19 November,2018

وحــدهــــــا جـلـســـــــة لـمـجـلــــــــس الـــــــــــوزراء فـــــــي ســــــراي طـــــــرابـلـس يـمـكـــــن أن تـنـعــــــش الـمـديـنـــــــة!

 

بقلم وليد عوض

ما دامت السياسة في إجازة والتشريع في علم الغيب، فلن يستطيع لبنان أن يتنكر لمصنع ثروته الأولى التي هي السياحة وجلب الزائرين الى هذا البلد كما يفعل الأردن وقبرص اليونانية وتركيا وايطاليا. فقد عاش لبنان أيام عز زمان المفوض ميشال توما الذي كان مكتبه في شارع الصنائع وكان يطلب من الدوائر المختصة إحصاء الطائرات التي تمرّ في سماء لبنان، وقد تنبّه رئيس ديوان المحاسبة أحمد الأحدب لغياب  السياحة فاستأجر باخرة أنيقة حشد فيها نخبة من شخصيات البلد، وقد طافت الباخرة في أرجاء البحر وأقيمت على متنها حفلة راقصة.

وقد اندفع في هذا السبيل عدد من مشاهير البلد، وفتح الباب لزيارات شخصيات أجنبية دُعيت لزيارة لبنان، وتلقف المبادرة المحامي فيكتور موسى منشئ <كازينو لبنان>، واستطاع استقدام المغني العالمي <جوني هاليداي>، وكان كمال جنبلاط وزيراً للداخلية وكان متعصباً للفضيلة، وأصدر أمراً بإخراجه من لبنان.

وكان الأمير مجيد أرسلان طيب الله ثراه يفكّر في إنشاء الكازينو على أرض خلدة ولكن الرئيس كميل شمعون اكتشف أن جرود كسروان هي الأجدى للمشروع. وهكذا كان، وقد استطاع فيكتور موسى استقدام أشهر فناني العالم، وهكذا كان لبنان مسرحاً لأصوات أهل الفن ومرتع الغيتارات و<التشيلو>.

ملاحظة طه حسين

 

لقد ظل لبنان منارة فنية للشرق الأوسط وصدر اقتراح من الأديب الكبير طه حسين بنقل عاصمة الفن العربي الى بيروت. وصادفت هذه الدعوة مع انتشار أعمال الفنانين العرب، فكان للموسيقار محمد عبد الوهاب مقام متميز في عام 1946 عندما قام بتصوير فيلمه <دموع الحب> في فندق <ضهور الشوير>، وقامت أم كلثوم بإحياء عدة حفلات غنائية في مسرح <التياترو الكبير>، وشاءت ظروف التصادم بين الموسيقار فريد الأطرش ومصلحة الضرائب، في هجرة عابرة للرجل الى لبنان، واضطر الفنان عبد السلام النابلسي الرحيل الى لبنان بعدما تفاقمت مشاكله مع الضرائب ولم تفلح محاولاته لتخفيضها.

والمخرج هنري بركات وبسبب صدامه مع مصلحة الضرائب أيضاً نزح الى بيروت وأقام في مكتب عند شارع الحمراء في مبنى مخصص لبيع المفروشات. وقد أدرك الرئيس جمال عبد الناصر خطأ الصدام مع مصلحة الضرائب فطلب تخفيض الإجراءات مع الفنانين والتجار أصحاب الدخل المتنقل وأعادهم الى القاهرة.

هذا عن الفن، فماذا عن السياسة؟ لقد جعل الخواجة هنري فرعون قصره في منطقة زقاق البلاط لنجوم السياسة والفن في العالم، واستضاف رئيس الكونغو <ليوبولد سولد سنغور>، كما كان قصر <سرسق> في الأشرفية مضافة لمشاهير أهل الفن مثل <شارل أزنافور>، كما استضاف أسمهان في الحازمية قبل وفاتها عام 1944، وهناك <التياترو الكبير> الذي استضاف أم كلثوم وعبد الوهاب ومنيرة المهدية، بحيث كانت

بيروت أم الدنيا الفنية.

هذا الماضي الجميل يكاد يضيع في زحام الخلافات السياسية التي تعصف في البلاد وتعطل تشكيل الحكومة على مدى أكثر من عشرة أشهر، ومن لا يتطلع بعينيه وذاكرته الى الماضي لا يمكن أن يكتشف المستقبل. وما أمسكت بجريدة تصدر في القاهرة أو لندن إلا وطالعتك أخبار لبنان في الصفحات الأولى، وهذا بحد ذاته سيئ بالنسبة الى مجرى الحياة في لبنان. فبلادنا الآن ليست مرتعاً لأهل الفن، بل هي حلبة تصارع سياسي بين كتلتين مسيحيتين هما: القوات اللبنانية التي يترأسها الدكتور سمير جعجع، وتيار <لبنان القوي> الذي يترأسه وزير الخارجية جبران باسيل، وينضم الى المعركة الأمير طلال أرسلان حليف تيار <لبنان القوي> الذي يشد خيوطه في كل مناسبة. وفي تعاطيه مع تيار <لبنان القوي> لا ينطلق من ضرورة درزية، بل من واقع جبل لبنان. فما كان الجبل إلا نسيجاً مسيحياً في الدرجة الأولى، ولكن هذا النسيج تعطل مع ظهور القطب الدرزي وليد جنبلاط زعيم المختارة واستثمار صداقته مع الروس. وما سفر تيمور جنبلاط الى موسكو في الأسبوع الماضي ولقاؤه <ميخائيل بوغدانوف> نائب وزير الخارجية الروسي إلا محاولة لتفعيل جسر العلاقة بين الحزب التقدمي الاشتراكي وروسيا، ولا يمكن اعتبار رحلة تيمور جنبلاط الى موسكو مجرد زيارة بروتوكولية، فهي في الأساس للضغط على السفير الروسي في بيروت <الكسندر زاسبكين> حتى لا يدخل في عباءة الأمير طلال أرسلان والتعاطي مع الشأن الدرزي بالعدل والمساواة والنظر بعطف خاص لمنطقة السويداء المنكوبة.

 

جنبلاط وأرسلان

 

ويجهد الأمير طلال أرسلان حتى يكون متمثلاً في الحكومة المقبلة اذا تألفت بالنائب السابق مروان أبو فاضل نجل النائب المرحوم منير أبو فاضل. وأغلب الظن أن هذه التسوية ستأخذ مجراها فلا يكون الأمير طلال أرسلان خارج الحكومة بل يكون من أعمدتها ومن عظام الرقبة.

ويتهم الجانب الأرسلاني وليد جنبلاط بمحاولة السيطرة على التمثيل الدرزي والإصرار على توزير ثلاثة وزراء بينهم مروان حمادة وزير التربية والتعليم، بينما يحاول الأمير طلال أرسلان أن يكون له تمثيل درزي في منطقة جبل لبنان بدءاً من بعقلين.

وفي هذا الدوار يحار الرئيس ميشال عون كيف يتصرف. هل يمد جسوره الى وليد جنبلاط فيكون الحالة الثانية بين الرئيس الراحل كميل شمعون وقائد الجيش اللواء اميل البستاني. أي أن تأييد الجيش أكثر من ضرورة لإطلاق العربة الجنبلاطية أو محاولة مد اليد الى المؤسسة العسكرية حتى تكون الزنار الوطني والأهلي للعمل السياسي. والرئيس سعد الحريري يحار هو الآخر كيف يتصرف مع هذه الأزمة رغم حصوله على التأييد القوي في كل ما يعود الى الدروز، وهكذا اصبحت المعركة مسيحية من جهة القوات اللبنانية والتيار الوطني الحر، ودرزية من جهة الأستاذ وليد جنبلاط والأمير طلال أرسلان.

ولا يمكن فصل طرابلس عن المعركة لأن هناك إهمالاً للمطالب الخاصة بالمدينة مثل الاقتصاد البري والبحري. ويرفع راية هذه المطالب الرئيس نجيب ميقاتي وحزب <العزم> الذي يتزعمه بدءاً من ميناء طرابلس الذي يتوق الى نهضة عمرانية تنتشل الأسواق من وهدة العدم،  وتريح صيادي الأسماك الذين ما زالوا يعتمدون على أساليب الصيد القديم. والمهم أن تدخل وزارة الاقتصاد على الخط وتزوّد الصيادين بالمزيد من وسائل الصيد وتوزع عليهم السترات الواقية لأن موج البحر عالٍ في هذه الأيام، فلا بد أن تمتد يد وزارة الاقتصاد ووزارة الزراعة الى حملة الشباك لتساعدهم على جمع الثروة السمكية وخصوصاً سمك السلطان ابراهيم.

أما الأسواق فلها رب يحميها من الكساد والتراجع. وقد طلبنا غير مرة في هذه المجلة أن ينعقد مجلس الوزراء ذات مرة في سراي طرابلس من أجل معاينة وتمرير المشاريع الإنشائية العائدة الى طرابلس والميناء والقلمون.

الى هذا الاجتماع نطمح، والى هذا الإجراء نتوق، حتى ترفع طرابلس عن نفسها عباءة الإهمال واسمال الماضي وتنفتح على عهد تكون فيه للرئيس نجيب ميقاتي والنواب سمير الجسر ومحمد كبارة وفيصل كرامي آفاق العبور الى مستقبل واعد لا تعود فيه طرابلس المدينة المظلومة المهيضة الجناح.

وهنا تتحرّك السياسة والمطالبة بتفعيل الاقتصاد ورفع منسوب الانتاج استعداداً للاهتمام بسوق سوريا الذي سينفتح على مصراعيه ويكفل لطرابلس حركة التصدير والاستيراد خصوصاً وأن هناك غرفة التجارة التي يتولاها توفيق دبوسي تعد نفسها لاكتشاف كل جديد.