14 November,2018

وصـيــة الـزوجــة الـراحـلــة أعـــادت روميو لحود الى المسرح من جديد

 

بقلم عبير انطون

IMG_8042 في الاعلان عن مسرحيته الاخيرة <طريق الشمس> منذ عامين قال المؤلف والمخرج المسرحي الكبير روميو لحود بغصة عميقة: <يمكن أن تكون هذه مسرحيتي الاخيرة>. اسباب عديدة جعلته يبوح للجمهور اللبناني بسره هذا ليشاركه فيه، فبينه  والجمهور <عشرة عمر> من الفن الجميل الراقي الذي أسس لمهرجانات دولية واحتفالات لبنانية لا زالت مستمرة حتى اليوم.

جميل ان يعود روميو لحود الى الساحة، في هذا الشهر، شهر تشرين الثاني/ نوفمبر تحديداً. ففيه يحتفل اللبنانيون بوجدانهم مع فيروز التي تطفئ شمعة أعوامها الثمانين، وفيه يستعيدون ذكرى اسطورة الغناء اللبناني الشحرورة صباح التي انتقلت في السادس والعشرين من مثل هذا الشهر في العام الماضي الى رحاب تتسع لمن ملأت الدنيا فرحا وعطاءً، وفيه أيضا يحتفلون بغصة تشبه غصة لحود، بعيد استقلالهم اللبناني الذي يعود مرة اخرى مضرّجا بالدماء.

بمسرحية <بنت الجبل> عاد روميو لحود الى خشبة المسرح، مسرح <theatre des arts> في جونية الذي يستثمره لثلاث سنوات بعد ان اعاد بناءه وتجهيزه ليشكل حاضنة لـ<بنت الجبل> وغيرها من الاحتفالات والاستعراضات الفنية الراقية.

وصية الكسندرا.. 

 

هي الكسندرا، زوجة روميو الراحلة التي اعادته الى حياة العمل الاستعراضي من جديد. كانت وصيتها له قبل ان تفارقه الى دنيا الحق بان يعود للعمل في المسرح، عشقه الكبير، حتى لا يعيش الوحدة التي تعرف انه سيغرق فيها بعد رحيلها، هي الرفيقة وحبيبة العمر. اشعلت فيه روح النهوض من جديد بعد سلسلة احداث اليمة غيبت وجوه من يحب الواحد تلو الآخر وبينها طبعا ملهمته ونجمة مسرحه سلوى القطريب. ولان النبتة تركت بذورها في ارض خصبة، فقد عادت سلوى، نجمة <بنت الجبل> بوحيدتها الين، تلبسها ثوبها في افتتاح المسرحية وتطلقها حرة في شخصية جديدة تديرها هي، اي الين، بعد ان كانت رافضة لفكرة استعادة مسرحية تشربتها حتى النخاع بصوت والدتها وصورتها.

 تقول الين: <عندما طرح علي عمي روميو منذ سنوات استعادة <بنت الجبل>، رفضت على الفور. لم اكن اتخيل انه يمكنني ذلك، فهذه IMG_8979المسرحية تحديداً حفظتها عن ظهر قلب، اعرفها بالنقطة والفاصلة، بالمشهد والاغنية، ولم أكن اتصور انه بوسعي استعادتها>.

العودة الى <بنت الجبل> 2015 بعد نسختين سابقتين منها واحدة في العام 1977 على <مسرح الاليزيه> في الأشرفية (قبل ولادة الين)، والثانية على <مسرح كازينو لبنان> في العام 1988، جاءت بناءً على رغبة الجمهور، جمهور يتذكرها في قسم كبير منه، ويعرف عنها ذكريات يخبرها، كالفنان المسرحي اندريه جدع الذي يذكر انه في احدى الامسيات وبينما كان حاضرا للعرض، بعد نهاية الحصار على الأشرفية، حضر الرئيس الراحل كميل شمعون الى مسرح <الاليزيه> عند ساحة ساسين وغنت سلوى تلك الليلة اغنية تم تحوير كلماتها لتوافق المناسبة فتقول: <وان كان بدك تمشي حدي وتعرف عن ارضك تدافع،لازم تصبغ شعرك فضي وتغفى ع صوت المدافع..> وكانت الصالة تشتعل بالهتاف والتصفيق.. للاسف ما من رئيس يحضرالاستعادة الثالثة اليوم، لا بشعر فضي، ولا اسود ولا أشقر، فالفراغ الكامل سيد الموقف.

الجمهور عايز كده..

 وحول الاستفتاء الذي افضى الى انتخاب <بنت الجبل> رئيسة في الجمهورية اللحودية دون غيرها يشرح روميو:

 أجرينا استفتاء مع الجمهور لسؤاله عن رغبته في تقديم مسرحية جديدة او العودة الى مسرحية قديمة، فجاءت النتيجة بـ72 صوتاً لصالح مسرحية <بنت الجبل> تحديداً. <شمرنا عن سواعدنا وبدأنا العمل>..

 النسخة الثالثة للمسرحية بلغ انتاجها حوالى نصف مليون دولار ولم تأتِ الا بالمستوى الذي دأب عليه روميو لحود على امتداد تاريخه المسرحي مذ بدأه في العام 1952، وقد وصل خلال سني الحرب وحدها الى ثلاثة عشر عملاً. فلحود الذي تخصص في هندسة المسارح، اعاد ترميم مسرح <نايف اند ماري> في جونية، العمل الذي ارهق ابن الرابعة والثمانين :<لقد اتعبني فعلاً لأن الترميم صعب وكذلك بناء الديكور>.

الى روميو انصب الجهد ايضاً على الانتاج الذي تولاه ناهي والد الين، ذلك انه، وبحسب ما يقول روميو:<ليس سهلاً إرضاء الجيل الجديد، الذي يختلف عن الجيل القديم، فهذا مشدود نحو التكنولوجيا بأنواعها، فيما كانت علاقة الجمهور بالثقافة سابقاً وثيقة اكثر، تقوم على الكتاب والمسرح والافلام>. الجيل الجديد هذا يدخل في اول اهداف روميو لحود الذي يناصره دائماً ويقول: <لطالما حاربت من اجل الشباب>.

 

بيروت IMG_80481912..

السيناريو في <بنت الجبل> الجديدة لم يبدل فيه لحود ولو حرفاً واحداً، وكذلك الاغنيات التي حفظها الجمهور اللبناني بحبّ مثل <استاذ الابجدية> و<قالولي العيد> وطبعاً الاغنية العزيزة جداً على قلب الين <شو في خلف البحر> وغيرها..  واحدة جديدة فقط يؤديها غبريال يمين بدور خليل بربور والد ليزا، هو الذي حمله الحظ او ربما القدر ليصبح اثرى الأثرياء بطريقة غير متوقعة. ليلة عرسه، هو السكران دائماً يطلب <التاكسي> لينقله الى عروسه ويغني له في مشهدية جميلة.

 اللوحات الراقصة صممتها ناي لحود باتقان، فيما انفردت استاذة الرقص جورجيت جبارة بتصميم رقصة <الفالس> في قصر <آل أديب العامر> بالسهرات واللقاءات. الرقصات لم تكن لتأتي بهذا المستوى من الابهار والاتقان لولا تصاميم الازياء الرائعة للمصممة بابو لحود التي اعادتنا لاجمل موضة أزياء بيروت وقصاتها في العام 1912.. فبابو الغت كل الفساتين السابقة في مسرحية تعني لها الكثير وتعود بها الى ذكريات ووجوه حلوة. لقد بدلتها جميعها حتى تلبسها الين، البطلة الجديدة للعمل الاستعراضي والتي لم تختر من خزانة امها للمسرحية سوى فستان واحد تطل به مع اول المشاهد.

ونجح الرهان..

 من جانبها، رسالة العمل، هي ايضاً لم تتغير مع الزمان والمكان، تدور حول الانسان والبيئة التي يعيش فيها. فهل يمكن لليزا خليل بربور بائعة الزهور الملونة في ساحة بلدة كفريانوح ان تتحول في غضون ستة اشهر الى امرأة مثقفة تبهر الصالونات بحديثها وتصرفها بعد تعليم الاستاذ هنري اديب لها؟ هل يمكن الرهان عليها؟ وماذا بعد نجاح الرهان؟ ماذا سيحل بها؟ هل ستنسلخ عن واقعها ام تعود اليه؟ وهل إنّ جميع البورجوازيين يتلهون بالفقراء ويعبثون بهم كاللعب ام بينهم من يدعم هؤلاء ويعينهم لحياة افضل؟ باختصار هل تعيش بيئتنا فينا ام يمكننا الانسلاخ عنها بالقرار والاصرار؟

 القصة المقتبسة عن <بيغماليون> للكاتب الايرلندي الساخر <جورج برنارد شو> والتي نُفّذت قبل عام واحد من الحرب العالمية الاولى، تعود على <افيش بنت الجبل> الجديدة، حيث يظهر لحود كما <بيغماليون> يحرك ابطاله كـ<الماريونيت> عبر الخيطان. القصة عينها، كانت تحولت فيلما اميركيا بعنوان <سيدتي الجميلة> للمخرج <جورج كوكور> في العام 1994 من بطولة النجمة <اودري هيبورن> والممثل <ريكس هاريسون>.

 ليزا اللبنانية التي لعبت دورها سلوى، والتي اوحت لروميو حينئذٍ بالدور، هي الين في نسخة الـ2015. ويقول لحود في هذا الصدد <ليس لالين علاقة بسلوى، وانا لا اقارن ابداً بينهما، اذ لكل واحدة منهما شخصية مختلفة عن الاخرى. الاداء مختلف وان كان الشبه في الصوت كبيرا>. أما هنري اديب، <استاذ الابجدية> الذي قدمه سابقاً الفنان القدير انطوان كرباج فقد اضحى بديع ابو شقرا الذي وصف شعوره بسعادة حقيقية وهو على خشبة المسرح يمثل في عمل رآه منذ نحو عشرين عاماً تقريباً ولم يخطر بباله ابداً انه سيكون جزءاً فيه يوماً ما.

عن اختيار ابو شقرا يقول روميو ان الين التي سبق وعملت معه في مجال الدراما هي من اقترحت الاسم: <الين دلّتني عليه، وقد شاهدته في مسرحية <فينوس> التي لعبها مؤخراً واقتنعت به، واخوانا الدروز يلفظون العربية بشكل صحيح، صوته جيد وهو فاجأني فعلاً>. وكان لحود تمنى على بديع كما على الين عدم العودة الى اشرطة المسرحية القديمة حتى لا يتأثرا بما يشاهدانه بل يعطيا جديداً من روحهما وهذا ما سعى اليه البطلان الشابان ونجحا بامتياز.

IMG_9013

هجوم يا شباب!

 

من الوجوه التي سبق وشاركت في النسختين السابقتين تبقى ماغي بدوي بدور والدة هنري اديب في مسرحية عزيزة جداً عليها. اما بدور الياس الياس، فيحل غبريال يمين، عصام مرعب بدور الدكتور جوهر، مارلين حكيم بدور الآنسة جولي، لودي قزي في دور ليلي وفرقة آلان مرعب التي تضم 18 راقصاً وراقصة.

 <ثقافة المسرح> لا يزال روميو لحود يناضل لأجلها، ويدعو نظامنا التربوي الى ايلائها اهمية كبرى ذلك انها واجهة البلد وانعكاس له، وكم يهلل قلبه عندما يسمع هذه المسرحية وغيرها تستعاد من قبل التلامذة على مسارح المدارس. كذلك فإن إصراره على العمل في لبنان وسط الاجواء السوداوية التي نعيشها، ليس سوى رسالة امل للشباب لحضهم على العمل ولو في عز المصاعب، فلا يكون الحل الاسهل بالسفر. برأيه، تقع على اللبناني مسؤولية المواجهة والقيام من جديد والهجوم الايجابي الى حيث يثمر العمل فناً وحياة.

مع التصفيق الحار المستحق الذي لقيه افتتاح مسرحية <بنت الجبل> الجديدة وفَى روميو لحود بوعده لـ<الكسندرا>، باركت له سلوى نجاحه، قبلت الين على جبينها في عمل راقٍ متقن وطالبته بمسرحية جديدة، ضخمة ايضاً هذه المرة، تنتظر الترجمة من على الورق الذي انهى روميو كتابته بالخطوط الرئيسية. قد يكون <كاريكاتورا> مستوحى من بلدنا وأحواله اليوم على مختلف الصعد، ولم يبقَ لروميو لحود سوى <شدّ الخيوط>..