19 November,2018

”وثيقة بعبدا 2017“ خارطة طريق لأكثر من 11 شهراً والعبرة تبقى في التزام رؤساء الأحزاب بتنفيذها!

مجلس الوزراء التأم في بعبدا.. قانون الانتخاب على جدول الأعمال (1)عندما وجه رئيس الجمهورية العماد ميشال عون الدعوة الى اجتماع في قصر بعبدا يحضره رؤساء الأحزاب المشاركة في حكومة الرئيس سعد الحريري لاطلاعهم على تصوره لمرحلة ما بعد اقرار قانون الانتخاب، كان همه ليس فقط التشاور مع رؤساء الأحزاب عما ستكون عليه الحياة السياسية خلال الأشهر الـ11 من عمر المجلس النيابي الذي مُدد له للمرة الثالثة، بل الخروج باتفاق على ضرورة تفعيل عمل المؤسستين الدستوريتين، أي مجلس النواب ومجلس الوزراء، لئلا تمر الأشهر الـ11 حتى موعد الانتخابات النيابية المقبلة في 6 أيار (مايو) 2018 ــ مبدئياً ــ كما مرت الأشهر الستة الأولى من ولاية الرئيس عون الرئاسية. ذلك ان رئيس الجمهورية الحريص على أن يكون عهده منتجاً وفاعلاً خصوصاً في المسائل التي يتمناها اللبنانيون ويعملون لتحقيقها، لا يرغب في أي يستمر الشلل في مجلس النواب بعد التمديد التقني له، أو أن يكون عمل مجلس الوزراء محصوراً في تصريف الأعمال وإقرار مواضيع غير أساسية في ظل وجود هذا الكم الهائل من المسائل العالقة التي تتطلب قرارات ومتابعة وتنفيذ. من هنا اقتصرت الدعوة على رؤساء الأحزاب المشاركة في الحكومة لأنها ممثلة أيضاً في مجلس النواب، وكما تملك الأكثرية المرجحة في مجلس الوزراء، كذلك لها التأثير نفسه في مجلس النواب، بمعنى ان الاتفاق على مسألة ما في مجلس الوزراء يجب أن ينسحب مباشرة على موافقة مجلس النواب لأن أركان الأكثرية هم أنفسهم في الحكومة والمجلس.

وانطلاقاً من هذه المعطيات حرص الرئيس عون على ابلاغ الجالسين حوله في قصر بعبدا ان ورقة العمل التي قدمها إليهم لدرسها والموافقة عليها تبقى خارطة طريق لعمل المؤسسات الدستورية، واستطراداً فإن لقاء بعبدا لن يكون لا طاولة حوار جديدة ولا بديلاً عن مجلسي النواب والوزراء، بل هو مساعد فاعل للمؤسستين الدستوريتين، وهو إذا نجح في الانعقاد بمشاركة جميع المدعوين إليه، فإن اكتمال النجاح يكون في الالتزام بما سيقرر فيه لأن الرئيس عون لا يرغب بأن تكون <وثيقة بعبدا 2017> التي صدرت عن الاجتماع، ورقة جديدة تضاف الى أوراق أخرى أعلنت في مناسبات مماثلة. وبدا واضحاً ان المجتمعين على الطاولة الرئاسية أدركوا رغبة الرئيس عون والتزموا في الداخل، كما أمام الإعلام، بضرورة العمل لترجمة <الوثيقة> الى أفعال، كل في موقعه، لاسيما وان بنود الوثيقة لا تخرج عن ثوابت ومبادئ تم التزامها في وثيقة الوفاق الوطني التي انبثقت عن اتفاق الطائف، ثم أدرجت في الدستور وباتت جزءاً منه، وصولاً الى خطاب القسم الذي ألقاه الرئيس عون بعيد انتخابه في 31 تشرين الأول (أكتوبر) 2016، والى صيغة البيان الوزاري التي أقرت بالاجماع ونالت ثقة مجلس النواب على أساسها.

بعض ما دار من مداولات

والذين تابعوا مداولات طاولة بعبدا الرئاسية أدركوا ان الأجواء الايجابية التي سادتها والمداخلات <الهادئة> التي تميزت بها، شكلت أول إشارة نجاح لمبادرة الرئيس عون إذ انه بمجرد التقاء رؤساء الأحزاب المشاركة في الحكومة على طاولة واحدة وحول جدول أعمال واحد ووثيقة لم يتم تعديل إلا أجزاء بسيطة منها، فإن الأجواء العامة في البلاد <تنفست>، والاحتقان الذي كان يسود العلاقات بعض رؤساء الأحزاب، تراجع منسوبه، لاسيما وان الاتفاق على قانون جديد للانتخاب لم يكن قد جف حبره بعد. ويؤكد متابعو مداولات لقاء بعبدا ان الرئيس نبيه بري الذي اقترح حذف موضوع مجلس الشيوخ من مضمون الوثيقة، تمكن أيضاً من استيعاب بعض المواقف التي صدرت عن رئيس <التيار الوطني الحر> الوزير جبران باسيل الذي ركز في مداخلته على ضرورة تحقيق المناصفة تحقيقاً كاملاً، ومعها المساواة وحقوق المسيحيين. في حين ركز الرئيس سعد الحريري على <التنازلات> التي قدمها الجميع من أجل مصلحة البلاد والاتفاق على قانون جديد للانتخابات الذي يلحق ضرراً سياسياً من خلال نتائجه بتيار <المستقبل> لكنه يحافظ على وحدة اللبنانيين ويقوي ساحتهم الداخلية المعرضة للاهتزازات بفعل ما يجري في المنطقة من غليان. وفيما طرح الوزير طلال ارسلان حقوق الدروز في الادارات العامة والقضاء والمؤسسات الأمنية مركزاً على ضرورة إنهاء ملف المهجرين، بدا الوزير مروان حمادة (الذي مثل النائب وليد جنبلاط لوجوده في موسكو خلال انعقاد الاجتماع) أكثر هدوءاً في مقاربة المواضيع المطروحة لاسيما من خلال دعوته الى التفاهم على ما يوفر للمواطنين أمناً واستقراراً وسلاماً وراحة بال، معتبراً ان النقاط الميثاقية التي وردت في ورقة الرئيس عون يمكن تأجيلها الى وقت لاحق حتى تتوافر المناخات الملائمة لها. أما رئيس الحزب السوري القومي الاجتماعي الوزير علي قانصوه فذهب بعيداً في مقاربته لموضوع النازحين السوريين، حين دعا الى حوار مع الحكومة السورية لتأمين عودة آمنة لهم، وهو ما رفضه الرئيس الحريري وتضامن معه في الرفض رئيس <القوات اللبنانية> الدكتور سمير جعجع الذي التقى مع الذين آثروا مقاربة شقي الاصلاح والاجراءات والمطلوب اتخاذها من دون الشق المتعلق بالمواضيع الميثاقية، وهو ما أيده أيضاً رئيس تيار <المردة> النائب سليمان فرنجية الذي دعا الى التركيز أكثر على الأمور الحياتية والاصلاحية لإعادة الثقة بالدولة. وهذه المسألة بالذات طرحها رئيس <كتلة الوفاء للمقاومة> النائب محمد رعد الذي مثل الأمين العام لحزب الله السيد حسن نصر الله في الاجتماع. أما الأمين العام لحزب <الطاشناق> النائب آغوب بقرادونيان، فآثر هو الآخر التركيز على الأمور الحياتية والاصلاحية وإرجاء البحث في المواضيع الميثاقية الى مرحلة لاحقة.

وهكذا أمضى رؤساء الأحزاب أكثر من ساعتين ونصف الساعة في نقاش هادئ ورصين تخللته مداخلات متقطعة من الرئيس عون لتصويب مسار النقاش من حين الى آخر، ليخرج الجميع بتفاهم على <وثيقة بعبدا 2017> بكافة بنودها، ما عدا تسجيل جعجع التحفظ على فقرة تشكيل الهيئة الوطنية لإلغاء الطائفية لأنه اعتبر ان الوقت لم يحن بعد لطرح هذا <الملف الشائك> مسترشداً بما أحدثه قانون الانتخاب من جدل وما يمكن أن تثيره القضايا ذات المنحى الطائفي. غير ان الحاضرين أجمعوا على ضرورة تفعيل عمل الحكومة والمجلس النيابي واطلاق ورشة اقتصادية بعد التأكيد على الالتزام بالمسائل الميثاقية والاصلاح السياسي واستكمال تنفيذ اتفاق الطائف. والتقى الحاضرون على وصف <وثيقة بعبدا 2017> بأنها الإطار العام لخريطة العمل في المرحلة المقبلة، بالمدى القريب والمدى البعيد. إلا ان الأهم يبقى في انعقاد اللقاء بحد ذاته، إذ لم يقاطعه رئيس <المردة> النائب سليمان فرنجية الذي شكلت مشاركته في اللقاء الزيارة الأولى له الى قصر بعبدا منذ انتخاب العماد عون رئيساً للجمهورية، وهو التقى أيضاً الدكتور جعجع وتصافحا، وكذلك الوزير باسيل الذي تبادل أطراف الحديث مع الرئيس بري قبل بدء اللقاء، فيما كان سلام من دون كلام بين جعجع والنائب رعد، وسلام مماثل بين فرنجية وجعجع. كذلك فإن اللقاء زاد منسوب التعاون بين الرئيسين عون وبري وإن كانت المرحلة السابقة لإقرار قانون الانتخاب شهدت <تنتيعاً> من حين الى آخر بين الرجلين، مباشرة حيناً من خلال مواقف اتخذها كل من الرئيسين، وغير مباشرة من خلال الفتور القائم بين الرئيس بري ورئيس <التيار الوطني الحر> الوزير باسيل.

ترجمة عملية من عون وبري

 

وعلى رغم عدم طرح مسألة انعقاد اجتماع آخر لرؤساء الأحزاب بحيث يكون اللقاء <يتيماً> في المرحلة الراهنة على الأقل، إلا إذا دعت الحاجة، فإن الرغبة في تنفيذ ما تم الاتفاق عليه ظهرت بسرعة من خلال أمرين مهمين، الأول قام به الرئيس عون، والثاني عبّر عنه عملياً الرئيس بري، فرئيس الجمهورية بادر بعد أيام قليلة من اللقاء، الى تفصيل الجردة التي تلقاها من الرئيس بري بالقوانين الصادرة عن مجلس النواب والتي تحتاج الى مراسيم تنظيمية، ووزع على الوزراء المعنيين ملخصاً عن المراسيم المطلوبة، طالباً إليهم، كل وزير ضمن وزارته، مباشرة إعداد المراسيم التنظيمية وارسالها الى مجلس شورى الدولة لإبداء الرأي تمهيداً لعرضها على مجلس الوزراء لدرسها واقرارها. وقد بلغ عدد هذه القوانين، حسب آخر تحديث في حزيران (يونيو) 2017، 36 قانوناً موزعين على وزارات: الأشغال والنقل، الطاقة والمياه، الاقتصاد والتجارة، الصناعة، الصحة العامة، المالية، الاتصالات، البيئة، الثقافة، العدل، الداخلية والبلديات، التربية والتعليم العالي، إضافة الى أربعة قوانين متعلقة بوزارات عدة. وشدد الرئيس عون خلال جلسة مجلس الوزراء يوم الأربعاء الماضي في قصر بعبدا على الوزراءالمعنيين الاسراع في انجاز المراسيم لتسلك طريقها الى التنفيذ وسوف يطلق الرئيس عون، في ترجمة لما ورد في <وثيقة بعبدا 2017> ورشة اجتماعات توافق عليها مع الرئيس الحريري لتفعيل عمل الادارات والمؤسسات العامة في البلاد، على أن تبدأ حركة تعيينات في المراكز الشاغرة ابتداءً من الأسبوع المقبل بعد انجاز الملفات المرتبطة بهذه التعيينات.

بدوره حرص الرئيس بري على ملاقاة الرئيس عون برغبته في تطبيق <وثيقة بعبدا 2017> من خلال دعوة قريبة سوف يوجهها الى الهيئة العامة لمجلس النواب لإقرار عدد من مشاريع واقتراحات القوانين من بينها الموازنة وسلسلة الرتب والرواتب وغيرها من المواضيع الموجودة في مجلس النواب. ويقول الرئيس بري في هذا الصدد ان مشاركة رؤساء الأحزاب في الاجتماع يساعد على تفعيل عمل الحكومة والمجلس النيابي على حد سواء، لأن الأحزاب المشاركة تشكل غالبية الثلثين وأكثر من عديد مجلس النواب ما يسهل، عند الاتفاق، اقرار القوانين المطلوبة، فيما يصبح من السهل اتخاذ القرارات في مجلس الوزراء أيضاً.

وتؤكد مصادر معنية ان اجتماع بعبدا يضع جميع المشاركين فيه أمام استحقاق التزام الوثيقة الصادرة عنه لأن العبرة تبقى في التنفيذ ويكشف بالتالي الجهة أو الجهات التي سوف تعرقل تنفيذ ما تم الاتفاق عليه لاسيما في الشقين الاصلاحي والاقتصادي إذ لا يكفي اعلان التأييد والترحيب والدعم، بل المطلوب ترجمة الأقوال الى أفعال!