14 November,2018

وجــــــــــــــع الـمـوارنــــــــــــــة  

بقلم سعيد غريب

SAM_5208

الوجع تآلف مع الجسم الماروني وينخره حتى أخمص قدميه منذ العام 1982 تاريخ استشهاد الرئيس المنتخب بشير الجميل، ولم تعد تنفع العمليات العشوائية ولا الأدوية المهدئة في غياب الرؤية المارونية، وضعف الاقتصاد الماروني، وتالياً تقلص الدور الماروني على المستويات كافة…

الوضع الماروني أصاب كل القيادات تقريباً وكل الرؤساء تقريباً باستثناء ثلاثة رؤساء انتهت ولايتهم وليس فيهم شيء من نهايتهم وهم: فؤاد شهاب، شارل حلو والياس سركيس.

والمفارقة القريبة من الدهشة أن اثنين من هؤلاء لم يرزقا أولاداً والثالث لم يتزوج، أليست لافتة هذه الملاحظة؟! واللافت في مسألة ما آل إليه الوضع الماروني عموماً ما قاله الوزير الراحل العليم والفهيم فؤاد بطرس لمعاونيه في وزارة الخارجية قبيل وصول الشيخ بشير الجميل الى الرئاسة وأورده في كتابه المذكرات: <قلت لهم إن بشير سينتخب رئيساً على رغم محاولات العرقلة التي يقوم بها شقيقه أمين في أكثر من اتجاه، على حد تعبيره، وسيعيّن حكومة فاعلة وقادرة على إدارة شؤون البلاد>، ولكنني، <لن أقبل بأن أكون وزيراً للخارجية فيها لأن السياسة الخارجية ستكون متأثرة بإسرائيل، ولأن الحكم سيكون أقرب الى الديكتاتورية، وستكون التداعيات باهظة على المسيحيين على المدى الطويل وستنال تدريجياً من موقع رئاسة الجمهورية المارونية التي ستصبح سلطتها مع الوقت شكلية، وقلت إنني سألتزم الصمت خلال السنة الأولى من عهد بشير الجميل على أن أنبري للمعارضة اعتباراً من العام الثاني، إذا اقتضى الأمر الى جانب زعيم ماروني يجب أن نخلقه لأنه ليس موجوداً في الوقت الحاضر>…

سقط بشير وانتهى الحلم الماروني ولم يستطع الموارنة خلق زعيم جديد وخسروا بفعل نزاعاتهم وحروبهم الجمهورية الأولى بكاملها تقريباً، ومن غير المستبعد أن يخسروا الجمهورية الثانية في حال استمرت معاركهم وتهديداتهم وعشوائيتهم بتعطيل ما تبقى من نظام..

كانت الرؤية لدى فؤاد بطرس ثاقبة، ولكن وزير الديبلوماسية الراحل لم يخطر بباله للحظة وفي عز الحروب في لبنان وعليه، أن يصل وقت يسهم فيه الموارنة في تعطيل انتخابات الرئاسة المارونية، وهو العارف أن الزعماء الموارنة لا يلتقون إلا مرة واحدة تحت سقف بكركي ولا يخططون إلا لإلغاء بعضهم البعض.

إن القادة الموارنة، مدعوون اليوم أكثر من أي وقت مضى وقبل فوات الأوان الى الحرص الشديد على الميثاقية بانتخاب رئيس للجمهورية لأنه الركيزة الأساسية من ركائز هذه الميثاقية ولأن استعادة حقوق المسيحيين تبدأ من رأس الهرم.

المطلوب قادة موارنة أساتذة ومعلمون في إنهاء الخصومات.

المطلوب الياس سركيس جديد يقول لفؤاد بطرس جديد قبيل انتهاء ولايته: <لا أريد أن أسمع شيئاً عن تمديد ولايتي، حتى لو اقتنعت بأنني سأجد حلاً للأزمة اللبنانية في الرابع والعشرين من أيلول/ سبتمبر>، أي بعد يوم واحد من انتهاء الولاية..

المطلوب قراءة مذكرة عمرها خمسة وثلاثون عاماً من الخارجية الاميركية الى الخارجية الفرنسية حول الأزمة اللبنانية سُلّمت الى الرئيس الياس سركيس وتضمّنت انتقادات شديدة لمن أسمتهم <الأمراء الذين يحكمون لبنان ويتحكّمون به ويريدون العودة الى حكمه والتحكّم به..>.

وشاطرت الخارجية الأميركية زميلتها الفرنسية الرأي في ضرورة تغلّب الرئيس الياس سركيس على مرحلة حكم هؤلاء الأمراء وأن يوقف ما أسمته المذكرة الأميركية <تدليع الأمراء الزعماء>.

تلك المذكرة في حاجة الى القراءة اليومية، فما كان مطلوباً قبل خمس وثلاثين سنة لا يزال مطلوباً اليوم. هي بعد هذا التاريخ الطويل تتكلم والناس بعد خمس وثلاثين سنة تتألم…

هذا هو الرهان اللبناني على الرئيس العتيد وعلى الجيش اللبناني القوي، وهو رهان لا بديل عنه حتى عند المعارضين أو بعضهم الذين لا يزالون يقدمون مصير لبنان على أي اعتبار آخر.

أما قدر لبنان الحالي، فهو أن يكون رئيسه غير عادي لمرحلة غير عادية أصبح فيها الخطر على المواطن والوطن شيئاً عادياً ويومياً.

وقدره مع رئيس جديد، أن يعاند ويرفض كل أشكال الضغوط التي يمكن أن تجعل الاستقلالية تولد ناقصة حتى لو كان العناد مكلفاً.

إن المرحلة الحرجة التي يمر بها لبنان تتطلّب شخصية مارونية عالمة وعليمة، مثقفة ومتعلمة، ذكية وهادئة، تتعاون مع حكومة تسبق الناس في مباشرة الحكم، والبـــــــلاد بحاجـــــــة الى حكــــــم لا يكون هو مشكلتها الاولى، الى حكم لا يكون موضع شك ولا موضع تشكيك أو قلق.

إن عودة الرئيس سعد الحريري ولو متعباً تشكل مرحلة جديدة من مراحل المحاولات الداخلية لانتخاب رئيس استبشر بها العونيون خيراً.

والسؤال المهم يبقى: هل ثمة ضوء أخضر اقليمي – دولي في الأفق للسير في الانتخاب؟

من انتظر سنتين يمكنه الانتظار أسبوعين، فإما رئيس وإما عواصف…