16 October,2019

وزير الشؤون الاجتماعية الدكتور ريشار قيومجيان بكل صراحة: التعيينات الأخيرة تتضمن الكثير من  المحاصصة والمحاسيب والقليل من الاصلاح والتغيير!

 

بقلم حسين حمية

يسجل في جلسات مجلس الوزراء اعتراض وزراء القوات اللبنانية عندما تطرح بعض الملفات لاسيما التعيينات وغيرها من العناوين الخلافية بعدما سبق للقوات أن عارضت موازنة 2019 وهي اليوم تلمح مسبقاً الى عدم التصويت لصالح موازنة 2020 إذا لم تتضمن بعض البنود الاصلاحية الواردة في الورقة التي تقدم بها هؤلاء الوزراء باسم القوات. فهل هذه المعارضة نابعة من الاعتراض تقنياً على الملفات موضع الخلاف أم ضمن سياق سياسي متكامل الأمر الذي يصح أن يطلق على هؤلاء الوزراء بأنهم معارضة من الداخل وهل تتفاقم الأمور نحو استقالتهم؟

<الأفكار> التقت وزير الشؤون الاجتماعية الدكتور ريشار قيومجيان داخل مكتبه الوزاري في بدارو، وحاورته على هذا الخط بالإضافة الى العلاقة المتوترة مع التيار الوطني الحر والقضايا الساخنة المطروحة بدءاً من السؤال:

ــ لوزراء القوات في كل جلسة حكومية اعتراض على بند يتعلق بملف ما بما في ذلك التعيينات الادارية والقضائية الأخيرة بعدما سبق أن عارضوا الكثير من العناوين، فهل أنتم معارضة من الداخل أم ماذا؟

– لكل شيء سبب واعتراضنا ليس لمجرد الاعتراض، لدينا في المفاهيم والمبادئ السياسية طريق في مقاربة الأمور قد تكون مختلفة عن الآخرين، وبالتالي نعكس هذه المبادئ على أرض الواقع حيث نعارض حيث يجب أن نعارض، ونوافق حيث يجب أن نوافق، ونتفق مع غيرنا عندما نجد ان هناك ضرورة للاتفاق، أي موقفنا يحدد حسب الموضوع المطروح وليس معارضة للمعارضة أو بسبب خلفيات سياسية.

ــ عارضتم مؤخراً التعيينات القضائية، فهل السبب عدم رضاكم عن الأسماء أم بسبب عدم وجود آلية معتمدة؟

– رأينا كان وجوب وجود حد أدنى من الآلية التي تفسح المجال لكل اللبنانيين أن تدرج أسماؤهم في جدول التعيينات وليس فقط للمحاسيب والحزبيين، فالدولة عندما تريد اختيار مواقع ادارية معينة يجب أن تعتمد آلية ما وتكون ثابتة وتشكل المعيار الأول والأخير.

ــ هل يجب العودة الى الآلية التي كانت معتمدة في وزارة التنمية الادارية؟

– هذا حل جيد، وإذا لم يكن ذلك ممكناً، فمن الممكن الاتفاق على آلية أخرى معينة، ولو اتخذنا مؤسسة <ايدال> مثالاً نجد ان الأسماء لم تكن من داخل الادارة وانما من خارجها، وكلنا نعرف ان الأسماء من المحاسيب مع احترامنا لكل الناس، ونحن لا نقلل من قيمة احد، لكن عندما يتم الاتيان بجماعة هذا الحزب أو التيار أو ذاك فأي رسالة نرسل للمجتمع وللشباب الجامعيين ولكل المواطنين؟!

ــ يقال إن القوات صوتت ضد هذه التعيينات لأنها لم تنل أي حصة. فما صحة ذلك؟

– بالعكس، طرحت مسألة إعطاء القوات حصة، لكننا قلنا إن المسألة لا تقارب بإرضاء هذا الطرف أو ذاك، فليس هذا هو السبب بل نحن نطالب بإفساح المجال لكل الناس لكي يتقدموا بطلبات ويتم اختيار أهل الكفاءة.

ــ يعني تقول إن التعيينات محاصصة ولا شيء غير ذلك؟

– أكيد مئة في المئة.

ــ سبق أن طرحتم اسم أحد القضاة (سعيد مالك) عند تعيين أعضاء المجلس الدستوري ودخلتم في المحاصصة، لكن لم يتم التصويت لصالحه، أليس كذلك؟

– نحن طرحنا اسماً كفوءاً، ولو كنا قبلنا بالمحاصصة لكنا قبلنا بالعضو الكاثوليكي بدل الماروني الذي طرحناه، فالعضو الكفوء الذي طرحناه كان مارونياً وهو من أفضل الأسماء المطروحة ولا غبار عليه، ونفهم ان يتم طرح اسم في القضاء، فإذا لم تتم الموافقة عليه يطرح اسم آخر ولا يمكن الجدال هنا كثيراً لأن القضاة جميعاً مشهود لهم بالكفاءة والعلم، وطرحت مؤخراً أسماء في التعيينات القضائية مثل سهيل عبود وغيره وكلهم من الأسماء الجيدة، لكن اعترضنا على باقي التعيينات وسألنا وفق أي معايير يتم الاختيار علماً ان تعيين فرحات فرحات كرئيس للمجلس الأعلى للخصخصة لم يعتمد أي ألية عكس ما تم خلال تعيين سلفه زياد حايك وشكلت آنذاك لجنة وتم اللجوء الى رأي العديد من الاقتصاديين في البلد لاسيما رئيس جمعية المصارف ووزير التنمية الادارية والوزير المختص وحصل بحث في الأسماء وتم الاختيار لكن الآن لم يحصل مثل ذلك ومن هنا كان اعتراضنا.

ــ هل يعكس ذلك خلافكم أنتم والتيار الوطني الحر؟

– خلافنا يدور حول آلية انتقاء المعينين وفي طريقة اصلاح الدولة، فهم يدعون التغيير والاصلاح ويحملون هذه الراية لكن للأسف فهناك الكثير من المحاسيب في التعيينات والقليل من الاصلاح. فالمحاصصة كانت قائمة في التعيينات الأخيرة، ومن الجيد ان الرئيس عون أنقذ الموقف في مجلس القضاء الأعلى عندما عين أربعة أشخاص مشهود لهم بالكفاءة القضائية.

مصير <تفاهم معراب>!

ــ تشكون من تقاسم الحصص وسبق أن أنجزتهم <تفاهم معراب> عام 2017 واتفقتم على المناصفة في الوظائف مع التيار، أليست هذه محاصصة وإلغاء للآخرين؟

– مناصفة لاسترداد مواقع المسيحيين في الدولة،ونحن لسنا ضد مجيء حزبي كفوء، هناك تضليل حول ما اتفقنا عليه، فنحن اتفقنا على ضرورة الحفاظ على هذه المواقع وتعزيزها بأشخاص كفوءين وليس بحزبيين بل نفسح المجال لكل الناس، ونحن لم نلغ أحداً واتفقنا على البحث بالأسماء التي قد تكون مستقلة وغير حزبية بحيث نطرحها وفق آلية محددة ويتم الاختيار، انما هناك وظائف أساسية لا يمكن البحث بها بشكل عام وهي على صلة بصلاحيات رئيس الجمهورية لاسيما قيادة الجيش أو رئاسة البنك المركزي ومديرية المخابرات وما شابه. ونحن لا ننكر ان الرئيس في كل عهد له الكلمة الفصل في تعيين مثل هذه المواقع ولا يجوز أن نقوم ببازار حول هذه المناصب ونفهم ذلك، وهذه ليست محاصصة بقدر ما هي بحث في الأسماء.

ــ على سيرة <تفاهم معراب> أين أصبح الآن بعدما نعيتموه معاً؟

– نحن لا نزال نلتزم بالمصالحة التي جرت وطوت صفحة سوداء في الشارع المسيحي واللبناني معاً وحقبة من الصراع الذي كان في بعض الأحيان دموياً مع الرئيس ميشال عون الذي كان رئيساً للحكومة الانتقالية وأعضاء التيار قاتلوا في الجيش الذي كان ينفذ أوامر الحكومة الانتقالية آنذاك، فهذه الصفحة طويت ونحن متمسكون بالمصالحة الى أبعد حد، لكن للأسف فهناك نقاط في التفاهم وكلها مكتوبة وموقع عليها لم يلتزموا بها وتنكروا لتوقيعهم ولسنا نحن من فعلنا ذلك.

ــ يقال إن حرب الإلغاء بينكما لا تزال مستمرة لكن اليوم بوجه سياسي، فهل هذا التوصيف واقعي؟

– لا يمكن لأحد أن يلغي أحداً، فكلمة الإلغاء أصبحت وراءنا، وفي أجواء السلم والديموقراطية التي نعيشها اليوم لا يمكن لأحد إلغاء الآخر.

مصالحة الجبل ثابتة!

ــ وهل مصالحة الجبل ثابتة بعد أحداث قبرشمون التي طويت صفحتها بفعل لقاء المصارحة والمصالحة في القصر الجمهوري وعاد الوضع الى طبيعته هناك؟

– المصالحة ثابتة مئة بالمئة. وهذه المصالحة أرسى قواعدها في الوجدانين الدرزي والمسيحي غبطة البطريرك نصر الله صفير رحمه الله ووليد بك جنبلاط عام 2001، ودفعنا ثمن هذه المصالحة آنذاك سواء عبر أحداث 7 آب (أغسطس) من تنكيل بالشباب أو غيرها، وبدأت ترجمة هذه المصالحة عى الأرض منذ ذلك التاريخ وبالتالي العمل على إثارة الغرائز اليوم والقول ان المسيحيين يخافون أن يناموا في بيوتهم في الجبل وان المصالحة لم تتم، فهذه ادعاءات غير موجودة إلا في أذهان من يتكلم بهذا الشكل، وبالتالي إيقاظ هذه النعرات والهواجس الطائفية غير الموجودة لا يجوز خاصة وان العملية دقيقة ولا بد من وجود حكمة سياسية ودراية لأن بعض البلدات لم تشهد مصالحات مئة بالمئة لكن 95 بالمئة من الجبل شهد مصالحات والناس يعيشون مع بعضهم البعض ولا يمكن إيقاظ هذه النعرات مجاناً، وإذا كانت هناك بعض الشوائب وبعض الحقوق وما الى ذلك فهذا أمر خاضع للبحث ويناقش وصولاً الى حله.

ــ وهل العلاقة مع الحزب التقدمي لن تهتز؟

– أبداً، فهذه العلاقة متواصلة حسب كل المعطيات والحزب الاشتراكي لما يمثله من مبادئ وتوجه سيادي وعلاقة سياسية معنا ومن نظرته لكل الوضع الاقليمي والمحاور الاقليمية لن يذهب الى تحالف سياسي مع التيار الحر، فهو أبعد ما يكون عن ذلك، وعلاقتنا مع الاشتراكي سيادية استراتيجية ولا تزال مستمرة ولو اختلفنا أحياناً حول بعض أمور السياسة الداخلية اليومية.

موازنة 2020 وخيار الاستقالة!

ــ عارضتم موازنة 2019، فهل ستتحفظون على موازنة 2020 إذا لم يتم قبول ورقتكم التي تقدمتم بها؟

-اللغط الذي حصل عند مناقشة قانون الموازنة هو اننا كنا مع بعض البنود وكنا ضد بنود أخرى، وبالتالي هذا النقاش لم يكن حاداً وظهرت صورة ان القوات لم تكن حادة خلال هذا النقاش، ولكن الى جانب ذلك كنا في كل جلسة نقول إن مناقشة الموازنة لا تتم وفق فرض ضرائب على النارجيلة وعلى البضائع المستوردة وانما لا بد من اجراءات جذرية بدءاً من وقف التوظيفات التي تمت خلافاً لقانون الموازنة، وهذا ما قلته للرئيس سعد الحريري من انه لا بد من اعطاء رسالة مهمة لشباب الطالع وللرأي العام بأننا جديون في النقاش، ويجب إلغاء التوظيفات التي جرت خلافاً للقانون إضافة الى اغلاق المعابر غير الشرعية ووقف التهريب عبر خطوات عملية ومكافحة التهرب الضريبي، ونحن اليوم لا نزال خلال مناقشة موازنة 2020 عند موقفنا والأمر لم يتغير ولا نزال نطالب بهذه الاجراءات.

ــ وكيف سيكون موقفكم من المشروع حتى الآن؟

– البحث في أول جلسة كان مجرد عرض عام وبدأنا بحث القوانين واتفقنا على العديد منها، لكن البحث الجدي سوف يتم في الاجراءات وعلى ضوء ذلك سنحدد موقفنا علماً بأننا تقدمنا بورقة من 14 بنداً بشكل اجراءات فورية وإذا لم يتقبلوها لن نوافق على المشروع وسنعارضه لأن مصلحة البلد فوق كل مصلحة، خاصة وان انقاذ الوضع الاقتصادي والمالي بات ضرورة ملحة إضافة الى إظهار جديتنا أمام المجتمع الدولي.

ــ هل وارد ان تستقيلوا إذا لم يتم الأخذ ببنود ورقتكم؟

– مشروع الموازنة خاضع للنقاش، وموقفنا يتحدد على أساس البحث الجدي في الاجراءات واتخاذ ما يلزم لإنقاذ الوضع وخفض العجز، وأمر الاستقالة ليس وارداً حالياً لكن لكل حادث حديث بعد استكمال البحث في المشروع. فنحن نستكمل نضالنا السياسي من خلال هذه المواقع الوزارية والنيابية أو في المواقع الشعبية ونمارس سياستنا ونطبق فيها قناعاتنا وحتى الآن لا نزال نجد ضرورة أن نبقى في مواقعنا الوزارية، وما يستجد خاضع للبحث ولاتخاذ الموقف المناسب.

ــ كان لوزير العمل كميل أبو سليمان موقف متقدم من قضية العميل عامر فاخوري، فهل هذا موقف شخصي أم موقف القوات بشكل عام؟

– نحن نتبنى موقف القضاء ونحترم شعور فئة من اللبنانيين تعرضوا للتعذيب على يديه إذا كان ذلك صحيحاً، وهي ممارسات مدانة بكل المعايير الانسانية، والقضاء وحده يقرر مصيره ولا يعمد الأشخاص من المتضررون الى أخذ حقهم بأيديهم، ونحن نلتزم بكل ما يقوله القضاء.

ــ وكيف قرأت عودته بهذا الشكل الوقح دون خوف من أحد وبجرأة غير مسبوقة؟

– ليس لدينا تفاصيل بشأن عودته ولكن هذه العودة بهذا الشكل غير المسبوق تكشف عن تواطؤ ما لكن مع أي شخص ومن سهّل عودته ومن نظف سجله فهذا أمر يقرره القضاء، وإن كانت التهمة أو الحكم ضده يسقط بمرور الزمن، فالقضاء لا بد أن يقول كلمته الفصل بهذا الخصوص، علماً ان هذا الملف مطروح في ورقة تفاهم مار مخايل عام 2006 بين التيار وحزب الله، وهناك جزء كبير من المبعدين يجب أن يعود ولا بد من فتح صفحة جديدة، وما حصل آنذاك يجب قراءته بكل جوانبه، وصحيح انه حصل تعامل مع اسرائيل وهذا ليس سراً وأولاد المنطقة الحدودية تعاملوا معها من كل الطوائف، لكن في المقابل هناك درجات من التعامل، إذ توجد فئة لا يمكن لها أن تعود لأنها متورطة في جرائم كبرى علماً بأن البعض عاد وأحيل على القضاء وصدرت أحكام بحقه وأنهى محكوميته وانتهى الأمر والمسألة تتعلق بالجرم وحجمه، وهؤلاء وحدهم لا يتحملون المسؤولية لأن هناك عوامل ساهمت في تعاملهم بعد غياب الدولة وظهور العامل الفلسطيني والممارسات التي حصلت بحق الجنوبيين وما شابه، لكن الموضوع متشعب ولا بد من مقاربته وفق حل عقلاني من ضمن مصالحة وعودة الى الوطن.