً كبيراً لسوريا التي تدفع منذ أربع سنوات ثمن قرن كامل من الصمود والمواجهة والمقاومة والتمسك بالحقوق والمبادئ.

ويذكّر:

– لقد شكّلت سوريا على الدوام ملاذاً آمناً للجميع، فلجأ اليها من القفقاس 1860 الشركس والداغستانيين والأبخاز بعدما تعرضوا للاضطهاد، وكذلك الأرمن 1915 بعدما تعرضوا للمذابح الوحشية من قبل الاتراك، واحتضنت العراقيين بعد الغزو الأميركي للعراق، واللبنانيين بعد العدوان الإسرائيلي وصوماليين وسودانيين وأفغان وباكستانيين وآخرين..  مضيفاً: ولم نسمع يوماً أن خيمة واحدة نصبت في سوريا لإقامة لاجئ، وليس مخيماً، لكن حينما تعرضت سوريا مؤخراً للحرب والعدوان، واضطر آلاف السوريين لمغادرة سوريا من جراء الارهاب، أصبحنا نسمع قصصاً عن إذلال السوريين، عن عائلات لا تجد طعاماً..  وعن اشخاص يموتون من الصقيع والبرد، وعن نساء تغتصب وتهتك أعراضهن..  وبنات بعمر الورد يبعن في سوق النخاسة لسماسرة خليجيين تحت اسم (زواج السترة)..  وصرنا نسمع عن لاجئين يبيعون اعضاءهم ليعيشوا..  وعن آخرين يقتلون وتُسرق أعضاؤهم..

وهو حمل في النهاية مسؤولية حفلة الدم في سوريا لدول غربية وعربية، مؤكداً ان كلمة سوري قادرة وحدها أن تجمع كل السوريين خاتماً:

– وصلتُ إلى سن أعرف أنّني قد أرحل في أي لحظة. لذا، فإنني أوصي الاجيال الشابة: أبقوا عيونكم على سوريا..  وافعلوا أي شي من أجل إنقاذها ولا تتهاونوا أبداً في الدفاع عنها!