24 March,2017

وزير الخارجية الأسبق فارس بويز بكل صراحة: الدخول في الفراغ أمر خطير يؤدي الى مؤتمر تأسيسي أو المجهول!

 

بقلم حسين حمية

SAM_0856

تقترب المهل الانتخابية لاسيما دعوة الهيئات الناخبة في 21 الجاري والكتل النيابية لم تتفق على قانون انتخاب جديد رغم أن رئيس الجمهورية العماد ميشال عون قال بصراحة انه لن يوقّع على مرسوم دعوة الهيئات الناخبة وسيرفض قانون الستين، لا بل أكد أن الفراغ أفضل منهما. فهل نحن ذاهبون فعلاً نحو الفراغ؟ وماذا سيحصل في هذه الحالة؟!

<الأفكار> التقت وزير الخارجية الاسبق فارس بويز وحاورته في هذا الخضم بالإضافة الى سياسة لبنان الخارجية، خاصة بعد زيارة العماد عون لكل من السعودية وقطر وتحضيره للقيام بزيارة مصر والأردن.

سألناه بداية:

ــ الرئيس ميشال عون يهدد بعدم توقيع مرسوم دعوة الهيئات الناخبة ويرفض قانون الستين ويقول إن الفراغ أفضل منهما ولا أفق لولادة قانون جديد بعدما طرح كل فريق مشروعه وتمسك به. فأين يكون المخرج؟

– لو كان الأفرقاء السياسيون يريدون حقاً قانوناً يضمن التمثيل الحقيقي والمباشر والأوضح للناخبين، لما كان أمامهم إلا القانون المطبق في عدد كبير من الدول الغربية التي تتميز بمستوى عالٍ من الديموقراطية ألا وهو قانون الدائرة الفردية أي مبدأ <One Men One Vote>. فهذا هو القانون الأوضح والأكثر صراحة وتمثيلاً للناس، ولكن يبدو أنه ليس هو المطلوب، بل إن معظم الفرقاء كي لا نقول كلهم ينظرون الى مردود القانون بهذا الشكل، بل يريدون ضماناً حسابياً لأكبر حصة ممكنة، كما يريدون ضماناً لألغاء الآخرين والقوى المستقلة أو الشخصيات ذات الحيثية السياسية في المذاهب، ويبدو أن هذا هو التوجه الواضح وهو لا يحل المشكلة على المستوى البعيد، لا بل هذا التوجه سيفجر مجدداً الصيغة اللبنانية ولو بعد حين. وهنا تصطدم القوى بين من يريد النسبية وهذا مرفوض لدى فريق، وبين من يريد الأكثرية وهذا أيضاً مرفوض لدى أفرقاء آخرين، وبين من يريد حلاً هجيناً هو المختلط علماً أنه غير دستوري متجاهلين مبدأ دستورياً دولياً وأممياً يقول دائماً إن القانون يجب أن يتمتع بعموميته وشموليته، واعتماد مبدأ قانون واحد لأرض واحدة ولشعب واحد، فالقانون في العلم الدستوري لا يمكن أن يكون خاصاً لا بفئة ولا بحالة ولا بأشخاص، بل طابعه يجب ان يكون عاماً ودائماً ومبدئياً وغير خصوصي، ومن هنا اكتشفوا ان هذا القانون المفصل على قياسات البعض قد يطعن به دستورياً ولذلك عدنا الى نقطة الصفر، ورئيس الجمهورية العماد ميشال عون يقول إنه لن يوافق على قانون الستين وإنه لن يوقع قانوناً غير وفاقي، وفي الوقت ذاته لن يوقّع التمديد للمجلس النيابي وهو محق بذلك. بمعنى أنه إذا كان التمديد للمجلس خيانة عظمى، فإن الذهاب الى قانون الستين الذي أوصل البلاد الى ما وصلت إليه هو خيانة لا تغتفر، وبالتالي ففي الحالتين الحق معه، ولكن أنا لا أحبّذ أن يحشر رئيس الجمهورية نفسه في هذا الموضوع حتى لو اننا نفهم تماماً بأن كلامه هو بمنزلة حض الفرقاء على الحل. ولكن إذا، لا سمح الله، لم نصل الى حل فسيكون الرئيس عون آنذاك قد أحرج نفسه بواقع هو ايضاً لا يقل خطورة عما هو حاصل، لا بل يتجاوز بخطورته الحالتين السابقتين، أي سنصل الى الفراغ، وهذا يعني موت الأم الخلوف، أي المجلس النيابي.

وأضاف:

– هنا يطرح السؤال: من سيقوم بصياغة قانون جديد؟! طبعاً لا أحد، إذاً أصبحنا أمام استحالة للوصول الى أي حل، وسقطت المؤسسات، فيما هذا الواقع يتعارض مع مبدأ عالمي وهو استمرارية المؤسسات، وهو مبدأ يقول إنه من المستحيل مهما كانت الظروف أن تختفي أو تموت المؤسسات، ويقول أيضاً إن وجود مؤسسة ولو كانت سيئة أفضل من عدم وجودها. لذلك لم يبق أمامنا إلا الذهاب الى المجهول وهو مؤتمر تأسيسي يعيد النظر بكل التركيبة اللبنانية ربما، وأن يحضر الانتخابات والقانون لكن كذلك يطرح سؤال ثاني: من سيتبنى هذا القانون؟! وبالتالي أصبحنا أمام زوال الدولة. ولذلك لا أعتقد بأن هذا الخيار ممكن لأن نصل إليه، هذا أولاً، وثانياً: من سيؤسس المؤتمر التأسيسي؟! فنحن لا نستطيع أن نتفاهم حول قانون انتخاب، فكيف سنتفاهم حول مجلس تأسيسي ومن الذي سيعينه، وسنختلف على تمثيل الطوائف والمذاهب فيه قبل أن تبدأ أعمالها؟! ومن قال إن قرارات هذا المجلس ستكون ملزمة طالما أن الدستور لا يتضمن ذلك؟!

واستطرد قائلاً:

– عملية الوصول الى هذا الواقع هي مشهد خطير، ولذلك آمل أن يكون كلام الرئيس عون كلاماً تحذيرياً وتحفيزياً وتهديدياً أكثر من أن يكون كلاماً واقعياً، بمعنى أن نصل الى هذه الحالة من الفراغ، ما يعني العودة الى العام 1975 الى حالة التفكك السياسي التي لم يحلها إلا اتفاق الطائف فيما بعد. وهذه المرة المجلس غير موجود ليجتمع في الطائف والمشكلة الأكبر أن نخترع مجلساً تأسيسياً جديداً ولا أدري ما هي صلاحياته في سن قوانين جديدة.

الطائف وتقسيم الدوائر

 

ــ على ذكر الطائف، هل الحل يكون بتطبيق اتفاق الطائف لجهة  إنشاء الهيئة العليا لإلغاء الطائفية وإنشاء مجلس الشيوخ وتحرير مجلس النواب من القيد الطائفي؟

– أقترح هنا إذا لم نصل الى توافق حول قانون الانتخاب، أن نعود الى إعادة تقسيم الدوائر لربما في هذه الحالة نستطيع أن نحفظ لبعض القوى الضمانات ونزيل هواجسها، وهذا لا يتعارض مع المبدأ الدستوري بمعنى شمولية القانون. إذاً هناك مذاهب تشكو من اعتماد قانون معين، فمثلاً النائب وليد جنبلاط يشكو من أن النسبية تلغي الواقع التاريخي للدروز ويحاسبهم على واقعهم دون الأخذ بعين الاعتبار دورهم التاريخي والتأسيسي للبنان وهذا صحيح، وبالتالي ربما تقسيم الدوائر يضمن له ما لا يضمنه القانون النسبي، ولذلك لا أرى من خلال الخريطة السياسية الموجودة إمكانية التوصل الى قانون جديد أكثري او نسبي أو مختلط، وبالتالي أقترح الذهاب باتجاه آخر هو إعادة تقسيم الدوائر لطمأنة من يريد الطمأنة.

وأضاف:

– أما بخصوص الطائف فهو لم يصف شكل القانون وما إذا كان نسبياً أو أكثرياً، بل جاء ليقول بتقسيم جديد للمحافظات أو بأن الانتخابات ستجري على مستوى المحافظة ولم يتطرق الى هذه التفاصيل الخلافية بين النسبي والأكثري والمختلط. ولذلك لا بد من إعادة تقسيم محافظات جديدة للتوفيق ما بين ما قاله اتفاق الطائف وما بين الضمانات التي يجب أن تعطى لبعض الطوائف بما  معناه إنشاء مجلس الشيوخ. وأنا هنا لا أرى إمكانية التوصل الى عملية حل وأخشى كثيراً من الفراغ الذي يأخذ البلاد الى المجهول والى الأدغال السياسية والأمنية.

ــ هل ستترشح إن أجريت الانتخابات؟

– لنرى أولاً إذا كان هناك قانون وإذا كانت هناك  انتخابات وآنذاك لكل حادث حديث ويدرس الموقف.

زيارة عون للسعودية وقطر

 

ــ وماذا عن السياسة الخارجية وقيام الرئيس عون بزيارة كل من السعودية وقطر على أمل أن يزور الأردن ومصر، وهل ستكون هناك محطة لسوريا وإيران في تقديرك؟

– مبدأ  إعادة ترميم العلاقات اللبنانية الخليجية هو مبدأ أساسي، لكنني أعتقد أنه كان من المفترض أن تدرس ظروف الزيارة بشكل أفضل، إذ انني لم أشعر من حيث الشكل البروتوكولي بأن هناك نتيجة لهذه الزيارة على الأقل بعودة حرارة العلاقات الطبيعية والاخوية، ولم أشعر في نتائجها من حيث المضمون من خلال البيانات التي صدرت، حيث لم يصدر بيان مشترك يسمح لنا بأن نستخلص نتائج حتمية، بل ما صدر هو تصريحات عن أفرقاء وصفوا الأجواء، وهذا لا يجعلنا نعتقد أن الأمور عادت وسلكت مسلكها الطبيعي وكأن الزيارة كانت من طرف واحد، أي زيارة طي صفحة، ولكن لم أشعر ان الصفحة طويت فعلياً وعادت الأمور الى طبيعتها. لذلك أعتقد أنه كان من الأفضل في هذه الزيارة أن تؤجل بعض الوقت وتدرس بشكل جيد قبل القيام بها وأن يتم التوقيت الذي يتناسب معها بدقة أكثر.

وأضاف:

– كما اعتقد أن زيارة كل من مصر والأردن هي أقل حساسية وصعوبة من الزيارة الأولى للمملكة العربية السعودية وقطر، لاسيما وأن العلاقات مع مصر لم تشهد هذه الأيام البرودة التي شهدتها العلاقات مع دول الخليج، كذلك الحال مع الأردن وطبعاً هذه الزيارة ستكون اسهل.

 

ضرورة زيارة سوريا

ــ متى تحين زيارة سوريا في تقديرك؟

– أعتقد أنه، شاء البعض أو أبى، فإن عملية الرهان على سقوط النظام السوري كانت خاطئة، وسبق أن تطرقت معكم الى هذا الموضوع ولم  أكن من الذين صفقوا لأحلام البعض، بل بالعكس، كنت منذ اللحظات الأولى اعتبر أنه على الأقل ان البدائل الأفضل للنظام غير متوافرة. ومن هنا سيبقى هذا النظام، وهو معترف به بشكل عام دولياً، ولبنان ليست وظيفته أن يكون طرفاً في هذا الموضوع، بل عليه أن يتعاطى مع هذا النظام كدولة حقيقية، خاصة وأن مصالحه كبيرة جداً مع هذا النظام. من هنا أعتقد أن زيارة الرئيس عون لسوريا أمر ضروري ويجب أن نتخطى اعتبارات البعض العاطفية والسياسية.

ــ وزير الخارجية الروسي <سيرغي لافروف> دعا الى عودة سوريا الى الجامعة العربية، والأمين العام أحمد أبو الغيط يقول إن الوقت لم يحن بعد.. فكيف تقرأ ذلك؟

– من افتعل وجرّ العالم الى حرب ضد سوريا هي اسرائيل، لأن سوريا لم ترضخ لها أثناء مفاوضات السلام التي حصلت عام 2002 في تركيا ولم تعمد الى تنفيذ مطلب اسرائيل بقطع العلاقات مع ايران وحزب الله، وحتى الآن ما يحصل في سوريا هي هزيمة كبيرة للغرب الذي راهن وفشل في خلق معارضة مقبولة بحيث أصبح العالم امام هذا النظام أو <داعش> و<جبهة النصرة>، وحتى في هذا الخيار أعتقد أن العالم برمته سيضطر بأن يقر بالنظام. وروسيا كانت أكثر فهماً للامور منذ اللحظة الأولى وبقيت على رأيها وكان من الطبيعي أن يقول <لافروف> للعالم: <تفضلوا واختاروا بين النظام وبين <داعش> و<جبهة النصرة> لأن المعارضة المعتدلة غير موجودة طالما أن هناك  قوتين على الأرض هما: النظام و<النصرة> و<داعش>، وبالتالي لا بد من الاعتراف بالدولة السورية ونظامها.

ــ هل سيتغير المشهد بعد وصول <دونالد ترامب> الى البيت الأبيض؟

– لا يمكن التنبؤ بما قد يحصل، لاسيما وأن <ترامب> رجل لا يمكن لأحد أن يعرف ماذا قد يفعل، وهو في معركته الانتخابية طرح شعارات عديدة وبدأ بتنفيذ القسم الأكبر منها، لكن لا أحد يعلم ماذا سيفعل غير قضية الحظر على المهاجرين. وهنا أستشهد بكلام وزير خارجية ألمانيا <زيجمار غابرييل> الذي رد على هذا السؤال بأنه من المستحيل أن يتنبئ بما سيقوم به <ترامب> وكيف ستكون عليه العلاقات الدولية في عهده، لكن من الواضح بأننا نشهد مراحل مضطربة جداً في العلاقات الدولية، وهذا هو المناخ الموجود عند الكثيرين من مسؤولي العالم الذين يعتبرون بأن التوقعات حول ما سيفعله <ترامب> أمر مستحيل، لكنهم قلقون مما قد يقدم عليه ومن احتمال تدهور العلاقات الدولية وحصول اضطرابات دولية نتيجة سياسته، ولا أريد الذهاب باتجاه ما قاله <هنري كيسنجر> منذ أيام عندما رد على سؤال عن مستقبل العالم بعد <ترامب> حيث قال إنه لا يرى ما يحصل في العالم إلا التأسيس لحرب عالمية ثالثة، وبالتالي فهناك شعور عند الجميع بأن العالم بعد انتخاب <ترامب> سيكون مختلفاً عما قبله، ولن تخلو الساحة الدولية من اضطرابات في أكثر من مكان.