14 November,2018

وزير الصحة وائل أبو فاعور: ستبقى المسالخ المشبوهة مقفلة الى أن تستوفي الشروط الصحية!

 بقلم علي الحسيني

1  لم يُميز فساد المواد الغذائية في لبنان بين غني وفقير، فالجميع اصبحوا سواسية بعدما جمعتهم المصيبة الواحدة. لم تعد اللحمة أو الدجاج عنواناً  للترف المعيشي او علامة من علامات البذخ الطبقي في لبنان، ذلك ان الفساد الغذائي المتنوع الذي اجتاح لبنان من اقصاه الى اقصاه لم يميز بين متخم وجائع او بين مسؤول ومواطن عادي حيث ان كل لبناني هو اليوم مستهدف في صحته وصحة أولاده.

الفساد على أنواعه

 

وكأنه كتب على اللبنانيين أن يعيشوا الفساد على أنواعه. فمن الفساد المؤسساتي المتفشي في البلد مروراً بالفساد السياسي وما ينتج عنه من أزمات متتالية، حط رحال الفساد هذه المرة عند لقمة عيشهم مستهدفاً حياتهم بشكل مباشر على يد فجار وليس تجار ضربوا بعرض الحائط أبسط حقوق المواطن الحياتية. فمن مسالخ كل لبنان يستهلك المواطن في لبنان الموت على يد تجار لا يخافون الله ولا يُميزون بين إنسان وحيوان يسلخونه في أماكن لا تنطبق عليها الشروط الصحية تتحول فيها الذبائح فريسة لكل أنواع الحشرات ليعود المواطن ويلتهمها بأشكال وأصناف وطرق متنوعة ومتعددة.

أبو فاعور: الحرب على الفساد مستمرة

2

يستمر وزير الصحة وائل أبو فاعور في حملته ضد الفساد الغذائي من دون هوادة ولا اعتبار لكبار التجار المسؤولين عن هذا الفساد مهما علا شأنهم. ويستمر في هذه الحملة للكشف عن مجموعة فضائح غذائية تطفو الى العلن بشكل يومي في لبنان كافة. وهنا يؤكد أبو فاعور في حديث لـ<الافكار> ان محاربة الفساد الغذائي مستمرة ولن تتوقف أياً كانت المصاعب والعقبات وهي كثيرة. وستشمل حملة وزارة الصحة جميع المناطق اللبنانية دون استثناء حتى تحقيق الأهداف المرسومة لها وأهمها حماية صحة المواطن اللبناني وتأمين الغذاء الصحي والسليم له. ونوه بالمواكبة والدعم الكاملين من وزارة الداخلية والقوى الأمنية الحريصة بدورها على نجاح هذه الحملة.

وشدد أبو فاعور على ان الصراحة والشفافية هما الطريق الوحيد لمعالجة كل ملفات المرتبطة بالفساد. وحول إغلاق العديد من المسالخ في الشمال والجنوب وبيروت قال: لن يُعاد فتح أي من هذه المسالخ إلا بعد التأكد من استيفاء الشروط الصحية. فلن لن نقبل بإجراءات تجميلية كالطرش والدهان والتنظيف، إنما المطلوب بناء مسلخ عصري يستوفي الشروط العلمية وشروط السلامة العامة في الوقت نفسه. كما ان وزارتي الصحة والزراعة ستتقدمان بطلب إلى مجلس الوزراء تطرحان فيه ضـــرورة تكليف مجـــلس الإنمــــاء والإعمــــار بإنشاء مسلخ جديد في بيروت في الموقع نفسه لأن الأهالي يستحقون أن يأكلوا لحماً نظيفاً ومضموناً.

وكشف أبو فاعور أنه كان طلب من وزير الداخلية بالإقفال السريع لثلاثة مسالخ في الجنوب إلى حين استيفائها الشروط، وهي مسالخ العاقبية والبيسرية والغازية لعدم استيفائها المواصفات المطلوبة الصحية والفنية حيث تنتشر الروائح الكريهة والذباب والحشرات في الداخل والخارج كما انه لا يوجد طبيب بيطري ولا حتى برادات كبيرة لحفظ اللحوم عند ذبح الحيوانات ولا  أوعية لجمع المخلفات ولا صرف صحياً جيداً. وتوجه بالشكر الى وزارة الداخلية والمدير العام لقوى الأمن الداخلي على مواكبة الحملة التي تقوم بها وزارته. وتعهد بمواصلة العمل وتحويله الى عمل روتيني.

اعتداء على مفتشي الصحة

 

ويذكر ان مفتشين من وزارة الصحة كانوا تعرضوا مطلع الاسبوع الماضي لاعتداء في محلة صبرا من قبل بعض المُفسدين، وقد اكد أبو فاعور أن شوكة الدولة لن تنكسر في ملف سلامة الغذاء وأن وزارة الصحة لن تقبل إعاقة عمل فرقها من قبل أية جهة وبأي شكل من الأشكال وستتخذ كافة الإجراءات الضامنة لاستمرار أخذ العينات من المواد الغذائية والتفتيش على كل المؤسسات والمحلات المعنية، وملاحقة المخالفين واتخاذ التدابير القانونية بحقّهم. كما تقدّم المفتشون بشكوى ضد كل من يظهره التحقيق متورطاً بالتعرض لهم وأدلوا بإفاداتهم في مخفر قوى الأمن الداخلي في المنطقة. وقد أجرى أبو فاعور اتصالاً بالمدّعي العام التمييزي القاضي سمير حمود طالباً اتخاذ الإجراءات القضائية التي يراها مناسبة بحق المعتدين على فريق الوزارة في محلة صبرا لمنع تكرار مثل هذه الاعتداءات وضمان قيام مفتشي الوزارة بعملهم في خدمة جميع اللبنانيين.

الفساد الغذائي قديم وليس مستجداً

 

3

قد يتساءل المواطن اللبناني عن هذا الكم في ملف الفساد الحاصل على صعيد الامن الغذائي، لكن من خلال العودة الى ارشيف الفساد في هذا الملف يتبين ان هناك العديد من المؤسسات التي ضبطت مؤخراً كانت ضالعة لا بل غارقة فيه لكنها وبقدرة قادر عاودت نشاطها المسموم على غرار مؤسسة <الناطور> للحوم الواقعة بين منطقتي صبرا والطريق الجديدة والتي كان ضبط داخل مستودعها منذ عامين تقريباً أكثر من اربعين طناً من اللحوم والاسماك الفاسدة يعود تاريخ انتهائها إلى أكثر من عام أو حتى عامين. وهنا يقول احد أبناء المنطقة: الجميع  هنا من دون استثناء كانوا يشترون اللحمة والاسماك من هذه الشركة ومن يقول عكس ذلك هو كاذب، فهذا المكان كان مقصداً لنا نظراً إلى رخص الأسعار لانه وكما هو معروف فإن مناطقنا ترزح تحت خط الفقر والكل يبحث عم ما هو رخيص وهذا ما كان يجبرنا على التردد الدائم إلى مثل هذه الاماكن لابتياع حاجاتنا من لحوم وغيرها من مواد غذائية كالجبن واللبن والمعلبات.

شهد شاهد من أهله

 

أحمد ع. هو أحد الذين عملوا لمدة عامين في احدى شركات اللحوم والاسماك في احدى مدن الجنوب عندما كان في الخامسة عشرة من عمره يومئذٍ طلب منه ابن صاحب الشركة صبغ معظم اللحوم التي تباع عندهم باللون الأحمر عن طريق مواد صناعية لتحافظ نوعاً ما على لونها الطبيعي. ويقسم الرجل بالله ان الأسماك المجلدة المنتهية صلاحيتها كانت تُباع على أنها طازجة إلى بعض الزبائن الذين يحبون الاسماك النيئة. وذات يوم قام بتنبيه جاره محذراً إياه من نوعية اللحوم التي يشتريها لكن هذا الاخير أخبر رب عمله الذي فصله من الوظيفة. بالامس التقيت بجارنا الذي تسبب بطردي من العمل فقلت له <صحتين أبو فيصل>.

أين دور حماية المستهلك؟

4

 

تشير المعلومات الأولية إلى أن مصلحة حماية المستهلك في وزارة الاقتصاد قد كشفت على نحو مئة مؤسسة تجارية يُشتبه في أنها كانت تشتري بعض المواد الغذائية من مصدر واحد يبيع اللحوم والدجاج والاسماك ولكن تبين أن مواد هذه المؤسسات سليمة. لكن في الجهة المقابلة توجد مئات المؤسسات الاستهلاكية التي تبتاع لحومها من المسالخ الموزعة في لبنان وفي طليعتها مسلخ بيروت الذي يغطي تقريباً نصف ما يستهلكه الشعب اللبناني بأكمله، وهذه المؤسسات نالت نصيبها من الاغلاق الى حين تسوية اوضاعها الصحية والشروط التي تفرضها وزارة الصحة.

 وفي هذا السياق يؤكد رئيس جمعية حماية المستهلك الدكتور زهير برو ان وضع كل المسالخ في لبنان مذرٍ وأدنى من المستوى المطلوب باستثناء مسلخ واحد في صيدا. كما ان اللحوم لا تنقل بسيارات مبردة والتلوث مرتفع النسبة، ولذلك فإن اقفال المسالخ جاء ليؤكد صوابية العمل والطريق الاصح لمعالجة الارتكابات التي اعتبرها إجراماً بحق المواطن اللبناني مع العلم ان الاكتفاء بملاحقة المطاعم يشكل معالجة للنتائج لا الاسباب، معتبراً ان ما يسمى بالمسالخ عندنا انما هو في الحقيقة غرف ملوثة او هنغارات لا تستوفي ادنى الشروط الصحية وسلامة الغذاء. واذا اردنا التحقق من نسبة مسالخ الذبح يمكننا القول ان اكثر من تسعين في المئة منها لا تستوفي الشروط وتعمل على نحو مخالف مثل غياب التبريد، وحمل اللحوم على الاكتاف ووضعها داخل صناديق السيارات. كل هذا يدل على الفوضى التي يشهدها هذا القطاع والذي يعتبر من اهم القطاعات الاستهلاكية ليس في لبنان وحسب انما في العالم كله.

الدكتور شبلي وخطورة اللحوم

 

ويبقى السؤال الأهم حول تأثير هذه المواد الفاسدة على حياة الناس؟ وهنا يؤكد المسؤول عن المركز اللبناني الاوروبي للبحوث الطبية الدكتور روي شبلي <أن  استهلاك اللحوم الفاسدة فيه من الخطورة على صحة المواطن إلى درجة إنهاء الحياة. ويعرض تداعيات تناول اللحم الفاسد والعوارض الصحية التي يمكن أن يشعر بها المريض، فيقول <إن أنواعاً عديدة من الطفيليات يمكن أن تحويها اللحوم الفاسدة والمنتهية الصلاحية والتي تسبب مرض الزخار (Dysentery)، كما أنها قد تؤدي إلى إصابة الحوامل بداء المقوسات أو Toxoplasmosis، الذي من شأنه أن يترك تشوهات خلقية عند الجنين> لافتاً الى ان اللحوم الفاسدة تحتوي أيضاً على الفيروسات الغدانية Adenoviruses والفيروس العجلي Rotavirus التي تسبب الإسهال، وهي ذات خطورة عالية إذا ما أصابت الأطفال. كما أن هناك نوعاً من الطفيليات Parasites يؤدي إلى تشمّع كبد الإنسان إضافة إلى مرض الحلزون الذي يصيب متناولي اللحوم النيئة.

5

ويشرح شبلي الآتي: عادة ما تظهر العوارض فور تناول اللحوم الفاسدة وفي أقصى الحالات بعد ثلاثة أيام. لكن ثمة ما هو أخطر وأصعب إذ يؤكد أن بعض الفيروسات والبكتيريا تظهر عوارضها بعد مرور عشر سنوات. كما ان بروتين البريون Prion المسبب لمرض جنون البقر خطير جداً، ويترك ترسبات على المدى الطويل في الدماغ من شأنها أن تعرّض المريض إلى مشاكل ومنها فقدان التواصل مع الواقع حتى الموت. أما الحمّة المالطية مثلاً فيمكن أن تستقر في العمود الفقري مسببة التهابات مزمنة. من ناحية أخرى لا نعرف ما اذا كان تجار اللحوم الفاسدة يتلاعبون بها عبر إضافة مواد كيميائية أو ملونات غذائية بغية حفظها لأكثر وقت ممكن علماً أن هذه المواد تسبب أمراضاً سرطانية. ويشدد انه مع إنشاء هيئة طوارئ تعنى بالأمن الغذائي والى جانب الوزير أبو فاعور لجهة الكشف عن أسماء الموزعين وكل المطاعم والفنادق والمؤسسات التي تشتري هذه اللحوم ليطمئن المواطن من جهة وتبدأ عملية المحاسبة فعلياً لوضع حدّ لهذه الجريمة. أما نصيحته للمواطنين فيلخّصها بـعدم الهلع طالباً منهم استشارة طبيبهم في حال إصابتهم بعوارض صحية كالإسهال والحرارة.

هل في لبنان جنون البقر؟

 

وليس بعيدا عن ملف الفساد الغذائي الناجم عن سوء وضع المسالخ والملاحم والمطاعم في لبنان، تبرز قضية مستجدة اسمها مرض جنون البقر. وفي هذا الصدد تجزم معلومات حصلت عليها <الافكار> ان هناك حالة مصابة بهذا المرض موجودة داخل أحد مستشفيات بيروت. وتقول المعلومات ان المريضة المصابة بهذا المرض تدعى (س. خ) كانت موجودة في الغرفة 111 قبل الى ان تنقل الى غرفة اخرى بعدما جرى اكتشاف أمرها من قبل وزارة الصحة التي لم تكن على علم بوجود هكذا حالة في المستشفى. والمريضة غائبة عن الوعي بشكل كلي اي في حالة <كوما> كما ان شقيقها (م. خ) طبيب يعمل في المشفى نفسه لكنه لم يبلغ الوزارة عن حالة شقيقته معتبراً ان هذا الأمر يقع ضمن صلاحيات الطبيب المختص.

وتكشف المعلومات ان الوزارة تقدمت بانذار بحث المستشفى لعدم ابلاغها لحظة دخول المريضة علماً انها دخلتها منذ أكثر من شهر، وهي اليوم موجودة في عزل طبي لكنها مصابة بالتهاب رئوي ما يثير مخاوف من نقل العدوة عبر الحقن وغيرها، ويقول المعنيون ان هناك احتمالاً يفوق الثمانين في المئة ان تكون الاصابة ناجمة عن تناول اللحمة.

6

شروط العيش

 

 

للمرة الألف توضع صحة المواطن في لبنان على المحك وللمرة ذاتها يقع اللبناني ضحية جشع وطمع تجار جل همهم تكديس الاموال. تجار تحميهم رؤوس كبيرة وتدافع عن مصالحهم ومصالحها بالدرجة الاولى في بلد أصبحت حياة مواطنيه وصحتهم بحاجة الى طاولة حوار ليقرر على ضوئها المسؤولون ما اذا كان اللبناني مستوفياً شروط العيش.