24 September,2018

وزير الاقتصاد والتجارة رائد خوري بكل صراحة وشفافية:  إجــــراء الانـتـخـــابـات إشـــارة إيـجـابـيــــة للاقـتـصــــاد ورسالـــة للمجتمـــع الدولــــي الـــذي يدعــــم لـبـــــنـان!

 

بقلم حسين حمية

1

يعيش لبنان ضائقة اقتصادية كبيرة دفعت رئيس الجمهورية العماد ميشال عون للقول أمام زواره ان البلد مفلس، خاصة وان الديون المترتبة عليه تجاوزة الـ80 مليار دولار وخدمة هذا الدين الى ازدياد والعجز الى ارتفاع. ولذلك سارعت الحكومة الى إقرار مشروع الموازنة وحولته الى مجلس النواب لدرسه وإقراره قبيل انعقاد مؤتمر <سيدر> في العاصمة الفرنسية باريس في السادس من نيسان/ أبريل المقبل، بعدما سبق أن عقد مؤتمر روما في العاصمة الايطالية، وسيتبع ذلك انعقاد مؤتمر <باريس 4> في الشهر المقبل ويليه مؤتمر بروكسل، وكأن هناك شرطاً دولياً لإنجاز الموازنة قبل المشاركة في هذه المؤتمرات. فماذا يقول المعني الأول؟

<الأفكار> استضافت وزير الاقتصاد رائد خوري داخل مكتبه الوزاري في بناية اللعازارية وسط بيروت وحاورته في هذا الخضم وكل ما يتعلق بالشق الاقتصادي.

سألناه بداية:

ــ موازنة 2018 أمام مجلس النواب بعدما أقرها مجلس الوزراء وهي تتضمن نسبة تخفيض تصل الى 20 بالمئة من موازنة كل وزارة. فهل مبدأ التخفيض مطلب إصلاحي لخفض العجز فيها رغم الضيق الاقتصادي الذي يعيشه اللبنانيون؟

– طالما أن هناك ضائقة اقتصادية لا بد أن يكون هناك موازنة مع عجز واضح، ولكي يتم ضبط هذا العجز لا بد من تخفيض النفقات، وإذا تمّ تخفيض النفقات فهذا يؤثر على الاقتصاد، ولذلك نقول إن هناك مدرستين اقتصاديتين في العالم: الأولى تقول بضرورة الإنفاق أكثر لتكبير الاقتصاد، والثانية تقول بضرورة التقشف للحؤول دون زيادة  العجز في الموازنة.

وأضاف:

– نحن لدينا مشكلة تتعلق بالآلية التي سنذهب بها الى المجتمع الدولي لطلب مساعدته حيث لا يستطيع أن يوافق على العجز الكبير في الموازنة، تحت طائلة عدم مساعدتنا، وبالتالي هناك أولويات، وأولوياتنا هي قدرتنا على تخفيض النفقات وزيادة الايرادات، وهذا ما نحاول أن نفعله، علماً بأن نفقات الوزارات هي رواتب وإيجارات وعقود سبق أن اقرت لم نقترب منها إنما التخفيض حصل على النفقات الأخرى.

ــ إذاً سرعة إقرار الموازنة مطلب دولي قبل المؤتمرات لدعم لبنان في فرنسا وبروكسل؟

ــ أكيد، فالمجتمع الدولي لا يمكن أن يرى العجز الحاصل والإسراف في الانفاق، وفي الوقت ذاته نطلب منه المساعدة وإلا سيقول لنا أن نرتب أوضاعنا ويأتي الكلام معنا لاحقاً. هذا من جهة، ومن جهة ثانية، فالموازنة جزء من الحياة السياسية الطبيعية لا بل تأخرنا في إقرار الموازنة، لكننا مثل العادة ننتظر حتى الدقيقة الأخيرة بعدما نصل الى المأزق، إلا أن الموازنة عادة تستكمل قبل 6 أشهر.

ــ وهل سيقر مجلس النواب الموازنة قبل انعقاد مؤتمر <سيدر> في السادس من نيسان/ أبريل؟

– المفروض أن يحصل ذلك، وإلا لماذا يجتهد النائب ابراهيم كنعان في درسها في لجنة المال والموازنة كونه رئيساً لها رغم أنه مشغول بانتخابات المتن؟!

ــ إذاً إقرار الموازنة شرط لانعقاد المؤتمرات؟

– نستطيع الذهاب بدون موازنة لكن في هذه الحالة تتقلص فرص المساعدات، كلما حسّنا وضعنا وأبدينا للمجتمع الدولي قدرتنا في مقاربة الملفات الاقتصادية ومنها إقرار الموازنة كلما حصلنا على دعم أكبر.

الموازنة والاصلاحيات

ــ الرئيس ميشال عون يقول إنه مع إنجاز الموازنة وضبط النفقات والبدء بتخفيض العجز تحققت أهم عملية لإدارة المال في الدولة. فهل الموازنة هي العملية الإصلاحية لوحدها؟

– طبعاً لا، إنما هي البداية، فلا يمكن الاستمرار في جلد أنفسنا، فنحن آتون من مكان لا موازنة فيه منذ سنوات ولا ضبط، بل يوجد فلتان، وهذه التراكمات المتزامنة مع الديون والتوظيف العشوائي لا تعالج خلال سنة، وإنما ما نقوم به هو إنجاز في الوقت المتاح ليتحسّن الوضع سنة بعد سنة.

ــ يقال إن الموازنة تتضمن بعض الضرائب، ولو كانت مقنعة والناس لا يلوون على شيء. فماذا تقول؟

– الموازنة لا تتضمن أي ضرائب ولا ضرائب مقنعة بل بالعكس تتضمن إعفاءات ضريبية كبيرة.

ــ وماذا عن إقرار الموازنة دون قطع الحساب خلافاً للدستور؟ وهل شعار <عفا الله عما مضى> هو السائد؟

– سنجد مخرجاً كما حصل السنة الماضية بحيث تعطى مهلة لإنجاز قطع الحساب ووزير المالية علي حسن خليل ملتزم بذلك، فنحن لم نتنازل عن إنجاز قطع الحساب، ولكن في الوقت ذاته لم نضعه شرطاً لإنجاز الموازنة وإلا فلن نصل الى إنجاز الموازنة ونؤجل المشكلة حتى إنجاز قطع الحساب ولا يوجد ما يسمى <عفا الله عما مضى>.

ــ اشترطتم عدم التوظيف وإنجاز إصلاحات جذرية ووقف عجز الكهرباء للموافقة على الموازنة، فهل استجيب الى طلبكم؟

– كنت أمثل التيار الوطني الحر في اللجنة الوزارية المكلفة درس مشروع الموازنة، وقلت إننا لن نسير في موازنة تتضمن عجزاً أكبر من عجز السنة الماضية وطرحت الحل، ولم نضع شرطاً، لكن عجز الكهرباء إذا استطعنا الوصول الى تخفيضه فإننا لا نستطيع فعل ذلك في السنة المقبلة إذا لم نستطع حل أزمة الكهرباء التي تكلفنا سنوياً فوق الـ2000 مليار ليرة، ووضعنا بنداً في الموازنة كي نعطي إشارة ايجابية للبنانيين، وللمجتمع الدولي تقول إننا سنزيد التعرفة على الكهرباء عندما تؤمن 24 على 24 ساعة، وآنذاك سيستغني المواطن عن الاشتراك في مولد إذا تأمنت الكهرباء بصورة دائمة، وبدل أن يدفع فاتورتين يدفع فاتورة واحدة مع تخفيض يصل الى 20 و30 بالمئة.

ــ والحل المؤقت هو الاستعانة بالبواخر؟ وماذا عن رفض معظم الوزراء لهذا الإجراء؟

– هناك مرحلتان: الأولى مرحلة البواخر وهي أمر واقع نتيجة التأخير الحاصل في موضوع حل أزمة الكهرباء، وهو حل مؤقت، والمرحلة الثانية هو البدء بالمناقصات ودفتر الشروط للخطة الطويلة الأمد وهي المعامل الثابتة التي حصل تأخير بشأنها ايضاً وهذا الأمر يلزمه وقت يصل الى 3 أو 4 سنوات، وبالتالي لا خيار أمامنا سوى تأمين الكهرباء والبواخر هي أحد الحلول.

ــ وهل وزارة الاقتصاد هي التي قامت بإنجاز الخطة الاقتصادية للبنان وتحديد هويته؟ وما هي عناوينها؟

– الحكومة هي التي اتخذت القرار وأوكلت وزارة الاقتصاد بإنجاز هذا الجانب، وهذه الخطة خمسية لتغيير هيكلية الاقتصاد اللبناني من اقتصاد غير منتج الى اقتصاد منتج لأنه اذا كان لدينا اقتصاد فيه استهلاك يوازي الناتج القومي وفيه عجز في الميزان التجاري يفوق الـ17 مليار دولار فهذه مشكلة بحد ذاتها لا يمكن معها خلق اقتصاد مستدام، وبالتالي فالهيكلية المعتمدة منذ 30 سنة أدت الى زيادة الدين بنسبة كبيرة قياساً الى حجم الاقتصاد، والى تكبير حجم الدولة لاسيما الجزء غير المنتج والمتعلق بالمعاشات، والتمويل يتم عبر رفع الضريبة أو الاستدانة بصورة أكبر، وأدت ايضاً الى محو الطبقة الوسطى لأنه عند وجود اقتصاد غير منتج يصبح الغني أكثر غنى والفقير أكثر فقراً، وبذلك فعودة الطبقة الوسطى تحصل عندما نخلق اقتصاداً مستداماً مبنياً على إنتاج صناعي وزراعي إضافة الى الخدمات المستدامة وآنذاك نخلق الطبقة الوسطى التي تعتبر عصب الاقتصاد.

وأضاف:

– ونحن من خلال الخطة نطرح الخروج من هذه الدوامة التي نعيشها لكي يصبح اقتصادنا منتجاً ويخلق فرص العمل ولا يهاجر شبابنا.

مؤتمر <سيدر> وأهميته

 

ــ يقال إن مؤتمر <سيدر> في السادس من الشهر المقبل لن يعطي لبنان سوى القروض الطويلة الأجل التي ستصل الى 16 مليار دولار حسب التقديرات، مما يزيد الدين العام، فهل هذا هو الحل أم ماذا؟

– أكيد الديون ستزيد، ولكن هذه الديون تتم على فوائد واحد أو واحد ونصف بالمئة فقط. وإذا قمنا بإصلاحات وإنجاز البنى التحتية التي ستخصص هذه القروض لها، نكون آنذاك قد كبّرنا حجم الاقتصاد رغم أن البنى التحتية ضرورية لكنها غير كافية، وطالما نريد القيام بخطة اقتصادية لا يمكن القيام بها بدون بنى تحتية هي مهترئة الآن، وهذه البنى تفيدنا بشكل عام من خلال إدخال اموال الى البلد وخلق فرص العمل، ومن جهة أخرى تؤمن أرضية للقطاعات المنتجة في المرحلة المقبلة.

واستطرد قائلاً:

– وإذا أردنا إنجاز الطرقات وتحسين قطاعات الكهرباء والمياه والسدود، لا بد أن نستدين طالما أن الدولة لا تملك المال، وبدل أن نستدين بفائدة تصل الى 7 و8 بالمئة نستدين القروض من مؤتمر <سيدر> بنسبة 1 أو 1,5 بالمئة وهذا أفضل بالنسبة لنا، وبالتالي فنسبة 30 الى 40 بالمئة من هذه القروض تعتبر بمنزلة هبات.

ــ فهل من هنا تأتي أهمية مؤتمر <سيدر> في هذه المرحلة؟

– طبعاً، فهذا المؤتمر يدخل الأموال الصعبة الى البلد ويخلق فرص العمل ويؤدي الى نمو الاقتصاد، ولا بد من هذا المؤتمر الذي يدخل في المرحلة الأولى ما لا يقل عن 10 مليارات دولار كجزء من قروض مدعومة ومن خلال الشراكة مع القطاع الخاص لإنجاز المشاريع والدراسات المطروحة، ما سيؤدي الى نهضة اقتصادية خاصة وأن البنى التحتية والأعمال تجذب الاستثمارات، وبالتالي المؤتمر محاولة لإنقاذ الوضع الاقتصادي، ونحن لا نعتبر المؤتمر بمنزلة الخطة الاقتصادية وإنما الهدف منه الحصول على قروض مدعومة كما قلت بفوائد متدنية لإنجاز مشاريع البنى التحتية والاتصالات والكهرباء والمياه والصرف الصحي والنقل.

 

باريس وبروكسل والنازحون

ــ يعني إقرار الحكومة للبرنامج الاستثماري في البنى التحتية يتعلق حصراً بمؤتمر <سيدر>؟

– طبعاً، إضافة الى مؤتمر <باريس4> لكن رغم ذلك فالقروض ستكون مشروطة بإصلاحات.

ــ وماذا عن مؤتمر بروكسل المقبل وهل هو مختص بالنازحين وكيف تتصور الحل؟

– صحيح، وبغض النظر عن الخلاف الداخلي بشأن مقاربة هذا الملف، فهناك مصلحة للبلد بأن نطلب من المجتمع الدولي أن يقوم بواجباته تجاه لبنان وبدعمه لاسيما وأنه يستضيف مليون ونصف المليون نازح سوري، وهذه مسؤولية المجتمع الدولي والا يكون قد ساهم في دمار اقتصاد لبنان وأمنه، وبالتالي أمن أوروبا.

ــ هل هناك أرقام عن كلفة النزوح مالياً على لبنان؟

– الدراسات التي قمنا بها، أعطت رقماً تجاوز 10 مليارات دولار والمجتمع الدولي لم يدفع إلا <من الجمل أذنه>، ولذلك نطالب بدعم لبنان إضافة الى دعوة المجتمع الدولي للمساهمة في عودة النازحين الى بلادهم لاسيما مع وجود أماكن آمنة داخل سوريا ولا يجوز انتظار الحل النهائي للعودة لا بل أقول إن إعادة إعمار سوريا ستبدأ قبل إنضاج الحل النهائي.

ــ على ذكر إعمار سوريا، كم هو دور لبنان مهم في هذا الجانب؟

– مهم جداً بقدر ما نحن نستطيع أن نقوم  بدورنا ونحضر أنفسنا للمساهمة في إعمار سوريا، لكن للاسف نحن أبطال تضييع الفرص وإذا لم نحضر أنفسنا بالبنى التحتية وبالإجراءات كبوابة لإعادة إعمار سوريا سنخسر هذه الفرصة.

ــ ماذا عن نتائج مؤتمر روما لدعم الجيش والقوى الأمنية؟

– مؤتمر روما لم يكن هدفه ضخ اموال بل يتألف من شقين: الأول سياسي يؤكد دعم المجتمع الدولي للبنان وحرصه على استقرار لبنان وأمنه وصدر بيان بهذا الخصوص، والثاني هو تقديم مساعدات للجيش والقوى الأمنية شرط أن تتم متابعة الموضوع مع الدول المعنية.

ــ وهل يؤكد المؤتمر من جديد أن لبنان لا يزال تحت المظلة الدولية واستقراره خط أحمر؟

– أكيد حتى إشعار آخر، وهذا واضح من الدول واللاعبين الكبار.

ــ حتى لو حصلت ضربة أميركية ضد سوريا كما يشاع؟

– لا يمكن أن ننام على حرير، لكننا نستطيع القول انه لا توجد <قبة باط> لإسرائيل كي تضرب لبنان، بل توجد حماية دولية رغم أن اسرائيل لا تنصاع للإرادة الدولية، واتكالنا اليوم  على توازن القوى القائم في لبنان ووجود المقاومة.

ــ وكيف ترى إجراء الانتخابات كإنجاز يصب في مصلحة تنشيط الاقتصاد من جهة ويعطي صورة ناصعة للمجتمع الدولي عن ديموقراطية لبنان؟

– الانتخابات مهمة جداً للتأكيد على ممارسة الديموقراطية وتداول السلطة، فإذا لم نقم بها سنكون حتماً أمام مشكلة لأنها تعطي إشارة سلبية للاقتصاد، لكن حصولها هو استحقاق لا بد منه، إضافة الى القوى السياسية بعد الانتخابات تستطيع اتخاذ قرارات جريئة غير شعبية لمصلحة اقتصاد لبنان.

ــ وكيف ترى الإنجازات التي تحققت في عهد الرئيس ميشال عون حتى الآن؟

– ما تحقق هو بداية وهذا مشوار سنكمل به حتى النهاية، بدأناه بإنجازات كبيرة ولكن طموحنا أكبر بكثير وبعد الانتخابات سنكمل بهذا النهج.

ــ يؤخذ على التيار أن تحالفاته الانتخابية لم تكن سياسية بل انتخابية محض حتى انه جمع الأضداد في دوائر ما. بماذا ترد؟

– هذا ليس خطأ ونحن لا ننكر ذلك ونقول إن التحالفات ليست سياسية لأن القانون فرض ذلك عكس القانون السابق، فالشخص بحد ذاته يلعب دوراً مهماً في رفع نسبة تأمين الحاصل للائحة، وبالتالي من الطبيعي التعاون مع أشخاص لتحسين الوضع الانتخابي والإتيان بأكبر عدد من النواب بمنطق معين وليس كيفما كان.