14 December,2018

وزارة مكافحة الفساد باقية في الحكومة العتيدة وآلية ليتناغم عملها مع مؤسسات الرقابة كافة!

 

سواء كانت الحكومة العتيدة من ثلاثين وزيراً أو من 24 وزيراً، فإن رئيس الجمهورية العماد ميشال عون مصمم على أن يتولى أحد الوزراء ملف مكافحة الفساد، وان يكون هذا الوزير من حصته، كما كان حال الوزير في الحكومة المستقيلة نقولا تويني، لأن الرئيس عون يريد من الحكومة العتيدة أن تولي أمر مكافحة الفساد الأولوية، الى جانب اهتمامها بعملية النهوض الاقتصادي ومتابعتها لملف عودة النازحين السوريين الى أراضيهم. وعندما يقرأ الرئيس عون أو يسمع ان الحكومة المستقيلة لم تحقق شيئاً على صعيد مكافحة الفساد، يرد بسرد وقائع عدة حصلت في إطار هذه المهمة التي يعتبرها أساسية، مثنياً على ما فعله الوزير تويني خلال توليه هذه المهام لاسيما وان ما أعلن عنه هو قليل إذا ما قورن بما تحقق، إذ غالباً ما آثر الرئيس عون ومعه الوزير تويني عدم التشهير بمرتكبي مخالفات تصنف تحت خانة الفساد حفاظاً على الحد الدنى من حيثية هؤلاء وتفادياً لتحوّل المسألة الى تشهير فحسب وهو ما لا يرتضيه رئيس الجمهورية ولا يسعى أصلاً إليه، بل الى تصحيح الاعوجاج وضبط المخالفات ووقف الهدر والحد من الرشى والممارسات الفاسدة.

أما ما أنجزه وزير مكافحة الفساد وما يمكن الاعلان عنه، فيأتي في المقدمة مسألة المنطقة الحرة في مطار رفيق الحريري الدولي والتي كان استثمارها يؤمن للدولة نحو 15 مليون دولار أميركي في السنة، ولما تدخل وزير مكافحة الفساد وتمت إعادة النظر في ملف التلزيم، ارتفعت قيمة الاستثمار الى 110 ملايين دولار في السنة، وقد تم ذلك بعيداً عن التشهير أو الدعاية أو الاستغلال. كذلك <أحبط> وزير مكافحة الفساد، بإشراف مباشر من رئيس الحكومة، عملية تلزيم بناء سجن في إحدى مناطق الشمال بعدما تبين ان قيمة التلزيم <منفوخة> ولا تأتلف مع الواقع والكلفة الحقيقية فتم إلغاء الصفقة ما وفّر على الخزينة مبالغ مالية كانت ستتجاوز الـ250 مليون دولار!

أما الملف الأكثر إثارة فكان ملف التلاعب بأسعار البنزين الذي تدعمه الدولة إذ تبين ان ثمة كمية من البنزين تُقدم مجاناً قياساً الى كمية الاستهلاك الكبيرة في لبنان، إلا ان البعض يلجأ الى بيع هذه الكمية من دون أي خفض على القيمة الأساسية للكميات كلها، مستفيداً بذلك من سعر البيع مضافاً إليه قيمة الكمية المجانية، من دون أن يدفع أية رسوم تستحقها الخزينة. وبعد <ضبط> هذه المخالفات حصل ضغط كبير من الجهات المستفيدة، لكن المضي في الملاحقة حتى النهاية حقّق ريعاً للخزينة كانت تخسره منذ سنوات. وتضاف الى هذه <الانجازات>، حالات مماثلة يفضل الرئيس عون، ومعه الوزير تويني، عدم الكشف عنها لعدم التشهير بمرتكبيها، خصوصاً ان بعض هؤلاء أعاد الى الدولة أموالاً كان حصل عليها بصورة غير شرعية أو من خلال عمليات بيع وهمية. ولولا وقوف بعض <الفاعلين> في وجه فتح ملف كبير يطاول عمل مؤسسة كبرى لكان تحقق إنجاز آخر يوفر على الخزينة أموالاً كثيرة.

 

تصحيح حالات شاذة

 

وضبط الفساد لم يقتصر فقط على وقف صفقات أو <تصحيح> استثمارات للدولة، بل تعدى ذلك الى الطلب من وزارات ومؤسسات عامة تصحيح حالات شاذة سُجلت فيها وانتهت الى إحالة مرتكبين الى التفتيش المركزي، ومنهم من أحيل الى الهيئة العليا للتأديب فصدرت أحكام وقرارات ولا تزال أخرى قيد التحقيق نظراً لتشعب المتورطين فيها. وتتحدث مصادر مطلعة عن ان بعض المهمات التي قام بها سياسيون ضد الرئيس عون وطاولت الوزير تويني، تقف وراءها جهات <انقطع رزقها> من جراء اجراءات معينة اتخذت بمبادرة من وزير مكافحة الفساد وبعد موافقة رئيس الجمهورية. أما الملفات التي أحيلت الى المدعي العام المالي القاضي علي ابراهيم فهي كثيرة أيضاً، إلا ان سلامة التحقيق فرضت عدم الإشارة إليها أو الاعلان عنها في وسائل الإعلام. وتقول هذه المصادر ان <العمل الصامت> في مكافحة الفساد يبقى أفضل بكثير من الضجيج الإعلامي، لاسيما في بلد مثل لبنان يتمتع المرتكبون فيه بحمايات إما سياسية أو حزبية أو… طائفية.

وتؤكد المصادر نفسها ان الرئيس عون مصمم على أن تكون وزارة حكومة الفساد في الحكومة العتيدة فاعلة ومؤثرة في آن، وثمة آلية يعمل على اعدادها تجعل مؤسسات الرقابة الادارية، والقضائية والمالية على تناغم مع الوزارة والوزير، لأن الوزير تويني يقر انه جوبه بالكثير من الاعتراضات والتدخلات خلال عمله أثرت على الانتاجية، وإن كانت ملفات عدة وضعت على السكة والتي يفترض أن تكون طريقها <سالكة وآمنة> خلال عمل الحكومة العتيدة لأن ملف الفساد فُتح ولن يقفل مهما كانت الصعوبات، وما كان بالأمس صعباً ومستحيلاً، سيصبح ممكناً ولو أخذ ذلك وقتاً لأن <عناد> الرئيس عون في هذا الإطار لا يقابله أي <عناد> آخر من أي جهة أتت، ودور المؤسسات الدستورية والقضائية مهم جداً خصوصاً بعد اقرار قانون في مجلس النواب الذي يحمي من يكشف عن فساد أو رشى على مختلف المجالات.