13 November,2019

وزير المال الأسبق الدكتور جورج قرم يقارب الحراك بكل شفافية: الحراك يشبه ما قام به الجزائريون وأصحاب السترات الصفراء في فرنسا!

بقلم حسين حمية

نزل اللبنانيون في 17 تشرين الأول (أكتوبر) الماضي الى الساحات زرافات ووحداناً من كل المناطق والطوائف وطالبوا بالتغيير والمحاسبة ورحيل الحكومة ومكافحة الفساد، لكن هذه الانتفاضة تحولت بعد أيام الى مسار آخر عندما رفعت شعار: <كلن يعني كلن> ودعت لرحيل العهد أيضاً بعد استقالة الحكومة وحل مجلس النواب واجراء انتخابات مبكرة وسط تخوف من الانهيار المالي والاقتصادي إذا لم يتم ايجاد الحلول للأزمة بسرعة. فما سر هذه الانتفاضة وهل هي صرخة الجوع وماذا عن الشق المالي والاقتصادي المتأزم الذي يعيشه لبنان؟!

<الأفكار> التقت وزير المالية الأسبق الدكتور جورج قرم داخل مكتبه في بئر حسن وحاورته في هذا الخضم المتلاطم الأمواج بدءاً من السؤال:

ــ بداية نسألك: هذا الحراك الكبير هل بدأ بشكل عفوي نتيجة الأزمة المالية والاقتصادية والمعيشية ورداً على السياسات المالية الظالمة وفرض الضرائب أم ان هناك من يريد ادخال البلد في الفوضى كما يحصل في بلدان أخرى؟

– في تقديري نحن أشبه بما حصل في فرنسا عندما خرج أصحاب <السترات الصفراء> الى الشوارع ضد السلطة الفرنسية، وكما نشبه الحراك الجاري في الجزائر خاصة وان العولمة تقصر المسافات وتجعل ما يحصل في أي بلد شبيهاً بما يحصل في بلد آخر لجهة نمط التظاهر وطرح الشعارات، وإذا اعتمدت نظرية المؤامرة لا يمكن لأي مؤامرة أن تنجح إذا لم تكن هناك بيئة حاضنة ومهيأة لها، وبالتالي يمكن هنا استحضار الربيع العربي الذي حصل في البلدان العربية عام 2011 حيث لم يكن هذا الحراك عفوياً وانما هناك جهات ركبت هذه الموجة، لكن أعود وأقول إن المؤامرة لا يمكن أن تنجح إذا لم تكن هناك بيئة حاضنة. وتصوري ان الأداء الاقتصادي والاجتماعي في لبنان كان متدنياً للغاية، والاقتصاد الريعي لا بد أن يؤدي الى هذا النوع من الانتفاضات الشعبية.

ايجابيات وسلبيات الحراك!

ــ ما هي ملاحظاتك على هذا الحراك الايجابية منها والسلبية؟

– طبعاً كانت هناك أشياء ايجابية وأخرى سلبية، والسلبي كان قطع الطرقات وازعاج المواطنين بشكل عام واللهجة العالية في الشعارات التي وصلت الى مرحلة السباب والشتائم، لكن الايجابي هو وجود فئات واسعة من الشعب اللبناني تنزل الى الشوارع وتكسر الحواجز الطائفية والمناطقية وهذا أمر ايجابي جداً.

ــ لكن عندما استقال الرئيس الحريري برزت فيما بعد شوارع الطوائف والمذاهب وأخذ كل فريق يشجع أنصاره على النزول الى الشارع. فهل محكوم لبنان بالانقسام الطائفي والمذهبي؟

– هذا صحيح، وهناك طرفان نزلا الى الشوارع بما في ذلك حركة <أمل> وتيار <المستقبل> ورغم ان هناك تعددية شوارع بما في ذلك شارع الحزب الشيوعي والقومي السوري وغيره.

ــ ألا توحّد لقمة العيش كل الشوارع؟

– هذا صحيح، وانهيار الحواجز الطائفية مسألة ايجابية أعطت زخماً للتظاهرات.

ــ هل كان من المفروض أن يعين الحراك قيادة ومنسقيات أم لا؟

– الحركات المشابهة في دول أخرى بدءاً من الجزائر وفرنسا لم تكن لها قيادات.

 

شعار <كلن يعني لكن> والفساد!

 

ــ وهل شعار <كلن يعني كلن> صحيح أم مسيس وهدفه جعل الجميع في سلة فساد واحدة بدون وجه حق؟

– هناك أشخاص في السلطة بعيدون عن الفساد ولا يجوز التعميم، والشعار الذي طرح عنيف بعض الشيء، لكن الحركات الشعبية تطرح مثل هذه الشعارات عادة كما الحال في الثورة الفرنسية.

ــ استقال رئيس الحكومة سعد الحريري لكن المفارقة ان تظاهرات طالبت بعودته وبعض رموز الفساد لم يأت أحد على ذكرها. فهل الخيط السياسي يخرق الحراك بشكل كبير؟

– جرت تظاهرة بالدراجات تطالب بعودة الحريري وهذا شارع طائفي تحرك لا علاقة له بالحراك، والبعض حاول ركوب موجة الحراك رغم علامات الاستفهام حول أدائه.

ــ وهل من الجائز أن يرفع شعار <ارحل> لرئيس الجمهورية؟

– اذا اعتمدنا الحرية كمبدأ يجوز أن ترفع كل الشعارات.

ــ وهل وارد في بال أحد أن يستقيل الرئيس وهذه سابقة لم تحصل إلا في عهد بشارة الخوي الممدد له، حتى ان الرئيس اميل لحود لم يستقل رغم اغتيال الرئيس رفيق الحريري وقيام حركة <14 آذار>؟

– عدم استقالة الرئيس اميل لحود يعود الى صلابة شخصيته، وطبعاً الرئيس عون ليس في هذا الوارد وهو صلب بطبعه أصلاً..

ــ وهل الورقة الاقتصادية التي أنجزتها الحكومة قبل استقالتها تفي بالغرض للخروج من الأزمة الاقتصادية والمالية؟

– أبداً، فالورقة مزيد من الأخطاء في ادارة الاقتصاد اللبناني.

ــ وما المطلوب حالياً؟

– لا بد من حكومة تنتهج سياسة اجتماعية عادلة تتصدى للأزمة الخانقة.

 

توحد الفئة الحاكمة!

 

ــ وهل تكون  حيادية أم سياسية أم تجمع بين السياسة والتكنوقراط؟

– أعتقد ان الفئة الحاكمة من كل ممثلي الطوائف مصابة بمرض التوحد ولا تدري وجود شعب في لبنان وهي مرتاحة الى وضعها و<يتكتك> أصحابها فيما بينهم وكأن الشعب غير موجود، فالطريقة التي اعتمدت لإدارة الاقتصاد اللبناني منذ العام 1992 لا نزال ندفع فواتيرها حتى اليوم.

ــ وحاكمية مصرف لبنان؟

– الأمر ذاته.

ــ وهل سياسة تثبيت سعر صرف الليرة صحيحة أم لا؟

– هذا أمر خاطئ وآنذاك عام 1992 جرت حركة اصطناعية لضرب الليرة اللبنانية ووصل سعر الدولار الى 2800 ليرة ولم يكن هناك أي سبب اقتصادي لهذا الهبوط، لكن للأسف كان التمهيد للاتيان بالرئيس رفيق الحريري الى الحكم، وتم تثبيتها فيما بعد الى 1500 ليرة إلا انها كانت قبل ذلك بسعر 800 قياساً الى الدولار، ما يطرح السؤال عن سبب عدم عودتها الى المستوى التي كانت فيه في بداية السنة.

ــ وكيف ترى أداء حاكم مصرف لبنان رياض سلامة؟

– سبق وانتقدت سياسة الحاكم وكل النظام النقدي اللبناني الذي أدى الى نهب الاقتصاد اللبناني. فاللعبة كانت ان نستدين دولارات بمبلغ 6 أو 7 بالمئة ونضعهم بسندات خزينة بـ30 و35 بالمئة. فهذا نهب من دون أي سبب وجيه لكي تكون الفوائد على سندات الخزينة بالليرة اللبنانية عالية بهذا الشكل.

ــ وما المطلوب حالياً حكومياً ومالياً لإنقاذ الوضع؟

– لا بد من أن نضع على جنب <مؤتمر سيدر> وسياسة تبذير الأموال والانفاق غير المجدي، فهناك مناطق تعيش في فقر مدقع في بعلبك والهرمل وعكار والضنية ومناطق كسروان العالية وغيرها ولا بد من الاهتمام بها رغم ان <سيدر> استدانة جديدة لا يجوز أن يتحملها لبنان.

ــ وما الحل إذا لم تؤمن الهبات والقروض طالما ان حاكم مصرف لبنان يقول ان الانهيار المالي والاقتصادي محتم إن لم تنجز الحلول؟

– لم يحصل في العالم كله أن يبشر حاكم مصرف بالانهيار والافلاس.. ولا بد آنذاك أن نقول له إنك أنت من أدرت السياسة المالية خلال 30 سنة وإلا عليك الاستقالة.

 

الدول الكبرى تحكم لبنان!

ــ وكيف يكون شكل الحكومة؟

– لا رأي لدي في شكل الحكومة لاسيما وأننا نعرف ان الحكومات من الممكن أن تكون صورية في معظم الأحيان لأن القرارات يتحكم بها أشخاص قليلون، ولا بد من استشارات لمعرفة ماذا يريد النواب، لكن نعود ونقول إن هناك طبخات وراء الكواليس خارج أي نوع من الديموقراطية الصحيحة والشفافية والحوكمة.

ــ ألا يفترض أن يتغير أهل الحكم بعد كل ما شاهدوه في الشارع؟

– يبدو ان الاتجاه يصوّب للاتيان بعدد من الأسماء خارج أوساط الفساد والإفساد بما يسمى التكنوقراط، ولكن وراء كل تكنوقراطي لا بد أن تكون هناك جهة سياسية.

ــ وما الحل الجذري إذن وهل يكون بقانون انتخاب نسبي وخارج القيد الطائفي ولبنان دائرة واحدة؟

– هذا صحيح، لكن لا أعرف مدى ملائمة الجو اليوم لهذا الطرح، مبدئياً هذا هو المطلب وهناك سؤال يطرح: لماذا لم يطبق اتفاق الطائف بهذا الخصوص؟

ــ يقال إن تكليف الرئيس الحريري لا بد منه لأن هناك خطرين محتملين إذا لم يكلف هما تحريك الشارع السني من جهة وتدخل المجتمع الدولي المتمسك به، والا يرتفع الدولار الى أعلى سعر ويخسر لبنان المساعدات الدولية، فهل هذا وارد؟

– سبق للرئيس الحريري أن أبدى تعاطفاً مع الحراك الشعبي ومع ذلك تحرك شارعه، لكن كل ما يجري ليس في مصلحة البلد. وأنا لا يهمني الأشخاص بل الوضع العام. وأنا عملياً أرى ان الحراك شيء جميل لكن الجو الطائفي هو المسيطر، وما حدث يذكر بالعاميات في القرن التاسع عشر بما في ذلك عامية انطلياس وثورة طانيوس شاهين.

وعاد ليقول:

– لا تهم المساعدات الدولية ومن المفيد أن يطير <مؤتمر سيدر>، ولبنان أساساً يتعرض للضغوط منذ زمن والتحكم بسعر الدولار أمر يخص الحاكم. وهنا أقول انني لم أر حاكم  مصرف مركزي يقوم بالاعلان عن ان البلد على حافة الهاوية والإفلاس. فلم تحدث هذه الواقعة في كل التاريخ، وأنا أعتبر ان الاقتصاد اللبناني منهوب منذ سنوات والدين العام تكوّن عبر النهب لأننا خرجنا من الحرب عام 1975 بدين لا يذكر يصل الى مليار ونصف المليار فقط ولكنه بالليرة اللبنانية، لكن الدين تراكم نتيجة اللعبة المالية برفع الفوائد على الليرة اللبنانية بشكل جنوني.

ــ وماذا لو انجزت الورقة الاقتصادية لجهة ان يدفع البنك المركزي 3 مليارات والبنوك 400 مليون دولار؟

– هذه مجرد حبة اسبيرين، فلن أفتح ملف المصارف في لبنان لأن الأمر يلزمه مجلدات، لكن لا بد من محاكمة السياسات السابقة وألا يتم تكرار الأشخاص أنفسهم ويتم بناء اقتصاد لا يعتمد على النموذج الريعي كما قال الرئيس ميشال عون ونذهب الى النموذج الانتاجي.

ــ وقال أيضاً بضرورة تشكيل حكومة نظيفة تحت ضغط الساحات، لكن هل نحن قادرون على الوصول الى مثل هذه الحكومة؟

– الأمر صعب، لكن على الأقل يتم البدء بتنفيذ القوانين الموجودة ولا حاجة لقوانين جديدة بدءاً من <أين لك هذا> في عهد الراحل ريمون إده. ولا بد من البدء بانتهاج سياسات اجتماعية تعالج الفقر المدقع الذي يعاني منه اللبنانيون خاصة مع قدوم هذا العدد الهائل من النازحين السوريين.

ــ ملف النزوح شائك لأن المجتمع الدولي لا يريد حله..؟

– لماذا نستمع الى المجتمع الدولي وهذا معناه ان لا وجود لسيادة في لبنان. فالدول الكبرى وعلى رأسها الولايات المتحدة تتحكم بنا ونحن لم نتوجه لا الى روسيا للحصول على السلاح ولا الى الصين للحصول على قروض لاسيما وان هناك مؤسسات استثمارية ضخمة جاهزة للمساعدة، حتى ان مستشارة ألمانيا <أنجيلا ميركل> طرحت تأمين الكهرباء للبنان فطفشوها، وطالما ان الطبقة السياسية ليست نظيفة الكف فعبثاً ايجاد الحلول. وأعتقد ان هذه الطبقة لن تتغير رغم كل الحراك القائم علماً بأن الدول الكبرى هي التي تحكم لبنان منذ الاستقلال حتى اليوم.