18 November,2018

وزير سابق وإعلاميتان وشاعر يختارون الوجه الثقافي للعام 2016! فعلــى مـن وقـع الاخـتـيــــار؟

اصورة-اعلامية-مي-منسى-1----2لم يكن العام 2016 عاماً صديقاً يذكر كله بالخير، فالمآسي التي حملها على صعيد العالم كله جعلت الكثيرين يطلبون له الذهاب سريعا، ومن دون أسف عليه، متأملين بسنة جديدة قد تزرع فيها بذور الأمل في اكثر من ميدان. فالعام والخاص يختلطان جدا ولا يمكن للأجواء السائدة المحيطة الا ان تشكل غصة حتى في قلوب من حمل اليهم العام الماضي جرعات حلوة متفائلة.

لبنانياً، انتهت السنة على انتخاب الرئاسة الاولى بعد فراغ طويل، تشكلت الحكومة وأعلن بيانها الوزاري، انطلقت الوعود بالعمل السريع وبإنجاز قانون للانتخابات يعيد تكوين السلطة وتمثيل اللبنانيين بشكل عادل، مع عنوان عريض لتفعيل المؤسسات ومكافحة الارهاب والفساد.

في جولة لبنانية سريعة على العام 2016، كانت الأحداث الابرز تبني القوات اللبنانية ترشيح العماد عون ووصوله الى الرئاسة الاولى، تسمية الشيخ سعد الحريري للحكومة، التمديد لقائد الجيش العماد جان قهوجي، اخلاء سبيل الوزير الاسبق ميشال سماحة وعودته الى السجن، اطلاق سراح التشيكيين المخطوفين وتسليمهم الى الامن العام، اطلاق العسكريين المخطوفين لدى جبهة النصرة، استقالة وزير العدل السابق أشرف ريفي، قرار المملكة العربية السعودية وقف مساعداتها للبنان، إجراء الانتخابات البلدية وإطلاق العمل بقانون إستعادة الجنسية، فتح ملف <الانترنت> غير الشرعي، استهداف مبنى <بنك لبنان والمهجر> في الحمرا، تفجيرات القاع الارهابية، خروج حزب الكتائب من الحكومة، اخلاء سبيل النائب حسن يعقوب على خلفية خطف هنيبعل معمر القذافي، من دون ان ننسى زيارة الرئيس الفرنسي <فرنسوا هولاند> الى لبنان وغيرها الكثير من الاحداث.

ثقافيا، لمعت المهرجانات الفنية والثقافية ولم تبق زاوية في لبنان لم تبرق بها، ما اكد التعطش اليها لاكثر من سبب، اولها احياء المناطق اقتصاديا وحياتيا.

السفير-----8لكن من توّج الوجه او الحدث الثقافي الابرز للعام 2016؟

وزير السياحة الأسبق فادي عبود، الكاتبة والصحافية القديرة مي منسى، الاعلامية نجاة شرف الدين والشاعر نزار فرنسيس اجابوا عن سؤال <الافكار>:  من هو الوجه الثقافي اللبناني او العربي للعام 2016؟

 

البروفيسور حسان الحسيني!

 الوزير فادي عبود أجاب عن  سؤالنا بتساؤل من جهته قائلاً: هل يمكن طرح هذا السؤال وسط بحر الشر والجهل الذي نعيش فيه حاليا؟ أين الثقافة في ظل ما نعانيه ومن يفكر فيها؟  لو عمدنا الى عد الكتب التي يقرأها العربي سنوياً فإن ترتيبنا سيكون في أسفل السلم للأسف!

 لا يستثني الوزير عبود نفسه من عدم القراءة كثيراً باللغة العربية، اذ اقتصر ما قرأه للعام المنصرم على بعض المذكرات، معترفاً بتقصيره من نواحي الرواية او الشعر او الاصدارات الاخرى باللغة العربية، فهو غالبا ما يقرأ باللغات الاخرى ويرافقه الكتاب اينما حل. ورداً عن سؤالنا حول اختياره للوجه الثقافي للعام 2016 اجاب:

 – يمكنني ان اتحدث عن وجه طبي يشكل بالنسبة لي حدثا ثقافيا ايضا اذ يظهر كيف ان اللبنانيين وخاصة الاطباء يبدعون في الخارج، وقد لفتني جداً الإنجاز الطبي عبر تطوير علاج فعال للجلطة الدماغية توصل اليه البروفيسور اللبناني حسان الحسيني في فرنسا، والذي يقلب المفهوم الشائع عن خطر هذه الجلطات التي تودي بحياة المصاب او تشكل له اعاقات او اضراراً جسدية مزمنة خاصة وان نسبة الجلطات في لبنان مرتفعة ولا مراكز متخصصة في هذا المجال. فعلاً انه إنجاز ملفت، حتى ان مثلنا اللبناني <فالج لا تعالج> الذي كان مستمداً من عدم امكانية شفاء الجلطة يمكن تغييره اليوم ليحل مكانه القول <عجل لتعالج الفالج> ذلك ان الاسراع في المعالجة ضرورة قصوى في خلال الساعات الاربع الاولى لحدوث الجلطة الدماغية، وقد شاهدنا في التقرير التلفزيوني الذي تناول الموضوع نموذجا عن لاعب كرة قدم تعرض لجلطة وامكن شفاؤه ربيع-جابر------7وعودته الى الملاعب. انها امكانيات اللبناني لما يتوافر له الجو الثقافي المناسب.

 البستاني.. واندريه شديد

الصحافية والاديبة مي منسى، المجروحة عميقا في ما خص صحيفة <النهار> التي تعمل فيها وبالجو السائد في البلد، لم تفقد الامل وقالت لـ<الافكار>:

– في الثقافة يكفي ان يكون لدينا <صالون الكتاب الفرنسي> الذي ضم باقة من الاصدارات في الشعر والتاريخ والرواية وغيرها. هذه الحركة الثقافية في لبنان هي وحدها التي تعوّض عن فشل الدولة في بناء الدولة والتي باتت تتمثل بـ<قبضايات> ينخرون الجبال والتلال ويجعلونها مرامل، يبيعون تراب البلد ويهدمون الابنية الاثرية وتاريخ العاصمة وذاكرتها، يستأنسون بمشاهد النفايات تأكلنا، ويبرعون في تبييض الاموال.. جريدة <النهار> افلست، ولا زلنا متمسكين بها لأجل الثقافة والفكر، على الرغم من اننا نعمل من دون رواتب منذ سنة ونصف السنة، راكعين حتى تبقى <النهار> واقفة على قدميها، فقط لاننا لا زلنا على وعدنا لغسان تويني الرائع، الذي جعل من <النهار> صرحا سياسيا وثقافيا هائلاً. وبعد اقفال الصحف والمجلات والملاحق الثقافية بهذا الكم الكبير، كيف سيتمكن المسرحيون والادباء والكتاب من ايصال صوتهم؟ لكنني اقول انه في قلب كل واحد ممن يحبون هذا الوطن مثقف باقٍ وحتى ان رحل! سعيد عقل ترك جائزته من بعده، جبران خليل جبران يعيش العالم على إرثه، بينما لا نحفظ اسم وزير او نائب كانت له مآثر نذكره فيها. قهقروا البلد، سرقوه ونهبوه وهلكوا <اسمه>، هذا الاسم الذي يحمل اجمل ايقاع وموسيقى وتنبثق منه رائحة العطر والبخور. فتّتوه لاجل اعلاء شأن الطائفة والحزب. والحمد لله اننا شيدنا بيننا وبينهم، نحن المثقفين صورة-3-نجاة-شرف-الدين<جدار برلين> العازل للوقاية منهم حتى نحافظ على كلمتنا شريفة حرة.

وتزيد منسى:

– على رغم هذه البشاعة كلها، لا زالت وجوه ثقافية مضيئة تعطينا الامل، وبعض الكتب تأخذنا خارج هذا الزمن المقيت. في العام 2016 اذكر كتاب السيرة الذاتية للشاعرة والروائية والكاتبة الفرنسية اندريه شديد وهي من اصل لبناني بقلم كارمن بستاني في <صالون الكتاب الفرنسي> في بيروت. كوجه مضيئ ايضا، اذكر روجيه عساف في كتابه <المسرح في التاريخ> عبر العالم، ويمكننا ان نتكلم ايضاً عن كتاب الشاعر هنري زغيب <داناي مطر الحب> الذي استلهمه من ميثولوجية <داناي> الملحمة الشعرية الرائعة، من دون ان ننسى رواية <حي الاميركان> لجبور دويهي، وأذكر ايضاً الرواية الجميلة لـ<ياسمين غاتا> عن الطفل الروندي.

وتضيف خاتمة:

– شخصياً كان من المفروض ان تصدر لي رواية بالفرنسية مستوحاة من حلب تحت عنوان <Quel est mon nom> حول يتيم تهجّر منها ويعود ليفتش عن هويته تحت الانقاض، كما انني في صدد كتابة رواية عربية أيضاً بعنوان <قتلت امي لأحيا>.

صورة-3-نزار-فرنسيس----4 

موت <السفير>..

 

الاعلامية نجاة شرف الدين اعتبرت من ناحيتها ان الفنان روميو لحود يعتبر وجهاً ثقافياً مناضلاً في لبنان وهو قدم لهذا العام مسرحيتين اعادتانا الى الزمن الفني الجميل. ومن بين الروائيين، اختارت الروائي الشاب ربيع جابر وهو من الاشخاص الذين يكتبون رواية جديدة حلوة بمضمونها، ويسعى الى الإضافة في المستوى الثقافي الكتابي.

ولما سألناها عن وزير الثقافة السابق روني عريجي، وعما اذا كان يعتبر وجهاً ثقافياً للعام 2016 مع نشاطه الكبير، اكدت ان الوزير عريجي أعاد للوزارة دورها من دون شك، وقد قام بإنجازات في المتحف الوطني، ودعم العديد من المشاريع الثقافية في مختلف المناطق اللبنانية، الا انه دور الوزارة بالنهاية، ومن المفروض ان يقوم اي وزير بما قام به الوزير عريجي، فهذا العمل اختير وكلف لأجله في النهاية.

وكوجه اعلامي ثقافي، سمّت شرف الدين زميلتها ريما كركي في برنامجها <للنشر مع ريما> عبر تلفزيون <الجديد>، واعتبرت انها أحدثت فيه خرقاً و<ضجيجاً> في بعض الحلقات، خاصة انها اخترقت ميداناً كان حكراً على الإعلاميين الذكور في هذا النوع من البرامج الاجتماعية، مع التأكيد على وجود العديد من الاعلاميات اللبنانيات الناجحات الموزعات على العالم العربي كله.

صورة-1-نجاة-شرف-الدين---33وبعد تنهيدة قصيرة تضيف شرف الدين:

– العام 2016، كان عاماً حمل المآسي على مستوى العالم كله، اما الحدث الثقافي الحزين والذي اعتبره الأبرز وإن من ناحية سلبية، فكان غياب جريدة <السفير> اللبنانية العريقة عن الصدور، فهي جزء من ذاكرتي الشخصية ومن نشأتي إذ تربيت عليها، وأنه لأمر محزن جداً غياب جريدة كانت جريدة العالم العربي وبهذا الرصيد من الكتاب، من المحزن ان تسدل الستارة عليها! لا يجوز ان تغيب عن الوسط الاعلامي واللبناني. يمكنني تفهم الاسباب وان عددتها قد تصل الى الخمسين لإقفالها، لكن في الوقت عينه كان يمكن الابقاء عليها بطريقة او بأخرى. دخول التكنولوجيا لا يمكن ان يكون سبباً كافياً، فأكبر الصحف من <نيويورك تايمز> الى <لو موند> والـ<غارديان> البريطانية لا زالت تصدر ورقياً، وهي في بلاد تتقدم فيها التكنولوجيا عنا بسنوات ودخلتها قبلنا بكثير، ومقارنتنا بها ثقافياً وفكرياً لن تكون لصالحنا، ومع ذلك لا زالت هذه الصحف تصدر بنسختها الورقية. اعتبر اقفال <السفير> خطأ، وكان من المفروض على القطاع الإعلامي كله ان يستنفر ويجد المخارج، فالمصرف المركزي وضع هندسة مالية، وكان يمكن للقطاع الاعلامي الاستفادة منها عبر قروض، مع اعادة هيكلتها وتنظيمها.

 وتعتبر صاحبة برنامج <كشك الصحافة> عبر <تلفزيون العربي>، وبرنامج <لقاء الاحد> عبر <صوت لبنان> ان إقفال هذه الصحيفة هو بمنزلة إنذار وناقوس خطر، <متأملة أن يحمل لنا العام 2017 مواداً ايجابية لبرامجنا نتحدث عنها، فالمآسي والاحزان التي حملتها السنة المنصرمة اثرت فينا انسانياً حتى، فلم نعد نتفاعل مع المآسي ومشاهد الموت والدمار، وكأننا نفقد شيئاً من انسانيتنا للأسف، متمنية ان يكون العام الجديد عام السلام، فالحروب لم تكن يوماً حلاً>..

 

صورة-2-الوزير-فادي-عبود----1<صالون الكتاب العربي>..

 

الشاعر نزار فرنسيس كان حاضراً للإجابة للتو، ومن دون اي تلميح عن اجابات سابقة حصلنا عليها اعتبر ان اقفال جريدة <السفير> هو الحدث الثقافي المأساوي الابرز، يوازيه انحدار الصحافة المطبوعة في العام 2016. وهو لـ<الافكار> يقول:

– انا كشاعر تعني لي رائحة الورق والحبر كثيراً. من المؤسف ان نفتقد لأقلام واسماء كبيرة مهمة اعتدنا على قراءتها وشاركتنا يومياتنا.. اعتبر اننا متوجهون نحو الأخطر، وما ينطبق على الصحافة والمطبوعات الصحافية اليوم سينسحب على الكتاب المطبوع ايضاً. هل تتخيلون بلداً من دون كتب مطبوعة؟ ذلك قمة التراجع في ثقافتنا والمنطقة كلها.

ويعتبر الشاعر الذي فقد الوجه الغنائي اللبناني الاحب اليه وتوأم روحه ملحم بركات في العام 2016، ان معرض <الكتاب العربي> لا يزال بقعة ضوء يمكن البناء عليها وبارقة الامل التي يجب ألا تنطفئ، ويقول:

– الاقبال كان جيداً، صحيح انه لم يقارب السنوات السابقة من حيث عدد زائريه لكنه جيد، وهذا يطمئنني بأنه لا زال للغة العربية مكان كوني متعصباً لهذه اللغة الجميلة والتي نفقدها للأسف شيئا فشيئاً. لا اصدار جديداً لي الا انني بصدد التحضير لعمل آمل ان يشكل فارقاً ثقافياً تتحدثون عنه في تحقيقكم للعام المقبل.