22 April,2019

وزير الداخلية الأسبق زياد بارود بكل شفافية: نـحن فــي أزمـة نـظام وآلــيات دستـورية فـيـهـا الكثير مـــن الثغرات والدستـور أصـبـح وجـهـة نـظـر!

 

 

بقلم حسين حمية

لا يزال التأليف الحكومي يراوح مكانه رغم مرور 8 أشهر وأسبوع على تكليف الرئيس سعد الحريري تشكيل الحكومة الجديدة بعد الانتخابات النيابية بسبب العقد وما أكثرها بدءاً من الحصص والحقائب والثلث الضامن وتمثيل اللقاء التشاوري، في وقت حسم الرئيس الحريري الأمر بالقول إن هذا الأسبوع سيكون حاسماً وكل الاحتمالات واردة. فماذا يقول أهل الرأي والاختصاص؟

<الأفكار> التقت وزير الداخلية الأسبق المحامي والدستوري زياد بارود داخل مكتبه في الأشرفية وحاورته في هذا الخضم بالإضافة الى الانتخابات النيابية ونتائجها لاسيما وأن الحظ لم يحالفه بعدما ترشح في دائرة كسروان – جبيل، ومسألة قانون الانتخاب ناهيك عن شؤون وشجون الوضع السياسي لاسيما في ما يتعلق بالدستور أساساً.

سألناه بداية:

ــ كيف قرأت انتخاب كسروان – جبيل وهل عكست التنوّع الموجود وتالياً ما أسباب خسارة الوزير بارود؟ وهل هو القانون النسبي والصوت التفضيلي الذي تم تجييره لصالح مرشحي الأحزاب والتيارات السياسية أم ماذا؟

– أنا كنت من أكثر المطالبين بالنسبية على مدى سنوات منذ نشوء الجمعية اللبنانية لديموقراطية الانتخابات حتى الآن، وكنت أكثر المدافعين عن هذا النظام، ولكن هذا النظام ليس واحداً في كل العالم، بل هناك عدة أشكال له، ولذلك فالنظام الذي اعتمد في لبنان مع صوت تفضيلي واحد لم يكن موفقاً من زاوية المستقلين المتحالفين مع الأحزاب السياسية، فهو نظام يناسب جداً الأحزاب السياسية الكبيرة ويناسب جداً المال، لأن ضبط المال في هذه الانتخابات كما في سابقاتها لم يكن ضبطاً حقيقياً، ولذلك رأينا عنصر المال يطغى، بالإضافة الى المسألة الحزبية التي أحترم وأحبذ، حيث استطاعت فعلاً أن تفصل على مستوى النتائج لأن الصوت التفضيلي الواحد يؤدي الى هذا النوع من النتائج.

ــ كيف كان يجب أن يكون القانون؟ وهل كان يجب أن يتضمن صوتين تفضيليين على الأقل؟ وماذا عن دائرة كسروان – جبيل بعد جمع القضاءين في دائرة واحدة؟

– لا توجد لدي مشكلة بالنسبة لتقسيم الدوائر، فالدوائر المتوسطة مقبولة بعدما وصل عددها الى 15 دائرة على مستوى كل لبنان، لكن ضمن هذه الدوائر كنت أرى أن نظام الصوت التفضيلي الواحد أدى الى منافسة شديدة ضمن اللائحة الواحدة، وأصبح حليفك في اللائحة هو خصمك. فكم بالحري إذا أضيف الى هذا الموضوع رغبة القوى السياسية التي يتم التحالف معها بأن تصوّت تفضيلياً فقط للمنتسب اليها حيث لا تستطيع مع صوت تفضيلي واحد أن تقوم بأكثر من ذلك. وأنا أتفهم هذا الموضوع، وأيضاً عنصر المال لعب دوراً أساسياً في المعركة الانتخابية.

ــ هل لهذا السبب خسرت؟

– صحيح، لأن الرقم الذي حصلت عليه هو رقم ممتاز نسبة الى انني لست حزبياً ولم أستعمل المال، لكن هذه الأصوات التي نلتها هي لي وقد رفدت اللائحة التي أنتمي اليها بكم من الأصوات للحصول على حاصل رابع.

 

التأليف الحكومي والدستور

ــ نأتي الى التـأليف الحكومي ونسألك: مضى 8 أشهر وأسبوع على تكليف الرئيس الحريري والأمور تراوح مكانها. فهل العقد داخلية تتعلق بالحصص والحقائب والثلث الضامن وتمثيل اللقاء التشاوري؟ أم أن هناك عرقلة خارجية؟

– كل ذلك، لكن باختصار هي أزمة نظام بالدرجة الأولى وأزمة آليات دستورية فيها ما يكفي من الثغرات لعدم تمكّن الرئيس المكلف سعد الحريري من إنجاز مهمته بالاتفاق مع رئيس الجمهورية العماد ميشال عون.

ــ يقول البطريرك بشارة الراعي إن الأزمة دستورية لأن السياسيين لا يطبقون الدستور. هل تؤيده بهذا المعنى؟

– صحيح، فالدستور أصبح وجهة نظر في كثير من الأحيان، ولكن هذا الدستور بحد ذاته يتضمن ثغرات إذا ما عولجت يصبح بإمكان رئيس الحكومة المكلف ورئيس الجمهورية أن ينجزا هذا الاستحقاق وبسرعة أكبر. فمنذ <اتفاق الطائف> أصبحت كل حكوماتنا تقريباً حكومات وحدة وطنية، وبالتالي تركّب الأضداد ليس بالأمر السهل، ويجب أن نتفهم وضع وموقف رئيس الحكومة الصعب لأن مسودة التشكيلة التي يجب أن يخرج بها يجب أن تراعي الكثير من العوامل. وصحيح ان مرسوم تشكيل الحكومة شكلاً ودستورياً يوقعه رئيس الجمهورية والحكومة فقط، ولكن ما وراء هذين التوقيعين هناك تواقيع مستترة لكل القوى السياسية المعنية بتشكيل الحكومة.

ــ وهل يعني أن العقدة داخلية بحت؟

– لا، هناك عقد داخلية عديدة وهذا أكيد، ولكن هل العقد هي داخلية والاقليم لا رأي له؟! قطعاً لا، فالعوامل الاقليمية والدولية تؤثر كما كان الحال دائماً، لكن بعد <اتفاق الطائف> أصبحت أكثر تأثيراً لأننا دخلنا في ضرورات حكومة الوحدة الوطنية التي تتضمن جوانب ايجابية لكن لها سلبياتها بحيث ان التشكيل يصبح أصعب بكثير.

ــ من اخترع الثلث المعطل؟

– نتحدث عن ثلث ضامن بدل أن نتحدث عن ثلثين ضامنين، فالمادة 65 من الدستور عندما فرضت في بعض القرارات أكثرية الثلثين كان هذان الثلثان هما الضامنين وليس الثلث المعطل، لكن انقلبت الآية اليوم، وعملياً، القوى السياسية التي تحسن احتساب الأصوات حول طاولة مجلس الوزراء تعرف تماماً أنه مقابل الثلثين الضامنين تستطيع أن تعطل عمل مجلس الوزراء من خلال هذا الثلث الذي تريد أن تصوره ثلثاً ضامناً، لكن الواقع هو ثلث معطل.

ــ وهل حصة رئيس الجمهورية يجب أن تكون موضع إشكالية؟ أم أن العُرف فرض ذلك؟

– العرف في الدستور أحياناً كثيرة يكون بمنزلة النص الدستوري، وحصة الرئيس أصبحت عُرفاً حتى قبل اتفاق الدوحة، فالرئيس اميل لحود كانت لديه حصة وزارية، والرئيس الياس الهراوي أيضاً، وبالتالي هذا عُرف قائم وهو يحصن موقع رئيس الجمهورية من زاوية أن يكون في مجلس الوزراء مشاركة على مستوى التصويت لأن الرئيس منذ <اتفاق الطائف> لا يصوّت بل يترأس مجلس الوزراء دون أن يكون له رأي في التصويت، وبالتالي ليس مستغرباً في نظام كالذي نعتمده أن يكون لرئيس الجمهورية موقع ما يتفاوت في العدد بحيث كان عدد وزراء الرئيس 5 أو 3 لكن العُرف المستحدث ما بعد التطورات الأخيرة هو المستغرب.

ــ ما المقصود به؟

– هو أننا نحسب على المكيال كيف يأخذ البعض مقاعد في مجلس النواب وعلى أساسها ينال مقاعد مجلس الوزراء. فمن قال إن مجلس الوزراء يجب أن ينبثق بانسجام عن مجلس النواب؟! فأين مبدأ فصل السلطات؟ وأين  مبدأ المحاسبة؟ وهل يجوز أن يتحول مجلس الوزراء الى مجلس نيابي مصغر؟ هذا يعطل في رأيي المحاسبة ويخرق مبدأ فصل السلطات وهو أمر مستغرب، فالحكومة يجب أن تكون سلطة تنفيذية قادرة على الأداء والعمل بمعزل عن مجلس النواب بل تحت رقابة مجلس النواب.

ــ هذا صحيح، حتى ان البعض قام بحسبة وقال إن كل 5 نواب يحق لهم بوزير وأقصوا الآخرين الذين لم ينالوا حتى حدود 5 نواب ناهيك عن المجتمع المدني والفعاليات والنقابات. أليس كذلك؟

–  هذا صحيح، فهناك 50 بالمئة من اللبنانيين على الأقل لم يصوتوا، ألا يحق لهؤلاء أن يكونوا جزءاً من الدولة؟

ــ إذا سألناك مباشرة عما إذا كان الرئيس عون يحتاج الى ثلث ضامن، فماذا تقول؟

– من خلال التقنيات الدستورية نعم، ولكن موقع رئاسة الجمهورية وشخص الرئيس عون يتخطيان الأرقام والتقنيات الدستورية، إنما في ظل شد الحبال بين القوى السياسية وليس مع رئيس الجمهورية، كونه رئيساً في كل لبنان، ففريقه السياسي السابق يستطيع أن يفاوض مثلما يفاوض فريق رئيسي مجلس النواب والوزراء. فلماذا يُمنع على رئيس الجمهورية أن يكون له فريق يفاوض، فيما يسمح بذلك لرئيس المجلس والحكومة؟

 

التعطيل وعلاجه!

ــ يقال إن التعطيل الرئاسي والحكومي منذ عام 2005 حتى الآن تجاوز 8 سنوات، فهل هذا جائز؟

– هذا وقت ضائع، لكن لسنا البلد الوحيد في العالم الذي يعاني من هذه الأمور، فبلجيكا بقيت 547 يوماً من دون حكومة، ولذلك فكل المجتمعات المركبة كمجتمعنا كانت أتنية وطائفية ولغوية وحضارية تواجه هذا النوع من المشاكل، والسؤال هو: كيف تستطيع أن تعالج هذه الأزمات في الدستور وفي المؤسسات وليس في الشارع وفي الإعلام؟ فهذا هو السؤال في رأيي، والسؤال الآخر هو كيف نجعل البلد يعمل بمعزل عن الأزمة السياسية؟

ــ هنا نستحضر سؤالين: الأول هو أن التعطيل الرئاسي يحصل كل مرة، والثاني هو أن العرقلة الحكومية تحصل أيضاً مع كل تكليف، فهل يجب أن يتم توضيح الدستور وحسم الموقف نهائياً سواء لجهة انتخاب الرئيس والأزمة الحكومية لجهة التكليف المفتوح؟

– هذه هي الثغرات التي نتحدث عنها في الدستور، فليس المطلوب اليوم إجراء تعديل دستوري يعيد النظر بالصلاحيات لربما هذا يثير حفيظة الكثيرين، وأنا أدعو الى معالجة الثغرات التي تؤدي بمعالجتها الى تسهيل الأمور على مستوى تشكيل الحكومات وعلى مستوى الانتخابات الرئاسية، فهذه ثغرات تؤدي الى عدم الاستقرار السياسي، فالمطلوب من الدستور أن يؤمن الاستقرار السياسي وأن تنتظم الحياة السياسية بشكل جيد. وبالتالي إذا عالجنا هذه الثغرات من الممكن أن نصل الى نتائج ايجابية لكن في ظل شد الحبال اليوم أستبعد جداً أن يكون هناك إجماع من حكماء لبنان حول هذه التعديلات.

ــ وماذا عن المهلة المفتوحة للرئيس المكلف وإلا يجب أن يقول البعض ان نضع حدوداً وضوابط لها برضا الجميع؟

– عدد كبير من الدول تشبهنا بهذه المهلة المفتوح، لكن لا أحد يتخيل أن يستغرق التأليف هذا الكم الكبير من الوقت، وأنا مع أن تكون هناك مهلة في الدستور لرئيس الحكومة المكلف لإراحته وليس لأننا ضده، وهذا الكلام ليس موجهاً ضد رئيس الحكومة أو ضد طائفته لا سمح الله، في حين ان هذا الموضوع تقني يريح رئيس الحكومة المكلف لأنه شخص مؤتمن على التأليف وتقع على عاتقه هذه المهلة الصعبة، ولا أعتقد أن الرئيس الحريري مرتاح اليوم لمعوّقات التأليف، بل بالعكس، يتمنى أن تتألف الحكومة اليوم قبل الغد، وبالتالي من الممكن ضبط الموضوع ضمن مهلة معينة لإعادة تكليفه ربما ولوضع القوى السياسية أمام مسؤولياتها لأن كل القوى السياسية تكلف الرئيس الحريري بعد استشارات في مجلس النواب، لكن في المقابل لا تسهل له مهمته.

ــ يقال إن هذا الأسبوع هو أسبوع الحسم، ماذا لو لم تتشكل الحكومة فهل ترى أن اعتذار الرئيس الحريري وارداً؟

– نأمل أن تتشكل، ولكني أستبعد أن يعتذر الرئيس الحريري لعدة أسباب، أولاً فلا شيء يلزمه بالاعتذار، وثانياً فالمشكلة ليست بينه وبين رئيس الجمهورية الذي كلفه بناء لاستشارات نيابية ملزمة، وثالثاً أسمح لنفسي أن أقول هذا الكلام وهو ان الرئيس الحريري بما يمثل هو حاجة لكل الأفرقاء السياسيين بأن يستمر رئيساً للحكومة في المرحلة اللاحقة لأن شخص الرئيس الحريري يشكل ضمانة لكثيرين وهو في موقع يسمح له بالتواصل مع الجميع في الداخل كما في الخارج. واليوم نحن عشية استحقاقات كبيرة على المستوى السياسي وأيضاً على المستوى الاقتصادي.

وأضاف:

– أظن أن الرئيس الحريري وفريقه بالتنسيق مع رئيس الجمهورية يستطيعون أن يواجهوا بشكل أفضل، والمعطى الرابع هو أن الطائفة السنية الكريمة فيها من القيادات ومن الشخصيات ما يكفي ليتولوا هذا المنصب، لكن ما شاهدناه على مستوى النقاش حول اللقاء التشاوري يؤشر لكثير من الحساسيات التي لا تسمح للرئيس الحريري بأن يعتذر لأن اعتذاره قد يُفسر على أنه من قبيل الضعف أو الخضوع ولا أعتقد أن الرئيس الحريري بهذا الصدد أبداً.

ــ إذا لم يحصل التأليف، فهل يجب تفعيل حكومة تصريف الأعمال كما يدعو البعض؟

– هذا أمر خطير، أولاً واضح دستورياً أن مفهوم تصريف الأعمال ضيق، وهو بمعناه يضيق الأمور الملحة التي ترتبط بمهل لا يمكن تأجيلها، ولا يمكن أن يفسر تصريف الأعمال على أنه تفعيل لحكومة قائمة وإلا لماذا التشكيل؟ فنص الدستور واضح عندما يحدد حالات استقالة الحكومة ومنها انتخاب مجلس نواب جديد، وتم انتخاب المجلس في 6 أيار/ مايو الماضي، ولم تعد الحكومة قائمة وهي حازت ثقة من مجلس نواب سابق ولا تستطيع ممارسة المهام وكأن شيئاً لم يكن، وكأن المادة 69 من الدستور غير موجودة وكأنها ليست مستقيلة أو في حالة تصريف الأعمال. فهذا خطير من ناحية دستورية وأيضاً من الناحية السياسية بما يوحي ذلك انه لن تكون هناك حكومة في القريب العاجل، واننا استسلمنا لواقع الأمر وهذه خطورتها ايضاً، ولذلك أتمنى عدم تفعيل الحكومة القائمة رغم كل الاعتبارات التي يتطلعون خلفها من ضرورة تفعيل الخدمات، لأن الخدمات بمعناها الأساسي مؤمنة من خلال تصريف الأعمال، إما أن يتم تفعيل حكومة وتصبح في اجتماعات دورية متكررة ويصبح بإمكانها أن توقع مراسيم وأن تتخذ قرارات، فهذا أمر خطير دستورياً وسياسياً ولا يرد على ذلك بأن هناك حالات ضرورة كما حال تشريع الضرورة لأن ذلك حصل بالنسبة لما كان مطلوباً منا خارجياً من قوانين ضريبية وتهرب ضريبي وسوى ذلك، لأن هذا سينسحب على موضوع الموازنة، وصحيح أن هناك موازنة أقرت عام 2017 ولكن لا يــــزال الغــــائب الأكبر هو قطع الحساب وهــــــذا أمــــر أيضــــاً خــــطير لا يمكـــــــن القبــــول بـــــه حـــــيث لا نعــــرف الدولــــة مـــــاذا أنفقــــت وما كانت وارداتها منذ العام 2003 حيث جرى قطع حساب آخر مرة عام 2005 كان يعود لعام 2003 ولربما نعرف على مستوى وزارة المالية الأرقام لكن لم يوافق ممثلو الشعب على قطع الحساب المذكور في الوقت أن المادة 87 من الدستور واضحة بهذا المعنى.