22 September,2018

”وساطة أميركية“ تريّث لبنان في قبولها لدرسها: ترسيم الحدود البرية في مقابل ”تصحيح“ مساحة ”البلوك 9“!

ساترفيلد بريإذا كانت التهديدات الاسرائيلية المتمثلة بإقامة جدار إسمنتي قبالة الحدود اللبنانية الجنوبية، وبادعاء ملكية الحقل رقم 9 في المنطقة الاقتصادية الخالصة في لبنان، قد جمعت أركان الدولة في لقاء ثلاثي تم فيه إيجاد حلول لعدد من القضايا العالقة وأبرزها مرسوم الأقدمية والترقية للضباط من الجيش والأسلاك العسكرية كافة، فإن التصعيد العسكري الذي تجدد بين اسرائيل وسوريا ورافقه إسقاط طائرة <اف 15> اسرائيلية بصاروخ روسي من المضادات الجوية السورية لأول مرة منذ بداية الحرب في سوريا، جمع الأركان الثلاثة مرة جديدة في قصر بعبدا يوم الاثنين الماضي، وذلك لأن هذا التصعيد تزامن مع استمرار التحركات الإسرائيلية البرية وسط إصرار على بناء الجدار الإسمنتي، وكذلك مع اهتمام أميركي متجدد بالوضع في لبنان تمثل بزيارة وزير الخارجية الأميركية <ريكس تيليرسون> يوم الخميس الماضي، وقبله مساعده لشؤون الشرق الأدنى <ديفيد ساترفيلد> الذي كان لسنوات خلت سفيراً لبلاده في لبنان.

أهمية الزيارتين الأميركيتين المتتاليتين في أقل من أسبوع تكمن في ما حمله الوزير <تيليرسون> ومساعده <ساترفيلد> من اهتمامات أرادا من المسؤولين اللبنانيين أن يقولوا كلمتهم فيها، بدءاً من الأوضاع الداخلية، وصولاً الى الأوضاع في سوريا والإرهاب ودور حزب الله والعقوبات المفروضة عليه وتلك التي ستضاف لاحقاً، إضافة الى أوضاع النازحين السوريين، ومؤتمرات الدعم المنتظرة للبنان في روما وبروكسل وباريس والإصلاحات المطلوبة من لبنان لإنجاح هذه المؤتمرات. أما بالنسبة الى الاعتداءات الاسرائيلية البرية والبحرية، فإن الجانب الأميركي بدا مهتماً بالملف النفطي والادعاءات الإسرائيلية بملكية الحقل رقم 9 القريب من حدود الأراضي التي تحتلها اسرائيل، وهو لهذه الغاية عرض وساطة تشمل التفاوض على النقاط الـ13 المتحفظ عليها في <الخط الأزرق>، بالتزامن مع تفاوض حول حدود البلوك 9 التي يؤكد لبنان انها داخل أراضيه.

 

<خط هوف>

دايفيد ساترفيلد سعد الحريري 

المطلعون على لقاءات <ساترفيلد> تحدثوا عن اقتراحات متوازية في البر والبحر بحيث يأخذ لبنان حقه في الحدود البرية ويقتصر بناء الجدار الإسمنتي في الأراضي التي تحتلها اسرائيل ولا يقترب البناء من الحدود اللبنانية وخصوصاً النقاط المتنازع عليها، وفي المقابل يعاد ترسيم الحدود البحرية لتصحيح ما كان قد حُدّد قبل أعوام وخسر فيه لبنان ما يوازي 860 كيلومتراً مربعاً يعتقد المعنيون أن فيها كميات كبيرة من النفط والغاز، ويكون التصحيح بإعادة نحو 530 كيلومتراً مربعاً الى لبنان، وإعطاء ما تبقى الى اسرائيل وفقاً للخط الذي كان رسمه الوسيط الاميركي في إدارة الرئيس السابق <باراك اوباما> السفير <فريدريك هوف> حتى بات يعرف الخط المائي الجديد الذي حدده بـ<خط هوف>، إلا أن لبنان الذي تحفظ على القبول بـ<خط هوف> وجد نفسه أمام محاولة أميركية جديدة لإحياء ترسيم الحدود البحرية على نحو يرضي اسرائيل التي تدعي أن الخلاف البحري مع لبنان هو فقط على 133 كيلومتراً مربعاً من البلوك 9 وأنه يمكن إطلاق عمليات التنقيب التي رست على <كونسورتيوم> يضم شركة <توتال> الفرنسية و<ايني> الايطالية و<نوفاتك> الروسية، من دون الاقتراب الى النقاط المتنازع عليها.

وإذا كان الجانب الاميركي أبدى حرصاً على معالجة النزاع القائم مع اسرائيل حول الحدود البرية والبحرية، ورغبة في الوصول الى حلول سريعة، فإن الجانب اللبناني تمسك بحقه في سيادته على أرضه ومياهه من دون أن يغلق الأبواب أمام المفاوضات على أمل أن تسفر هذه عن نتائج وإن كان التفاؤل في ذلك ليس بكثير. وهذه الإرادة اللبنانية الجامعة تظهّرت في مواقف رئيس الجمهورية العماد ميشال عون ورئيس مجلس النواب نبيه بري ورئيس الحكومة سعد الحريري الذين التقوا يوم الاثنين الماضي وقيّموا الوضع وخرجوا بجملة مواقف أبلغوها الى الوزير <تيليرسون> وفق ما كانوا أبلغوه أيضاً للسفير <ساترفيلد> وخلاصة الموقف اللبناني أن تسهيل الدور التفاوضي الاميركي يتزامن مع تأكيد على حق لبنان في الدفاع عن سيادته واستقلاله وسلامة أراضيه بكل السبل المتاحة، خصوصاً أن التعليمات أعطيت لوحدات الجيش المنتشرة في الحدود بمنع أي تقدّم اسرائيلي في اتجاه الأراضي اللبنانية على طول الحدود من رأس الناقورة حتى حدود مزارع شبعا. وتزامنت هذه التعليمات مع حرص لبناني واضح على عدم إشعال الجبهة الجنوبية، عبّر عنه الرئيس عون للجانب الأميركي بقوله: <نحن لا نريد الحرب ولا نسعى الى ضرب الاستقرار المستمر منذ العام 2006، وعليكم إقناع اسرائيل لا بل إجبارها على التقيد بدعوات ضبط النفس، ومنع الاعتداءات على لبنان لأن هذه الاعتداءات ستقابل بردود فعل غير مسبوقة>.

اهتمام مباشر من البيت الأبيض

ريكس تيلرسون

وتقول مصادر مطلعة أن الحرص الذي أبداه الوزير <تيليرسون> وقبله السفير <ساترفيلد> على ضرورة المحافظة على الاستقرار في الجنوب، يواكبه اهتمام مباشر من البيت الأبيض سمعه الرئيس الحريري خلال زيارته لواشنطن وتكرر خلال وجوده في المنتدى الاقتصادي العالمي في <دافوس> حيث التقى <جاريد كوشنير> صهر الرئيس الأميركي <دونالد ترامب> الذي تسلّم ملف الصراع البري والبحري بين لبنان واسرائيل، ما يؤشر الى أهمية تعلقها إدارة <ترامب> على هذا الملف الذي عُهد به الى الرجل الأقوى حالياً في البيت الأبيض والذي يجمع القرابة العائلية مع الرئيس <ترامب>، ووظيفة المستشار الأكثر تأثيراً على الرئيس.

وتضيف المصادر نفسها انه خلال لقاء الرئيس الحريري مع الصهر <كوشنير> كانت مسألة الجدار الإسمنتي طاغية على موضوع البلوك البحري رقم 9، فاستمع <كوشنير> باهتمام الى قلق الرئيس الحريري من بناء الجدار وإمكانية تعديه على الأراضي اللبنانية، ليعود بعد وقت قصير ويبلغ رئيس الحكومة أن البناء لن يتجاوز الأراضي التي تحتلها اسرائيل، أما النقاط المختلف عليها فإن واشنطن جاهزة لمعاودة وساطتها في البر والبحر معاً، لا بل أكثر من ذلك <طمأن> <كوشنير> أن لا قلق على الشق البري من الخلاف لأن اسرائيل لن تتجاوز الحدود اللبنانية، في حين أن الملف البحري يحتاج الى متابعة.

وإذا كان البعض فسّر الموقف الأميركي بأنه نوع من المقايضة بين الحدود البرية المصححة والحدود البحرية الملتبسة، فإن ثمة من يرى أن من مصلحة لبنان السير في المفاوضات برعاية اميركية (البعض يريدها رعاية أممية من خلال الأمم المتحدة)، خصوصاً وأن السفير <هوف> كان حقق تقدماً ثبت خلاله حق لبنان بمساحة 550 كيلومتراً مربعاً من أصل 860 كيلومتراً فصلها الاختلاف في النقاط بين لبنان واسرائيل بين ما هو معروف بالنقطة 23 اللبنانية والنقطة 1 الاسرائيلية، إلا أن اسرائيل تراجعت عن القبول بـ<خط هوف> الأمر الذي دفع السفير <ساترفيلد> الى معاودة طرح التحديد نفسه الوارد في <خط هوف> والذي قال عنه السفير <ساترفيلد> أنه <حل منصف>!

إلا أن ما يراه <ساترفيلد> <منصفاً> لا يعتبره لبنان كذلك، وهو استمع باهتمام الى وجهة النظر اللبنانية وحرص على إظهار الإرادة الأميركية بالمحافظة على حقوق لبنان، جازماً بأن أي حل لن يكون على حساب لبنان، إلا أن الانطباعات التي تكونت لدى من التقاهم <ساترفيلد> ومن بعده <تيليرسون>، ان ثمة ضغطاً سيمارس على لبنان للتخلي عن جزء من المساحة البحرية التي يتمسك بها اللبنانيون نظراً لرمزيتها من جهة وفوائدها الاقتصادية من جهة أخرى. وتوقعت مصادر رسمية لبنانية أن يأخذ المسعى الأميركي وقتاً إضافياً لتوفير المناخات اللازمة لنجاحه، في حين ثمة من يؤكد في الجانب الرسمي اللبناني على ضرورة التمسك بعمل اللجنة العسكرية الثلاثية التي ترعاها الأمم المتحدة بين ضباط من الجيش يرأسهم العميد مالك شمص والجيش الاسرائيلي في حضور قائد <اليونيفيل> الجنرال <مايكل بيري> وعدد من معاونيه، ويرى دعاة هذا الرأي وجوب حصر النقاش ضمن اللجنة الثلاثية، وأي مساهمة اميركية يفترض أن تصب في الاتجاه الذي تسير فيه المفاوضات اللبنانية – الاسرائيلية برعاية الأمم المتحدة، إلا أن مؤيدي الوساطة الأميركية يقولون بأن الدور الأميركي سيكون ضمانة للحقوق اللبنانية بناء على الوعود التي أعطاها <كوشنير> للرئيس الحريري.

في أي حال، سيبقى ملفا الجدار الإسمنتي و<البلوك 9> مفتوحين وأي حل لا يمكن أن يكون ناجحاً ومستداماً إلا إذا شمل الحدود البرية والبحرية معاً، لاسيما وأن الأوان قد آن لمعالجة جذرية لمسألة الحدود الغربية لأن اضاعة الوقت في هذا المجال فيها هدر للإمكانات المتوافرة وعدم الاستفادة منها، وفيها ايضاً – وهذا الأهم – مخاطر من استغلال أي خلاف لاستثمارها سلباً واخذ الأمور الى أماكن غير مستحبة!