14 December,2018

وزير الشؤون الاجتماعية رشيد درباس يقارب ملف النازحين بكل موضوعية: صيانة الديموغرافيا العربية واجب على أمة العرب بعدما جرى تشتيتها وتفتيتها بصورة مخيفة!

 

بقلم حسين حمية

6-(3)-----1

يشكّل ملف النازحين السوريين حملاً ثقيلاً على لبنان نظراً الى تداعياته الأمنية والاجتماعية والاقتصادية والديموغرافية أيضاً وسط تخوّف من وجود إرادة دولية بتوطينهم في هذا البلد الذي يستضيف أكثر من 500 ألف لاجئ فلسطيني ويرزح تحت وطأة الأزمات المتلاحقة لاسيما المالية والاقتصادية منها، في وقت طرح رئيس الحكومة تمام سلام أمام القمة العربية في العاصمة الموريتانية نواكشوط، فكرة إنشاء صندوق عربي لتعزيز قدرة المضيفين على الصمود ولتحسين شروط إقامة النازحين، فيما اقترح وزير الشؤون الاجتماعية رشيد درباس إقامة مناطق آمنة لهم داخل الأراضي السورية. فهل تُبصر هذه الأفكار النور، أم أن العراقيل أكبر من أن تُعد وتحصى؟!

<الأفكار> التقت الوزير درباس داخل مكتبه الوزاري في شارع بدارو وحاورته في هذا الخضم بالإضافة الى شؤون وشجون الوضع الداخلي لاسيما الحوار الوطني الذي جرى في الأيام الماضية وقضية الموازنة العامة على اعتبار أنه صاحب فكرة تعليق العمل لمجموعة وزارية إذا لم تُقرّ الموازنة.

سألناه بداية:

ــ ما هو عدد النازحين المسجلين رسمياً؟

– العدد المسجل هو مليون و30 ألف شخص، لكن يوجد عدد كبير من السوريين لم يسجلوا ويصل العدد الى أكثر من مليون ونصف المليون شخص.

ــ وهل صحيح أن التكلفة المالية تصل الى مليارات الدولارات؟

– صحيح، فالبنك الدولي اعتمد معياراً معيناً، بحيث اعتبر أن لبنان خسر عام 2014 مبلغ 7,5 مليارات دولار نتيجة فارق النمو بين 7 بالمئة و4 بالمئة في حين نحن اليوم في النصف الثاني من العام 2016 وفارق النمو ليس سبعة الى أربعة بل وصل من 9 الى واحد، وبالتالي فالخسائر أكبر بكثير مما كانت عليه عام 2014، ناهيك عن الخسائر الأخرى بدءاً من خسارة الحدود البرية المفتوحة لاسيما <الترانزيت> والسياحة البرية، والسياحة بشكل عام والبنى التحتية التي أنشئت لخدمة 4 ملايين شخص وهي تخدم 6 ملايين اليوم مع إضافة النازحين، والتضخم زاد ضمن حدود لكن لا نعرف الى متى، والعبء السوري الموجود أحدث خللاً حال دون استكمال البنى الدستورية حيث لا نستطيع انتخاب رئيس للجمهورية، لأن كل الاطراف تأخذ في اعتبارها وحساباتها ماذا ستسفر عنه الحرب في سوريا.

وأضاف:

– لذلك فالاستحقاق ينتظر الوضع السوري. فكل هذه الأمور جعلت الوضع الاقتصادي صعباً ونحن بالأمس استمعنا في مجلس الوزراء الى عرض من وزير المالية علي حسن خليل، وهو عرض مقلق ولكنه لا يدعو الى الخوف، إلا أن الوضع الاقتصادي سيؤثر عاجلاً أم آجلاً من العجز على ميزان المدفوعات والميزان التجاري الى التأثير على الوضع النقدي والمالي، ولذلك نستطيع القول إن مثل الوضع المالي كمثل  طفل ركب على سورالشرفة فلم يسقط، ولكنه إذا لم يبادر أحد الى إنقاذه سيسقط.

الموازنة وخيار الاعتكاف

ــ هل لهذا السبب قدمت مبادرة وأيدها بعض الوزراء وهي تعليق حضوركم في جلسات الحكومة إذا لم تقر الموازنة العامة؟

– قلت إنني وزير من مجموعة وزراء نؤدي دوراً سلبياً، بحيث عندما يقاطع البعض نجلس في البيوت، وعندما يريدون العمل يأتون بنا الى مجلس الوزراء، وهذا لا يجوز، فإذا كنا لا نمثل كتلاً سياسية منظمة وتلعب دورها على الأرض فنحن في الواقع حقيقة دستورية داخل مجلس الوزراء ونشكل نصاباً دستورياً لا يُستهان به، وإذا خرجنا نحن من السلبية وقمنا بعمل إيجابي ولو كان بشكله السلبي وهو أننا عندما نقرأ الدستور نجد أنه وضع  جزاءات على المجلس النيابي إذا تخلف عن إصدار الموازنة العامة ومن هذه الجزاءات أن يصدر رئيس الجمهورية بموجب مرسوم اشتراعي قانون الموازنة، وكذلك إمكانية اقتراح حل مجلس النواب وعلى الأقل من باب أولى، يجب أن يقوم مجلس الوزراء وينجز الموازنة خاصة أننا نعيش على القاعدة الاثني عشرية التي تعرقل كل عمل الوزارات. وأنا هنا أقول إن معظم الناشطين الاجتماعيين الذي يعملون معنا في الوزارة لا يقبضون مخصصاتهم خلال أشهر، وكل ذلك بسبب عدم وجود موازنة. وأنا اقترحت أن نسير بخطوات ايجابية وسلمية وإذا عرقل أحدهم نستطيع اتخاذ موقف معين ومحدود وهو مقاطعة جلسات مجلس الوزراء لاسيما وأن عددنا يحكم بعدم عقد أي جلسة حكومية تتطلب الثلثين كنصاب، ونحن مجموعة وزراء لا نمارس لعبة الصراع لكننا لا يمكن أن نتفرج على هذا الصراع.

ــ هل هناك اتجاه لإقرار الموازنة؟

– معلوماتي أن الوزير علي حسن خليل على شفا أن ينهي موازنة 2017 ويعرضها علينا، وعلى هذا الأساس نأمل أن تأخذ الأمور مداها الى منتهاها، وترسل الموازنة الى مجلس النواب، وإذا لم تقر هناك فآنئذٍ لكل حادث حديث ومن المحتمل أن تصدر الحكومة هذه الموازنة آنئذٍ.

ــ عرض الوزير خليل ملف النفط والغاز، لاسيما بعد تفاهم الرئيس نبيه بري والعماد ميشال عون. فهل هناك تحفّظ من الرئيس سلام تجاه هذا الملف؟

– لا يوجد تحفّظ من الرئيس سلام، فالرئيس سلام كان يحث الأطراف على ضرورة التفاهم والخروج من العقدة التي لم نعرفها بعد. وأنا قلت إنني إذا سئلت ما هي العقدة، فأنا لا أستطيع الجواب، ولكنني لست وحدي في ذلك، فكثير من الوزراء أيضاً لا يستطيعون الجواب ومنهم وزير الطاقة أرتور نظاريان. أما وقد حلّت العقدة بدون معرفة ما هي، فقد كان ذلك بتشجيع من الرئيس سلام والذي هو اليوم بصدد الدعوة للجنة الوزارية المختصة وعرض الموضوع على مجلس الوزراء بعد ذلك.

ــ لا عرقلة إذاً؟

– لا أرى ذلك.

ــ نعود الى النازحين حيث عرض الرئيس سلام في القمة العربية إنشاء صندوق عربي لتعزيز قدرة المضيفين وتحسين شروط النازحين فهل الأمر وارد ويوجد تجاوب عربي؟

– هذه الفكرة لم تطرح فجأة، بل سبق لي أن طرحتها في مؤتمر وزراء الشؤون الاجتماعية العربي الذي عقد في شرم الشيخ منذ حوالى 7 أشهر وقلت إن صيانة الديموغرافيا هي واجب على أمة العرب وعلى جامعة الدول العربية. وهذه الديموغرافيا يجري تشتيتها وتفتيتها بصورة مخيفة، وعليه فإن من يرعى هذا التشرد هي المنظمة الدولية المسؤولة عن المشردين واللاجئين، وقلت إن الأجدى والأولى بنا أن تكون لنا اسهامات مباشرة في صيانة هذه الديموغرافيا وفي رعاية اللجوء والدول التي تشغل اللاجئين واقترحت هذا الاقتراح وطلبت أن أقدمه بصورة رسمية فوقعت معي خطياً وزيرة التعاون الاجتماعي السابقة في الأردن الزميلة العزيزة ريما أبو حسان، ووافقها على هذا الاقتراح شفهياً وزيرة الشؤون الاجتماعية في العراق (وفاء المهداوي)، وأبدى وزير الشؤون الاجتماعية السعودي (ماجد بن عبد الله) استحسانه  فوضع الاقتراح على جدول أعمال الاجتماع في أيلول/ سبتمبر المقبل، وبالأمس جاءت مراسلة يطلبون منا أن نقدم تصورنا الكامل بهذا السياق مع تسمية مندوبنا وقد فعلنا ذلك.

وتابع يقول:

– والرئيس سلام المطلع على هذا الموضوع تبناه لكي يطرحه في مؤتمر القمة لكي يعطيه الزخم اللازم. ومن جهتي أرى أن ما فعله الرئيس سلام قد ترك أثاراً طيبة من الممكن أن نحصد نتائجها في أيلول/ سبتمبر المقبل بحيث يتم تمويل الصندوق بإشراف جامعة الدول العربية. أضف الى ذلك ان الرئيس سلام طرح موضوع المناطق الآمنة ولم يذهب إليها وفقاً للتعريف الدولي لأن ذلك التعريف يؤدي الى سحب موضوع المناطق الآمنة من التداول لأنه يتطلب وجود قوى جوية وقوى برية وقراراً من مجلس الأمن الدولي، وهذا لم يحدث، بل وضع اقتراحاً عملياً مؤداه ان القتال في سوريا أصبح متمركزاً ومتموضعاً في أماكن محدودة ومعظم الأراضي السورية لم يعد فيها قتال، فلماذا لا نلجأ الى إعادة النازحين الى هذه المناطق مع تحفيز عبر إقامة مشروعات داخل الأراضي السورية بكلفة أقل وفائدة أكبر وهذا الموضوع بحثته مع الممثلة المقيمة للامين العام للأمم المتحدة <سيغريد كاغ> وقد أعجبتها الفكرة جداً، وقالت إن للصندوق العربي دوراً في هذا الأمر الذي يعتبر استثمارات داخل الأراضي السورية بحيث يثبّت السوريين في أراضيهم وهذا أقل كلفة، وهو يخفف العبء عن دول الجوار.

محاذير التنسيق مع سوريا

 

ــ هل وارد التنسيق مع الحكومة السورية؟

– دائماً يطرح علينا هذا السؤال والجواب دائماً هو أن الحكومة السورية تستطيع أن تضع خططاً لكي تدعو السوريين للعودة الى بلادهم، فمن أراد العودة منهم سنسهل أموره، وهذا أمر يجري التنسيق فيه بصورة مستمرة بين الحكومة السورية والأمن العام اللبناني، والسؤال عندما يُطرح كأنه يراد منا أن ننحاز الى فريق في الصراع السوري وإذا فعلنا ذلك نكون كمن استدرج الصراع الى داخل لبنان، ونحن لا نريد استعادة المرحلة السابقة ونقول إن الشعب النازح عندنا هو شعب سوري والدولة السورية مسؤولة عنه، وإذا دعت الحكومة السورية مواطنيها فلن نجبر أحداً على العودة، بل سنسهل العودة وسنلغي الرسوم التي سيدفعها العائد ونؤمن له أماكن تجمع وباصات نقل، وكل التسهيلات الممكنة، ونسهل اعمال المنظمات الدولية. فبهذا الشكل من التعاون نحن جاهزون له، وإلا فالتنسيق الامني والسياسي يستدرج الصراع الى الداخل اللبناني. وسبق للحكومة السابقة ان نأت بنفسها عن هذا الصراع، رغم أنها كانت صديقة لسوريا، ونحن نسير على الخط ذاته.

التوطين والحوار والرئاسة

ــ طرحت إنشاء هيئة عربية. فهل هذا وارد؟

– قد يكون للهيئة أشكال متعددة، ولكن لا بد من البدء من الصندوق وتطور الأمور باتجاه ايجابي فيما بعد.

ــ البعض يتخوف من نية دولية في توطين النازحين حيث يقيمون من خلال الثبيت الذي اقتراحه الأمين العام للأمم المتحدة <بان كي مون>. فهل هذا وارد؟

– لا.. فالكلام الذي قاله <كي مون> يتعلق بحوالى 65 مليون لاجئ في العالم، وهناك بلدان فعلت ذلك، وعقد مؤتمران في جنيف بهذا الخصوص لإعادة توطين النازحين السوريين في بلدان ثالثة، أي لا بلد المنشأ ولا بلد اللجوء، ولكن هذا كله سميته حبوباً مهدئة لوجع الضمير لأن المجتمع الدولي هو الذي أوصل الوضع الى هنا، وهو ما جعل ما يسمى <داعش> يقلق راحة العالم كله، لأنه أهمل هذه البؤرة وتركها تتفاقم. وعندما قال <كي مون> هذا الكلام كانت لنا تصريحات وجاءتنا أجوبة وصدر بيان من مكتب الأمين العام قال فيه ان هذا الأمر غير وارد بالنسبة لنا في لبنان، لأن الأمين العام حين زارنا اجتمعنا به ثلاث مرات، وفي هذه المرات الثلاث كنا نؤكد له أن موضوع التوطين لا وجود له في قاموسنا، وقلت أكثر من ذلك بأننا لن نكون شركاء في جريمة حرمان الشعب السوري من أرضه ودولته. وقلنا أيضاً كما صرح الرئيس سلام في القمة العربية إن لبنان لن يكون وطناً نهائياً إلا لأهله، والأمر ليس وارداً لسبب بسيط ان هذا الأمر لا ينطبق على الواقع.

وأضاف:

– أنا تعلمت أن أفضل ما في السياسة بغض النظر عن مبادئها هي المقدرة البراغماتية على فهم الأمور مع الاخذ بعين الاعتبار موازين القوى ومجريات التطورات، ونحن إذا قلنا إن هناك مليوناً ونصف المليون نازح سوري فهذا العدد يحدث خللاً ديموغرافياً في البلد يؤدي الى الحرب، ونحن إذا جاءنا مليون ونصف مليون مولود لبناني في هذه الفترة يدخلنا في مشكلة سواء في الحليب أو في الرعاية، فكيف عن مليون ونصف مليون من شعب آخر يريد البقاء عندنا ووضعنا الاقتصادي سيئ مع 10452 كلم2 فقط، ومع حدود برية معقدة؟ وهذا الأمر لا يمكن تحمله لا في السياسة ولا في الديموغرافيا ولا في الاقتصاد ولا في الأمن أيضاً، خاصة أن اندماجهم سيستغرق وقتاً وستكون لديهم تنظيماتهم الخاصة، ولذلك فأمرنا حاسم في هذا الموضوع وينطلق من مبدأ قومي بأنه كفى تشتتاً وتمزيقاً في جسد الامة العربية. ونحن متضامنون مع الشعب السوري الشقيق بضرورة الحفاظ على دولته وبلاده وأرضه ولكن كجسم ضعيف لا نستطيع أن نحمل عبئاً بهذا الحجم.

ــ شاركت في طاولة الحوار الى جانب الرئيس سلام، فهل الحوار برأيكم سيصل الى نتيجة؟

– الحوار حتى الآن يقوم بدور نبيل وهو امتصاص الغضب والذهاب الى اللاعودة، يكفي أن تكون هناك لقاءات تضم مختلفين لكي يتأدب الجالسون بآداب الجلسة ويتكلمون بصوت منخفض وينطقون عن عقل هادئ، ربما لن يفضي هذا الى حلول ولكنه يبقى أرضية للتواصل. وبالتالي فالحوار أمر ضروري وإذا استطاع ان يقدم نتائج فهذا جيد، لكنني أقول بصراحة: <عبثاً يحاول المحاولون وعبثاً يبادر المبادرون، لم تعد المشكلة في لبنان داخلية ولم يعد الحل صناعة لبنانية>.

ــ لا رئيس في 8 الجاري موعد الجلسة رقم 43؟

– هذا ما أتوقعه، لكن مع ذلك لا غنى عن الحوار، فالحوار بين تيار <المستقبل> وحزب الله لم يفضِ الى شيء حتى الآن لكنه يحافظ على خط الاتصال والخط الساخن والدافئ كما يقولون.