25 September,2018

وزير المال الأسبق الدكتور جهاد أزعور يقارب قانون العقوبات الأميركية على حزب الله: الملف تقني ويجب أن يتابع مؤسساتياً على صعيد الحكومة ومصرف لبنان ولجنة المال النيابية!

بقلم حسين حمية

 

5-(2) 

انفجار فردان الذي استهدف <بنك لبنان والمهجر> يوم الأحد ما قبل الماضي أعاد فتح ملف قانون العقوبات الأميركية على حزب الله وكأن هناك يداً خفية عملت على نسف الحوار الذي كان قائماً بين مصرف لبنان وحزب الله الذي كان متهماً من البعض في السياسة على الأقل، رغم أنه حسب كل المراقبين الخاسر الأول. فماذا عن هذه العقوبات، وهل من الجائز أن تطال بيئة بكامل مؤسساتها الصحية والاجتماعية والثقافية والتربوية وكأن الاستهداف لا يقتصر على حزب وإنما على طائفة بكاملها كما كان التعبير للرئيس نبيه بري أمام مساعد وزير الخارجية الأميركية <دانيال غلايزر> حتى قال له إن حزب الله ولد من رحم حركة <أمل> وهما يتشاركان في أكثر من 200 بلدية في لبنان؟!

<الأفكار> التقت وزير المالية الأسبق الدكتور جهاد أزعور داخل مكتبه في وسط بيروت وحاورته على هذا الخط بدءاً من السؤال:

ــ كيف قرأت تفجير فردان؟ وهل من ربط بينه وبين قانون العقوبات الأميركية على حزب الله؟

– القراءة الأمنية تتطلب من أهل الاختصاص المطلعين على سير التحقيقات التي لم تنته بعد. فهذه مواضيع أمنية نتركها لأصحاب الاختصاص، لكن هذه الحادثة مؤسفة من جهة وخطيرة من جهة أخرى، لأن الاقتصاد وخاصة المالي منه مبني على الثقة، وهذه الثقة كلفتها غالية جداً عندما نخسرها، ومن هذا المنطلق أقول إن الحادث مؤسف أن يحصل، ولو كان في عز الذروة لا سمح الله، لشهدنا وقوع ضحايا. ومؤسف لأننا لم نشهد منذ فترة أي تفجيرات واعتقدنا أنها ذهبت الى غير رجعة. ومؤسف لأن التفجير يؤثر على الحركة السياحية التي كنا نأمل أن تنشط في بداية فصل الصيف. وبالتالي أي صورة سلبية تعطى عن لبنان ستكون كلفتها غالية.

حقيقة القانون الأميركي

ــ هل لهذا القانون بعد سياسي أم أنه تقني بحيث يطال كل مصارف العالم وأين سيادة لبنان هنا؟

– هذا القانون ليس وليد إرادة محلية، بل نتيجة إرادة خارجية، ولسوء الحظ نبتعد عن المنطق ونذهب بطريقة غير موضوعية في تفسير الأمور، فهذا القانون صدر عن الكونغرس الأميركي وصادق عليه الرئيس ولا علاقة لأي جهة لبنانية به، وصحيح ان انعكاساته سلبية على حزب الله، لكن أيضاً له انعكاسات سلبية على القطاع المالي والمصرفي وتخلق حالة من الإرباك التي تؤثر على عمل هذا القطاع.

وأضاف يقول:

– هذا القانون فرض على لبنان، لكننا نقلنا المشكلة من بعدها الخارجي الى مشكلة داخلية وبدأنا كما يقال بإمساك خناق بعضنا البعض رغم أنها ليست المرة الأولى التي يحصل فيها تقييد للعمليات المالية والمصرفية في لبنان، بل حصل ذلك في أكثر من محطة سابقة وصدرت قوانين مشابهة أو إجراءات شبيهة بالإجراءات الحالية. فمنذ أحداث 11 أيلول/ سبتمبر 2001، تغيرت آليات الضغط الأميركي على كل الحركات السياسية المناهضة للولايات المتحدة وطاولت الموضوع المالي نظراً لأهمية الدولار وأهمية القطاع المصرفي الأميركي، بحيث أصبح احدى الوسائل التي تستعمل في هذا الضغط. وآخر محطة كانت عند الطلب من المصارف اللبنانية إقفال عدد من الحسابات السورية تحت شعار أنها تمول عمليات لها علاقة بالحرب الدائرة في سوريا ما دفع البنوك اللبنانية للتخفيف من أعمالها في سوريا كي لا تخسر مبالغ كبيرة رغم أنها كانت أكثر البنوك الناشطة في السوق المصرفي السوري، كما كانت الحال في حوادث محددة مع <البنك اللبناني الكندي> و<بنك الشرق الأوسط وافريقيا>..

ــ هل لبنان ملزم بتطبيقها وهو الذي صادق عام 2014 على أربعة قوانين تتعلق بتبييض الأموال ونقلها ومكافحة التهريب الضريبي ومكافحة تمويل الإرهاب؟

– هناك شقان لهذه المسألة: الشق الرسمي والشق الخاص داخلياً وخارجياً. ففي الشق الرسمي هو أن الدولة اللبنانية من خلال المصرف المركزي ولجنة الرقابة على المصارف وضعت تعميماً ملزماً للبنوك بعدما اعترفت بهذا القانون وبآليات تطبيقه على وفاوضت الجهة الأميركية ووصلت معها الى مكان وضعت معه آليات التطبيق، لكن على القطاع الخاص أن يطبق الإجراءات والقوانين والمراسيم. وفي الشق الخارجي الرسمي هناك الخزينة الأميركية والكونغرس الذي وضع آلية التنفيذ، لكن الشق الخاص هو المصارف التي تتعامل مع المصارف اللبنانية التي يمكن أن تأتي في أي وقت وتقول إنها لا تريد التعاطي مع بنك معين لعدة أسباب وتغلق حساباته ولن يكون لأي مصرف لبناني خسارة كبرى لأن معظم حركته تكون بالدولار الأميركي، ولهذا السبب فالعملية معقدة وليست سابقة ويتم التعاطي معها من قبل مصرف لبنان ولجنة الرقابة على المصارف ووزارة المالية بعدما زار وزير المال علي حسن خليل الولايات المتحدة لهذه الغاية، والمجلس النيابي أرسل بعثة نيابية لمواكبة الموضوع، وهذا أمر حصل منذ ستة أشهر.

وتابع يقول:

– أن يرفض لبنان القانون ويعتمد القوانين التي صدقها المجلس النيابي عام 2014، فهذا لا يمكن لأن هناك قوانين أميركية تتدخل في صلاحيات دول أخرى ولا يقتصر الامر على لبنان. حتى أن مصارف عالمية أوروبية دفعت مليارات الدولارات كغرامة بعدما أجرت تسويات مع الإدارة الأميركية في هذا المجال، علماً بأن الإدارة الاميركية ليست موحدة هنا، بل ان هناك السلطة التنفيذية والسلطة القضائية في مدينة نيويورك بالذات، لأن العلاقة مع المصارف الأميركية تتم من خلال فروعها في نيويورك، وبالتالي يمكن أن يكون قاضي نيويورك صاحب المبادرة، ولذلك بسبب التجربة السابقة التي مرت بها بعض البنوك اللبنانية كـ<البنك اللبناني الكندي> وأقفل نهائياً رغم أنه من بين البنوك العشرة الأوائل إضافة الى إقفال بنوك عالمية أكبر ما يجعل الجانب اللبناني يخاف ويعمد الى تطبيق القانون كي لا يقع في الخسارة ويعرّض نفسه للخطر.

موقف المصارف اللبنانية

ــ هل تسرّعت بعض المصارف في إقفال بعض الحسابات قبل أن تقول لجنة التحقيق في مصرف لبنان كلمتها؟ وهل كان لتصريح حاكم مصرف لبنان الدكتور رياض سلامة تأثير عندما أعلن عن إغلاق 100 حساب مرتبط بحزب الله؟

– نحن لا نستطيع الحكم في هذا الموضوع، بل من يستطيع الحكم هو الآلية الموضوعة والسلطة المعنية، فاللائحة التي أرسلتها الإدارة الاميركية هي من مسؤولية المصرف بعد مراجعة سلطة الوصاية، وهي المصرف المركزي وهيئة التحقيق الخاصة، وهما وحدهما من يقول ما إذا كان حصل تسرّع في عملية إغلاق الحسابات أم لا، وإلا تدخل الأمور في باب التحليل ليس أكثر، لأننا نفتقر الى التفاصيل خاصة وأن هناك سرية مصرفية، ما يجعل عملية الاطلاع على المعلومات غير متيسرة.

وأضاف:

– وهنا لديّ ملاحظتان: الأولى أن معالجة هذا النوع من الأمور تختلف عن معالجة أي ملف سياسي آخر، فهذا ملف تقني متشعب ليس تحت سيطرة القوى السياسية اللبنانية وليس تحت سيطرة المؤسسات اللبنانية، ويجب أخذ ذلك بعين الاعتبار. الثانية هي أن السلطات يجب أن تلعب دورها مع البنك المركزي الذي يقوم بدور مهم، لاسيما في المرحلة الماضية مع لجنة الرقابة وهيئة التحقيق الخاصة، ولا تزال هذه المؤسسات تتمتع بثقة داخلية وخارجية، لكن هذه مسؤوليتهم بأن يحيطوا بهذا الموضوع ويحددوا ما إذا كانت آلية التنفيذ تستلزم التصحيح أم لا. فقانون من هذا النوع يمكن أن يصحح وسبق أن صدرت قوانين وتعاميم أخرى وعمدت الى التصحيح حتى الوصول الى التطبيق الأفضل.

واستطرد قائلاً:

– فهذه مسؤولية البنك المركزي الذي يجب أن يدقق ويعطي الصورة الواضحة للمصارف بحيث لا تعود عنده القدرة على الاجتهاد ولا الخوف من أن تدفع ثمن الأمور، وهذا الأمر يمكن معالجته بحيث توجد جهتان: الأولى أن تفاوض الدولة باسم كل القطاع، والثانية أن يكون التفاوض على همة كل مصرف لوحده. وهنا كل خيار له حسناته وسيئاته، لكن  الموضوع في الإجمال يخلق العديد من الحساسية لدى المستهدف وهي الأسماء الواردة ومن ضمنها مؤسسات اجتماعية وصحية لها علاقة بحياة الناس، وكذلك أتفهم أن يكون لدى المودعين نقزة وخوف من عدم معرفة مصيرهم، وأيضاً إدارة المصارف، خاصة وأن إدارة المصرف أحياناً تختار هي بين الربح والخسارة كي تحافظ على نفسها، وهو إذا أغلق عمليات مصرفية وخسر الزبائن، إلا أنه مضطر أن يفعل ذلك للحفاظ على استقراره. ولذلك لا بد من الانتقال من حالة ردات الفعل الى القيام بعمل منهجي عقلاني لحماية البلد كمصلحة للجميع وللمحافظة على الدولة والمؤسسات.

<فتكا> ومكافحة غسل الأموال

ــ هل تشعر أن هناك حملة تستهدف لبنان في مصارفه وصولاً الى كشف سريته المصرفية التي يتميز بها عن كل بلدان العالم ويضاهي بها سويسرا، مع العلم أن الإدارة الأميركية تدعو شركات أميركية للاستثمار في ايران رغم أن الأخيرة هي الداعم المالي لحزب الله؟

– هناك ضغط عالمي لفتح كل دفاتر القطاع المصرفي، وتدريجياً إلغاء السرية المصرفية. وفي لبنان لا يرتبط الأمر بموضوع حزب الله بل ان هناك أموراً أخرى مثل قانون <فتكا> الذي يتعلق بالتصريح عن أموال لأصحاب الجنسية الأميركية ومثل مواضيع غسل الأموال من أي مصدر كانت، إضافة الى قوانين التهرب الضريبي وتبييض الأموال ومكافحة تمويل الإرهاب وما شابه، فهذه قوانين صدرت قبل القانون الحالي المتعلق بمكافحة تمويل حزب الله.

وأضاف:

– وبالتالي، هناك استهداف للسرية المصرفية في كل بلدان العالم بما في ذلك لبنان. وفي رأيي أن هناك بلداناً تحت المجهر أكثر من لبنان، لاسيما سويسرا، لوكسمبورغ وبنما، ونحن جزء من هذه المواجهة. وبالتالي ففي الموضوع المالي توجد سلطة عليا اسمها النظام المالي الأميركي تفرض سيطرتها على كافة الدول. ولهذا لا يجوز الاستعجال في الاستنتاج، والقانون المتعلق بحزب الله واضح. وبالتالي لا بد من الفصل بين ما يحدث وكيفية التعاطي مع ما يحدث، وهنا يطرح السؤال عما إذا كنا قصرنا في تقدير حجم تأثير هذا القانون على لبنان أم لا، وما إذا تأخرنا في شرح خصوصية لبنان وكيفية التعاطي معه؟

وتابع يقول:

– فهذه أسئلة تطرح، لكن لا بد من التأكيد بأنه لا يجوز تحويل المشكلة الخارجية التي تؤثر على لبنان الى مشكلة داخلية. وبالتالي يجب البعد عن هذا التفسير لأن لا أساس له ولا يوجد فريق لبناني وراء هذا القانون والكل متضرر بدءاً من صاحب البنك الى صاحب الاسم الوارد في اللوائح، والقطاع المالي والمصرفي متضرر، ولهذا السبب لا يجوز أن <نفش خلقنا> ببعضنا البعض. هذا أولاً، وثانياً فالمؤسسات في هذا المجال هي أفضل طريقة لإدارة هذا النوع من الملفات التقنية والدقيقة في التعاطي مع الخارج. وثالثاً لا بد من التركيز على ثوابتنا الاستراتيجية بدءاً من اعتبار الاستقرار مسألة أساسية وخسارته كلفته عالية، وهذا الاستقرار مبني على الثقة، وهذه الثقة لا تأتي بسهولة، ولذلك يجب التنبه لهذا الأمر بغض النظر عن مشاعرنا، وأنا كلبناني أعتبر أن هناك تدخلاً في عمل الاقتصاد اللبناني وأرى أن هناك انتقاصاً من سيادة لبنان، وهذا صحيح، لكن لا بد من استيعاب هذا الأمر ومعالجته تدريجياً كي نسترد حقوقنا.

ــ كيف يكون الحل؟ وهل نحن ملزمون بالتعاطي الرسمي الجدي مع الإدارة الأميركية وبالحوار المسؤول بين مصرف لبنان وحزب الله؟

– في تقديري أن الطرفين تأخرا في فتح هذا الحوار. فالحزب في المرحلة الأولى اعتبر أنه غير معني بالموضوع ولم يعترف أن القانون يؤثر عليه، لكن الأكيد أنه معني ومن حقه أن يتابع هذا الموضوع ويتأكد أن هذا القانون الذي يستهدفه لم يكن وراءه أي أحد في الداخل اللبناني من حيث يدري أو لا يدري، أو أنه يسهل هذا الموضوع، لكن الأهم أن العملية تكون مؤسساتية، وطالما أن الحزب موجود في الحكومة فعلى الحكومة أن تدرس الموضوع بشكل جدي، وقد حصل اجتماع جدي بين الرئيس تمام سلام وحاكم مصرف لبنان رياض سلامة ووزير المال علي حسن خليل في الأسبوع الماضي، لكن هذا وحده ليس كافياً، بل يجب أن تقوم الحكومة بدور في هذا الخصوص خاصة بما يتعلق بالخارج، ويمكن للجنة المال والموازنة النيابية أن تتابع الموضوع على أن يقول المصرف المركزي للمصارف ما هو المسموح وما هو الممنوع، وإلا فإن أموراً أخرى تزيد الإرباك وتضيع الوقت طالما أن الموضوع تقني ومؤسساتي.