15 July,2020

وزيرة الدفاع حركت ملف التشكيلات فهل يتجاوب مجلس القضاء ويعدّل المرسوم؟

الرئيس ميشال عون…إذا زال تحفظه تبصر التشكيلات النور

 لم يكن في استطاعة رئيس الحكومة حسان دياب أن يعرض في لائحة انجازات حكومته بعد مئة يوم على نيلها ثقة مجلس النواب ومباشرتها العمل، موضوع التشكيلات القضائية التي كان يأمل أن تصدر قبل تاريخ الاحتفال بالأيام المئة الأولى للحكومة، ذلك ان هذه التشكيلات لا تزال تنتظر “الوقت المناسب” لوضعها موضع التنفيذ، والذي لن يكون قريباً إذا لم يحصل أي تعديل عليها، ولو جزئياً، حتى تحظى بموافقة رئيس الجمهوية العماد ميشال عون الذي لا يخفي أمام زواره “صدمته” من الطريقة التي أقر بها مجلس القضاء الأعلى برئاسة القاضي سهيل عبود، هذه التشكيلات وجعلها أمراً واقعاً أمام رئيس الجمهورية، القاضي الأول، وفقاً للعرف…

 إلا أن تطوراً جديداً سُجل الأسبوع الماضي قد يؤشر الى إمكانية إيجاد حل لأزمة التشكيلات إذا ما تعاطى مجلس القضاء بـ”واقعية” مع هذا الملف وقاربه من زاوية تسهيل ولادة مرسوم التشكيلات، بدلاً من التمسك بمواقف قد تجمدها حتى اشعار آخر. وهذا التطور تمثل بطلب وزيرة الدفاع الوطني زينة عكر عدرا من مجلس القضاء الأعلى تصحيح المرسوم المتضمن أسماء القضاة العدليين المنقولين الى القضاء العسكري بعدما تبين أن ثمة 18 قاضياً نقلوا الى القضاء العسكري، فيما ملاك هذا القضاء يتسع لـ12 قاضياً، ما يستوجب سحب 6 قضاة وإعادتهم الى القضاء العدلي. ويبدو أن مجلس القضاء الأعلى وافق على طلب الوزيرة عكر ما يعني أن مرسوم القضاة العدليين سيعدل لتوزيع

رئيس مجلس القضاء الأعلى سهيل عبود…الكرة في ملعبه

القضاة الستة الفائضين على ملاك القضاء العسكري، على مراكز في القضاء العدلي، ما يفسح في المجال لإجراء تعديلات معينة يمكن أن تساهم في إزالة العوائق التي حالت حتى الآن دون صدور مرسوم التشكيلات. ومعلوم في هذا الإطار أن وزيرة العدل ماري كلود نجم كانت فصلت القضاة العدليين وأوردتهم في مرسوم أول، وأدرجت أسماء القضاة العسكريين في مرسوم ثان وذلك تفادياً لأي مراجعة قانونية حول حق وزيرة الدفاع في التوقيع على مرسوم يتضمن أسماء وقضاة عدليين. إلا أن هذه الخطوة، فسرها البعض “عرقلة” لصدور المرسوم الموحد كما كان أحاله مجلس القضاء الأعلى على وزيرة العدل. وقد درست وزيرة الدفاع مبادرة زميلتها وزيرة العدل ورأت في تصرفها عملاً قانونياً، فلم توقع على مرسوم القضاة العدليين، بل درست مرسوم القضاة العسكريين لتكتشف أن عدد أسماء القضاة هو 18 أي أنه يفوق من هم في الملاك المحدد بـ12 قاضياً.

المشكلة ليست في المرسوم!

 وفيما اعتبرت مصادر مواكبة أن خطوة الوزيرة عكر يمكن أن تعيد دمج المرسومين بمرسوم واحد، فإن مصادر قضائية رأت أن المشكلة لا تكمن في مرسوم أو مرسومين، بل هي في صلب مقاربة مسألة التشكيلات القضائية بحد ذاتها على أساس أن مجلس القضاء الأعلى أراد ممارسة “استقلاليته” بشكل كامل، متجاهلاً الواقع السياسي في البلاد من جهة، وملاحظات وزيرة العدل، ومن بعدها ملاحظات رئيس الجمهورية الذي كان يفضل أن يطرح وجهة نظره مع أعضاء مجلس القضاء الأعلى قبل اقرار التشكيلات حتى تكون هذه الملاحظات مسموعة من أعضاء المجلس لاسيما وأن الرئيس عون لم يطالب بأي موقع لأي قاض لكنه طلب في المقابل اعتماد مبادئ المساواة بين القضاة، ونظافة الكف والسمعة الطيبة خصوصاً في المواقع الحساسة، إلا أن الصيغة التي رفعها مجلس القضاء الأعلى لم تراعِ في بعض الأسماء الصفات الرئاسية، الأمر الذي أزعج رئيس الجمهورية، ومن قبله وزيرة العدل، فكان ما كان وتأخر صدور التشكيلات، علماً أن عدم صدورها لا يعني تعطيل العمل القضائي لأن القضاة يتابعون عملهم كالمعتاد في انتظار ما سيتقرر في مرسوم التشكيلات…

 وتقول مصادر مطلعة على موقف بعبدا، إن أكثر ما أزعج الرئيس عون كان صدور تعليقات وهمسات من أعضاء في مجلس القضاء الأعلى عن ان رئيس

وزيرة الدفاع زينة عكر عدرا طلبت تصحيح المرسوم المتضمن أسماء القضاة العدليين المنقولين الى القضاء العسكري

الجمهورية “يعرقل” عمل القضاء، أو أنه يريد “تعطيله” وغيرها من العبارات التي كان وقعها سلبياً على بعبدا. وثمة من تحدث ــ من القضاة أنفسهم ــ عن “الزامية” توقيع رئيس الجمهورية للمرسوم… في حين ان التشكيلات تصدر في مرسوم عادي لا يتطلب موافقة مجلس الوزراء وبالتالي فإن المرسوم العادي هو ما تبقى لرئيس الجمهورية في الدستور بعد تعديلات 1990 تمكيناً له من تحقيق قسمه، واستطراداً فلا مهلة زمنية تقيّد الرئيس كما هو الحال بالنسبة الى المراسيم التي تصدر عن مجلس الوزراء والتي تعطي الرئيس مهلة 15 يوماً فإما يوقعها أو تصبح نافذة إذا لم يردها الى الوزراء. من هنا، يمكن التأكد، وفق المصادر نفسها، أن لا إمكانية لاصدار مراسيم عادية من دون موافقة رئيس الجمهورية وتوقيعه، وأمام مجلس القضاء الأعلى فرصة لتعديل جزئي في تشكيلات القضاة العدليين فيصار بعد ذلك الى رفع المرسوم بصيغته الجديدة ليقترن بتوقيع رئيس الجمهورية لأن القضاة الذين باتوا من الفائض على ملاك القضاء العسكري يجب أن يدرجوا مع رفاقهم في القضاء العدلي. وتنفي المصادر نفسها ان تكون بعبدا على علم مسبق بقرار وزيرة العدل لجهة فصل القضاة العدليين والقضاة العسكريين إذ سبق لوزير العدل السابق جوزف شاوول أن اعتمد في العام 1999 التدبير نفسه، وصدرت يومها التشكيلات القضائية في يومين اثنين.

 في أي حال، ملف التشكيلات القضائية بات على نارحامية بعد مبادرة وزيرة الدفاع، فهل تكتمل الفرحة بتعديل جزئي يزيل تحفظ رئيس الجمهورية فتبصر التشكيلات النور، أم يتمسك مجلس القضاء بموقفه ويعمّق التباعد بين رئيس الجمهورية والسلطة القضائية؟

 يقول معنيون إن ما لم يصدر في الإعلام عن زيارة قام بها رئيس مجلس القضاء الأعلى القاضي سهيل عبود الى قصر بعبدا، فإن التشكيلات القضائية ستبقى معلقة حتى إشعار آخر.