17 October,2019

وزيرة الدفاع الفرنسية سعت في بيروت لتحريك قرض لشراء بوارج وطوافات للجيش بقيمة 400 مليون يورو!

 

لم يكن تفقد القوة الفرنسية العاملة في القوات الدولية في الجنوب (اليونيفيل) السبب الوحيد الذي جعل وزيرة الدفاع والقوات المسلحة الفرنسية <فلورانس بارلي> تزور لبنان الأسبوع الماضي على رأس وفد من كبار ضباط سلاح البحرية الفرنسية تنقلوا معها ومع السفير الفرنسي في بيروت <برونو فوشيه> في لقاءاتها الرسمية التي استهلتها في قصر بعبدا، وأنهتها في الناقورة مع الوحدة الفرنسية العاملة في <اليونيفيل>.

فقد كشفت مصادر ديبلوماسية لـ<الأفكار> ان الوزيرة <بارلي> ركزت خلال لقاءاتها مع المسؤولين اللبنانيين على أهمية التعاون العسكري الفرنسي ــ اللبناني انطلاقاً من حرص الرئيس الفرنسي <ايمانويل ماكرون> على إعطاء العلاقات بين البلدين كل أبعادها، السياسية منها، والاقتصادية من خلال مؤتمر <سيدر> الذي رعته باريس، والعسكرية، مع ادراك باريس ان وجودها في المؤسسات العسكرية والأمنية اللبنانية بدأ يتراجع لصالح الوجود الأميركي من خلال التعاون القائم بين الجيشين اللبناني والأميركي والذي يزداد وثوقاً وتطوراً خصوصاً مع البرامج المشتركة في التدريب، إضافة الى تزويد القيادة العسكرية الأميركية بما تريده القيادة العسكرية اللبنانية من معدات وذخائر طالما ان هذه المعدات لا يزعج توريدها الى لبنان حليفة الولايات المتحدة الأميركية اسرائيل ولا يؤثر على مستوى التسليح العسكري اللبناني الذي يبقى دون الصفر إذا ما قيس الى مستوى التسليح الأميركي للجيش الاسرائيلي. وتريد باريس من خلال دخولها على خط تسليح الجيش اللبناني من جديد، ليس فقط ترجمة العلاقات المميزة اللبنانية ــ الفرنسية، بل كذلك وضع قرارات مؤتمر <روما ــ 2> الذي عقد العام الماضي لدعم القوات المسلحة اللبنانية، موضع التنفيذ، وتشجيع الدول الأخرى على المشاركة في المؤتمر للوفاء بالتزاماتها تجاه لبنان.

 

قرض بـ400 مليون يورو

 

من هنا سعت الوزيرة <بارلي> خلال محادثاتها مع المسؤولين اللبنانيين الى تمرير <الجملة السحرية> في أكثر من مكان: <نريد تعزيز قدرات الجيش اللبناني>، لكنها لم تكتف بذلك، بل صارحت هؤلاء المسؤولين برغبة باريس في تحريك القرض الذي كانت قدمته بقيمة 400 مليون يورو لشراء مروحيات وبوارج تحت ذريعة حماية المنطقة البحرية الاقتصادية في الجنوب اللبناني لتأمين بدء عمليات التنقيب عن النفط والغاز في <البلوكات> المحددة لهذه الغاية، والتي تشترك شركة <توتال> الفرنسية مع شركة <ايني> الايطالية و<نوفاتك> الروسية في الكونسورسيوم الذي رست عليه هذه المهمة الدقيقة في <البلوك 9> الذي يواجه مرحلة دقيقة كونه يقع على الحدود مع المياه الاقليمية التي تحتلها اسرائيل والتي لم تسفر المساعي الأميركية عن أي نتيجة ايجابية بعد للتفاوض على حدودها. ولم تتردد الوزيرة <بارلي> بمصارحة المسؤولين اللبنانيين بأن بلادها على استعداد للبحث في أي <تعديلات> على شروط القرض الذي جُمد البحث فيه منذ قررت المملكة العربية السعودية بعد وفاة الملك عبد الله بن عبد العزيز، تجميد هبة الـ3 مليارات دولار التي كانت قدمتها للبنان بهدف تعزيز قدرات قواه المسلحة. ذلك ان تمويل شراء البوارج وطائرات الهليكوبتر كان جزءاً من الهبة السعودية، وقد فاوض الجانب اللبناني آنذاك مع الجانب الفرنسـي على التفاصيل المتعلقة بها، الى أن صدر القرار السعودي بتجميد الهبة، فتوقف التفاوض، الى أن قرر الرئيس <ماكرون> إعادة تحريك هذا الملف وتحويل التمويل السعــودي المتوقف، الى قرض فرنسي مباشر بين

الدولتين اللبنانية والفرنسية. وفي إحدى الزيارات التي قام بها رئيس الحكومة سعد الحريري الى باريس، طُرح الموضوع مجدداً وأعطى الرئيس الحريري موافقة على قبول القرض.

من المالية الى الدفاع!

وتقول مصادر مطلعة على الملف، ان الرئيس الحريري توافق مع الجانب الفرنسي على بدء مفاوضات مع وزارة المالية اللبنانية في شأن التفاصيل المالية للقرض وطرق التسديد وآليته وعدد السنوات التي سيوزع التسديد عليها، في وقت كان يفترض أن يتم بحث هذا الموضوع مع وزارة الدفاع الوطني وقيادة الجيش تبعاً للاختصاص السياسي والعسكري. وأدى التواصل بين باريس وبيروت عبر وزارة المالية الى تجميد الموضوع لبنانياً، في وقت اعتقد فيه الفرنسيون ان التأخير حاصل من الجانب اللبناني لاعتبارات غير مالية. من هنا أتت زيارة <بارلي> بهدف <استيضاح> أسباب التأخير وابلاغ المعنيين برغبة حكومتها في تقديم <تسهيلات> في عملية تسديد القرض نظراً للظروف الاقتصادية التي يعيشها لبنان حالياً. لكن ما سمعته الوزيرة الفرنسية جعلها تدرك الخطأ الذي ارتكبته ادارتها من خلال تجاهل دور وزارة الدفاع وقيادة الجيش في التفاوض وحصر ذلك بوزارة المال، علماً انها نفت أي مسؤولية لبلادها في هذه المسألة، وحاولت إلقاء تبعة الخطأ في التفاوض على المسؤولين اللبنانيين، وضمناً على الرئيس الحريري من دون أن تسميه.

وتضيف المصادر المتابعة ان لبنان الحريص على التعاون مع الفرنسيين انطلاقاً من العلاقة التاريخية بين البلدين، أبلغ الوزيرة الفرنسية ان القرض الفرنسي الميسّر لشراء البوارج الحربية وطائرات الهليكوبتر، سيتم درسها باهتمام لاتخاذ القرار المناسب في ضوء المعطيات التي ستتوافر للمسؤولين اللبنانيين، علماً ان بيروت كانت تلقت عروضاً لشراء زوارق حربية من ايطاليا، وتظهر مقارنة الأسعار ان العرض الايطالي أقل كلفة من العرض الفرنسي، وهو ما <شعرت> به الوزيرة الفرنسية التي أبلغت الجانب اللبناني ان حكومتها يمكن أن تعيد النظر في أسعار البوارج وطائرات الهليكوبتر بما يتناسب مع القدرة المالية اللبنانية، ويأخذ في الاعتبار ضعف امكانات الخزينة اللبنانية على الالتزام بقرض قيمته 400 مليون يورو اذا لم يكن تسديده مريحاً. وتوقعت المصادر ان يتم الانتهاء من درس العرض الفرنسي قبيل شهر أيلول (سبتمبر) المقبل ليصار الى توقيع الاتفاقية خلال الزيارة التي يعتزم الرئيس <ماكرون> القيام بها لبيروت في أواخر شهر أيلول (سبتمبر) أو بداية شهر تشرين الأول (أكتوبر) المقبلين.

 

<ماكرون> <عاتب>…

وفي هذا السياق، قالت مصادر ديبلوماسية معنية ان الرئيس الفرنسي لا يزال ينتظر اشارات ايجابية لم تصله بعد لتحديد موعد زيارته لبيروت على نحو نهائي، وهو أبلغ بعض الأصدقاء المشتركين انه لا يزال يتطلع الى أن يتجاوب المسؤولون في لبنان مع <الالحاح> الفرنسي لوضع توصيات <سيدر> موضع التنفيذ لأن <ماكرون> يشعر بحرج تجاه قادة الدول الذين شاركت بلدانهم في <سيدر> بطلب فرنسي وقدم المشاركون مبادرات لدعم لبنان بلغ مجموعها 11 مليار دولار. إلا ان التجاوب اللبناني لم يكن على قدر ما توقعه <ماكرون> وسعى إليه، وهو ما جعله <يفرمل> تحركه في اتجاه لبنان فطلب الى ممثل الدولة الفرنسية السفير <دوكين> <التريث> في الحضور الى بيروت، وكذلك فعل وزير خارجيته <جان ايف لودريان> الذي حط في بيروت لساعات للمشاركة في مأتم البطريرك الماروني الراحل مار نصر الله بطرس صفير ولم يلتقِ سوى الرئيس عون ونقل إليه <هواجس ومخاوف> الرئيس الفرنسي من التأخير اللبناني في التجاوب مع توصيات <سيدر>. وفي حين سجلت باريس ارتياحاً <جزئياً> بعد إقرار مجلس الوزراء مشروع موازنة 2019، إلا انها لا تزال تنتظر اقرارها في مجلس النواب لتعرف <شكل> الموازنة ومضمونها وما إذا كانت تلحظ <اصلاحات> تراها باريس ضرورية لإعادة الحد الأدنى من التوازن الى الواقع الاقتصادي اللبناني المترنح. وأكثر ما يطالب به الجانب الفرنسي هو تعيين الهيئات الناظمة لقطاعات الكهرباء والهاتف والنقل الجوي والطاقة، على أساس ان أي تأخير في هذا التعيين يجعل السلطة السياسية ممثلة بالوزراء، مسؤولة عن هذه القطاعات وتحت سيطرتها وهذا ما يرفضه الفرنسيون ويريدون إبعاد السياسيين عن القطاعات الانتاجية كي تعمل من دون تدخل السياسيين ومطالبهم لأنهم ــ أي الفرنسيين ــ يعتبرون ان مكافحة الفساد واعتماد الشفافية وتحقيق الاصلاحات، يبدأ من رفع يد السياسيين عن الادارات والمؤسسات العامة وقطاعات الانتاج في الدولة.