21 September,2018

وزارة الـمـــــال أصـبـحـــت زيـنـــــة الـحـيـــــاة الـدنـيـــــا وعـقـبـــة فــي اطــــلاق الـحـكـومــــة الـجـديـــــدة!

 

بقلم وليد عوض

geagea-berry

لقد طفح الكيل. العبارة للجنرال <شارل ديغول> وهو يتسلم رئاسة فرنسا بهذا الكم من المشاكل في فرنسا والعالم. والعبارة نفسها يمكن أن تنسحب على الرئيس اللبناني العماد عون الآتي من السلك العسكري مثل <ديغول>.

فالمشاكل في لبنان والمنطقة أكثر من أن تحصى، والعالم بعد فوز <دونالد ترامب> برئاسة البيت الأبيض أصبح ثنائي القطبية، مثلما كان في زمن الاتحاد السوفييتي الذي كان يتنازع زعامة العالم مع الولايات المتحدة. وأهم مشكلة يواجهها لبنان على ارضه هي أفواج النازحين السوريين الذين تجاوز عددهم المليون ونصف المليون انسان.

وإذا كان النازحون السوريون الى كندا قد وصل عددهم الى 300 ألف نازح، وترى فيهم حكومة كندا زيادة مرغوبة لعدد السكان، وورش العمل، فإنهم في لبنان عبء اقتصادي كبير، لأنهم يوازون نصف سكان لبنان تقريباً، وليس لهم دور في انعاش الاقتصاد اللبناني كما الحال في كندا، ولبنان صامت عنهم حتى الآن بانتظار الفرصة المناسبة، لأنهم يتلقون عبر الحكومة اللبنانية مساعدات مالية وغذائية من دول العالم.

ويطل الرئيس عون على سنة 2017 ومعه لائحة من المتاعب أورثته إياها سنة 2016. وأهم هواجس سيد القصر الجمهوري هو تثبيت دور لبنان كوسيط وازن في المحيط العربي. وقد رفدته التهاني بالرئاسة من كبار القادة العرب، مثل الملك سلمان بن عبد العزيز عاهل السعودية والرئيس المصري عبد الفتاح السيسي، وأمير دولة الكويت الشيخ صباح الأحمد، ورئيس دولة قطر الشيخ تميم بن حمد آل ثاني، وملك البحرين الشيخ حمد بن عيسى آل خليفة، وأرسل إليه الرئيس السوري بشار الأسد وزير رئاسة الجمهورية منصور عزام الى قصر بعبدا ليحمل إليه تهنئة الرئاسة السورية.

والسؤال الذي يطرحه الرئيس عون على نفسه وعلى مستشاريه هو: كيف ستكون علاقة الرئيس الأميركي الجديد <دونالد ترامب> بلبنان، وهل ستستمر لامبالاة البيت الأبيض بقضايا لبنان؟!

الدكتور وليد فارس ابن لبنان ومستشار الرئيس <ترامب> ومستشار الكونغرس في آن، هو العنصر المتكل عليه لشرح ملابسات القضية اللبنانية، بدءاً من الضغط الحاصل الذي يمثله النازحون السوريون بعددهم الهائل في لبنان. وقد جاءت ملامح من رأي الرئيس <ترامب> في هذا الموضوع، حين انتقد سياسة الرئيس <أوباما> في التعاطي مع الأزمة السورية من حيث تشجيع واشنطن للمعارضة حتى تقاتل النظام السوري، ومن شأن ذلك أن يخلق صداماً بين الولايات المتحدة وروسيا التي تبسط نفوذها فوق سوريا، وان القضاء على تنظيم <داعش> أهم من التفكير في إزاحة بشار الأسد.

 

<ترامب> و.. لبنان!

 

وحسناً فعل الرئيس المكلف سعد الحريري حين اتصل بالرئيس <ترامب> مهنئاً بالرئاسة، ومبدياً استعداد لبنان لإقامة أفضل العلاقات مع الولايات المتحدة، وبذلك جعل لبنان على أجندة الرئيس <ترامب> حياً يرزق، وعلى صورة مختلفة عن تلك التي كانت في زمان الرئيس <أوباما> الذي أضاع الفرصة تلو الفرصة في التعاطي مع العرب.

وليس صحيحاً ان الدول الخليجية تنظر بالشك والريبة الى الرئيس الأميركي الجديد، ولا تريد أن تمحضه ثقتها، وليس أدل على ذلك من مقال كتبه الصحافي السعودي عبد الرحمن الراشد المقرّب من الملك سلمان بن عبد العزيز حيث كتب بالحرف: <ما يقال عن مواقف <ترامب> من الاسلام أو السعودية، وحتى المتاجرة بالمصالح في العلاقات، كلها غير حقيقية>. وأستبعد أن يحمل <ترامب> مواقف مسبقة يبني عليها سياساته>. و<ان دول الخليج ستتطلع لأن تلعب دوراً مؤثراً مع حكومة <ترامب> في معالجة الأوضاع الاقليمية، ولطالما قامت بمثله في العقود الماضية، دون اللجوء الى الحلول العسكرية>.

ثم هناك الفجوة الجديدة في العلاقات الأميركية ــ الإيرانية لمصلحة الدول الخليجية، وتتمثل بالحملات التي شنها <ترامب> في معركته الانتخابية على الاتفاق الأميركي النووي مع إيران، واعتبره كارثة، وحالة عدم تكافؤ في العلاقات بين البلدين، وهذا ما يجعل سيد البيت الأبيض الجديد يميل فعلاً الى تعديل الاتفاق النووي مع طهران، بحيث لا تسرح إيران وتمرح في الوسط العربي بدءاً من اليمن والعراق والبحرين وسوريا ولبنان، بل تأخذ حجمها الطبيعي في العلاقات مع العالم الخارجي. ووزير خارجية إيران <محمد جواد ظريف> يقول بعد مجيء <ترامب> ان العبث بالاتفاق النووي رقم 2231 لن يصل الى نتيجة..

بصريح العبارة تقضي سياسة الرئيس <ترامب> ان تنسجم مع حملته الانتخابية، ولا يترك الشرق الأوسط ساحة سداح مداح لإيران. ومن هذا الباب تقوم الديبلوماسية الخليجية على انتظار العشرين من كانون الثاني (يناير) المقبل، موعد تسلم <ترامب> مقاليد الرئاسة رسمياً، حتى يبدأ التخاطب الجدي معه، على أنقاض سياسة سلفه الرئيس <أوباما> التي لم تحل مشكلة من مشاكل الشرق الأوسط بل تسببت في مجيء الدب الروسي الى المياه الدافئة لشواطئ البحر الأبيض المتوسط، والتورط في حرب باردة جديدة.

 

hariri-marathonوزير علوي؟ لا!

 

وسياسة الرئيس عون هي سياسة مجلس الوزراء مجتمعــاً، كمـا نص اتفـاق الطـــــائف في نقــــل السلطـــــة الرئاسيــــة التي كانت تعين الوزراء وتختــــار رئيسـاً منهـــــم. وهــذا يقتضي أن تكون حكومة الرئيس سعد الحريري في حالة انسجام كاملة مع توجهات الرئيس عون، فلا يتكرر تضارب الآراء بين الوزراء، وهذا ما أبعد التشكيلة الحكومية عن الثلث الضامن، والوزير الملك، وهما الحالتان اللتان أدتا الى سقوط حكومة الحريري عام 2011 بينما كان يخطو الخطوة الأولى الى مبنى البيت الأبيض، فتعذر دخوله البيت الأبيض كرئيس وزراء ممارس، وأصبح رئيس وزراء سابقاً حسب البروتوكول.

وكل ذلك جرى أخذه بعين الاعتبار عند الرئيس الحريري وهو يختار الوزراء كما هي لعبة الكلمات المتقاطعة. وقد ورد اقتراح بأن تكون الحكومة من اثنين وثلاثين وزيراً، بحيث تضم وزيراً علوياً يختاره الشيخ أسد عاصي، لكن الرئيس الحريري تمنع عن قبول هذه الصيغة، مع كامل الاحترام للطائفة العلوية الكريمة، لأن وجود وزير علوي يعني إيجاد ظل للرئيس بشار الأسد في الحكومة الحريرية. ومن خلال المداولات التي أخذت مجراها قدم الرئيس عون نموذجاً جديداً لرئيس الجمهورية يحرص على احتواء جميع الأطياف اللبنانية، وما الوزير فيصل كرامي الذي اختاره من حصته الوزارية كممثل عن الطائفة السنية في طرابلس إلا البرهان والدليل.

الطريق محفوفة بالأشواك. هذا صحيح. المرحلة نفاثة في العقد؟! هذا صحيح. إلا ان الحرص على الوحدة الوطنية هو السلاح لاجتراح المعجزات. والشاهد الآتي على ذلك هو القانون الجديد المطلوب لانتخابات أيار (مايو) 2017. فتسهيل الولادة الطبيعية لا القيصرية لهذا القانون هو الاندفاعة لنشوء لبنان جديد يعكس درجة الرقي التي بلغها أبناؤه، وخصوصاً إذا كان قانوناً على أساس النسبية، وهذا ما يجعل الرئيس نبيه بري يقول في مجالسه ان قانون النسبية قد يمنع وصول بعض نواب حركة <أمل> الى البرلمان الجديد، ومع ذلك فاصلاح شأن المجتمع السياسي والوطني أهم من أي اعتبار.

 

نحن والعالم الخارجي

 

ويجب أن نتنبه الى ان العالم الخارجي يتابع طريقتنا في ممارسة الديموقراطية، وبهذا المفهوم يشجع الرئيسان ميشال عون وسعد الحريري ورئيس القوات اللبنانية سمير جعجع مبدأ المداورة في الحقائب الوزارية، فلا تكون الحقيبة حكراً على طائفة أو حزب، بل تختبر كفاءات كل الأطياف اللبنانية، وفي لبنان من الكفاءات ما يكفي ويزيد.

إلا ان للرئيس نبيه بري وجهة نظر أخرى، ذهاباً من مؤتمر الطائف الذي أفتى بأن يكون للطائفة الشيعية الكريمة توقيع على المراسيم الجمهورية ولا يكون التوقيع حكراً على الطائفة المارونية الممثلة في رئيس الجمهورية، والطائفة السنية الممثلة في رئيس الوزراء، وهذا ما يجعل الرئيس بري متمسكاً بهذه الميثاقية وحريصاً على إعطاء حقيبة وزارة المال الى شيعي على أساس انها الحقيبة الوزارية الوحيدة التي تسمح للوزير الشيعي بأن يضع توقيعه على المراسيم.

ولرئيس القوات اللبنانية رأي مختلف إذ ان توقيع الوزير الشيعي مكفول في المراسيم ذات الاختصاص مثل وزارة الأشغال، أو وزارة الطاقة، أو وزارة التربية عندما يكون هو الوزير، وليس من المنطق في شيء أن يكون هذا التوقيع محصوراً في وزير المال الشيعي، مثل الوزير علي حسن خليل الذي مارس عمله الوزاري بأعلى درجات الرقي، ولكن هذا الرقي لا يعني تمليك وزارة المال لطائفة أو حزب. فسند التمليك قد يشمل شقة، أو شركة، أو عقاراً، ولكن لا يجوز أن يشمل وزارة. وكان المخرج أن يعطى جعجع ثلاث حقائب وزارية كجوائز ترضية.

ولعل هذا الموقف المتضارب بين الرئيس نبيه بري والدكتور سمير جعجع، ورئيس حزب الكتائب سامي الجميّل هو الذي يؤخر تشكيل الحكومة قبل حلول عيد الاستقلال يوم الثلاثاء المقبل، وفي نظر جعجع والجميّل ان أي استقلال سيكون منقوصاً إذا لم يشمل الاستقلال في مداورة الحقائب الوزارية.

والأمر على كل حال في حاجة الى تضحية… وطنيــــة حتى لا تكون وزارة المال وحدهــــا زينــــــة الحياة الدنيا!