14 November,2018

«وثيقة الوفاق الوطني » أوقفت الحرب ولكنها لم توحد اللبنانيين.. فهل يتم الكشف عن محاضر المناقشات في الطائف؟

22  وفي رأي بعض الأوساط منذ إقرار وثيقة الوفاق الوطني عام 1989، ان الآراء والاجتهادات تضاربت وتعددت حول <الوثيقة والدستور>. فاتفاق الطائف الذي اراده موقعوه اتفاقاً وطنياً ينقل الوطن من حال الحرب المستعرة الى السلم، بات اليوم موضع خلاف ونقاش، في الوقت الذي عمدت فيه السلطات اللبنانية المتعاقبة وخصوصاً زمن الوصاية السورية الى تطبيق بنوده استنسابياً، وتارة اخرى الى الاطاحة به.

وما ان أطلق امين عام حزب الله في احدى خطبه الدعوة الى المؤتمر التأسيسي حتى قامت الدنيا ولم تقعد، واعتبر البعض ان حزب الله بالطائف (قدس الاقداس)، من هنا رأى الزميل ابراهيم بيرم ان تطوير اتفاق الطائف امر مباح كما قال الرئيس الحسيني، وهو اتفاق ارتضاه احد الفرقاء، على اساس انه اتفاق الضرورة، ليساهم في انهاء الحرب، وبداية تطوير الحياة السياسية.

واستغرب بيرم كيف ان من كان في الامس معارضاً لاتفاق الطائف بات اليوم اكثر شراسة في الدفاع عنه.

إعادة النظر في هذا الاتفاق

11

ولم يرَ بيرم مشكلة في اعادة النظر في هذا الاتفاق، حتى لا نلجأ الى الاحتكام الى الشارع للوصول الى آلية جديدة تعيد توزيع السلطة.. واستعاد الزميل بيرم ذكريات صحافية عندما كلف من قبل الصحافي الكبير الراحل غسان تويني بإجراء ما يشبه الدراسة حول الطائف، ورأي الشخصيات السياسية والحزبية به، وكيف انه قابل اكثر من 12 شخصية ، ووجد اكثرها مستاءً من طريقة تطبيق الطائف، وكيف انه لم يكن الاتفاق الذي ارادوه.

الاختلاف حول اتفاق الطائف، والاجتهادات الناتجة في هذا المجال، دفعت البعض الى المطالبة بالكشف عن محاضر الطائف السرية، التي يحتفط بها الرئيس حسين الحسيني، كونه كان عراب هذا الاتفاق، من موقعه السابق كرئيس لمجلس النواب، ولأن الكشف عن هذه المحاضر يبدد الغموض والالتباسات لاتفاق ما زال موضع اخذ وردّ، وموضع جدل ونقاشات، وبالتالي لأنه في حال وجود النص ينتفي الاجتهاد.

يرى النائب السابق ميشال معلولي انه لم يكن لهذه الاجتهادات والآراء اي قيمة أو تأثير فعلي على الحياة السياسية اللبنانية، اذ ان السلطة الحاكمة منذ 1992 علّقت العمل بمعظم بنود هذه الوثيقة، ومواد الدستور على السواء.

ويضيف: ان السلطة امعنت في الانقلاب على اتفاق الطائف والدستور، فأوعزت بإخفاء محاضر المناقشات، لذا لا بد من الافراج عن هذه المحاضر، لتتسنى إزالة اي ابهام أو تأويل حول اي بند من بنوده.

ويتساءل معلولي قائلاً: ماذا تعني حكومة الوفاق الوطني؟ وهل عدم تشكيلها مناقض للعيش المشترك، وبالتالي لا شرعية لها كما جاء في مقدمة الدستور…؟

اما في ما يتعلق بقانون الانتخابات النيابية، فما هي الاسس التي يجب اعتمادها لإعادة النظر في التقسيم الاداري، أي رسم الدوائر الانتخابية، وحصة التمثيل؟

وهل حل الميليشيات اللبنانية وغير اللبنانية، وتسليم اسلحتها الى الدولة يشملان المقاومة، وهل يندرجان ضمن بسط سيادة الدولة على الاراضي بقواتها الذاتية؟…

ويعتبر معلولي ان اغلاق باب الاجتهاد والتكهنات في هذه القضايا لن يتحقق الا بالإفراج عن محاضر مناقشات الطائف، لذلك اطلب الى الرئيس

44

الحسيني نشر هذه المحاضر التي هي ملك الشعب اولاً واخيراً.

كلام بطرس حرب

النائب بطرس حرب وهو من النواب الذين شاركوا في مناقشات الطائف، وشهدوا ولادة وثيقة الوفاق الوطني، أكد في هذا المجال قائلاً: <في الحقيقة لم يكن هناك اتفاق رسمي مع الرئيس الحسيني لعدم نشر محاضر الطائف، الا ان الرئيس الحسيني ارتأى انه من الافضل الا تكون هذه المادة قيد التداول لفترة معينة. الا اني شخصياً لست منزعجاً مما جرى في الماضي من مداولات ومناقشات، لأنه بعد مرور 15 سنة صار من المفيد ان يطرح هذا الموضوع، كونه يشكل مادة مفيدة>.

وعن مدى مسؤولية أو حق الرئيس الحسيني في الاحتفاظ بمحاضر الطائف، قال حرب: الرئيس الحسيني يتصرف على اساس انه مسؤول معنوي، وهو لا يستأثر بالموضوع، ولا بد من ان نعطي الرئيس الحسيني حقه، وننصفه على الجهد الذي بذله في هذا الاطار.وأعتقد انه حتى الآن لم يطلب احد منه المحاضر بشكل رسمي، فعندما يتم طلبها بالشكل القانوني، أعتقد ان الرئيس الحسيني لن يمانع، ولن يتأخر في الكشف عنها.

ويضيف حرب: يهمني ان اؤكد ان المحاضر عموماً يصبح لها طابعها الرسمي عندما تكون موقعة من الحاضرين. وكما أتذكر فإن محاضر الطائف لم توقع، ولم تسجل بالصوت، بل استخرجها موظفون من مجلس النواب، ولا اعلم مدى صحة الملخص الذي وضعه الموظفون، ولست أكيداً من مدى صحتها، بل يمكن ان نستنير بها، وأن تلقي ضوءاً على مجمل المناقشات التي دارت آنذاك، فهي ليست مستنداً قانونياً أو تدبيراً ادارياً له تاريخه الرسمي، بل اقول ان هذه المحاضر اذا لم تكن لها قوة ثبوتية، فإن لها على الاقل قوة معنوية وقوة اضاءة، اذا لم يكن هناك محضر رسمي من قبل رئيس المجلس.

وعن مدى الاساءة أو الضرر في نشر هذه المحاضر في هذا الوقت، يقول حرب: في الحقيقة، لم يبقَ في ذاكرتي ما يدفعني الى القول ان هناك ما يسيء في هذه المحاضر.وفي كل الاحوال، اذا كان الرئيس الحسيني قد ارتأى في فترة معينة الا تخضع هذه المحاضر للتداول، فمن الواجب اليوم الا تبقى هذه المحاضر لدى الرئيس الحسيني، وان يقرر المجلس النيابي اذا ما اراد ان تبقى سرية أو يعلنها، وأنا ميال الى ان تصبح هذه المحاضر جزءاً من المحفوظات الوطنية، وان تكون محجاً للباحثين والمشرعين ولكل العاملين في القطاعات التشريعية.

 

<كل شي خالص>

 

55

ونفى النائب الراحل صبحي ياغي بالمطلق (خلال احدى اللقاءات معه) ان تكون محاضر المناقشات في الطائف قد تضمنت ما يسيء، أو ما يؤدي الى الضرر، لأن النواب كانوا متفقين على معظم التفاصيل، وكانت الامور كلها معدة سلفاً، <رحنا على الطائف وكل شي كان مقرر وخالص>.

وتابع: كفى تضخيماً لهذا الامر، فلو حصلت امور خارجة عن المألوف خلال مناقشات الطائف، لتناقلتها وسائل الاعلام، وخصوصاً انه في لبنان ليس هناك من اسرار، فكل شيء مكشوف للرأي العام.

ويضيف ياغي: بعكس ما يقال، فمعظم النواب الذين كانوا على خلاف سياسي في لبنان، كانوا في الطائف منسجمين ومتفقين في معظم الامور السياسية والدستورية.

وعن السبب في احتفاظ الرئيس الحسيني بالمحاضر، قال ياغي (مبتسماً): ربما لأن الرئيس الحسيني ليست لديه الثقة بأي كان ليسلمه هذه المحاضر التي صارت ارثاً قانونياً ووطنياً يمكن الرجوع اليه في القضايا التشريعية والدستورية والوطنية…

التعديلات بين نصّين

وكان النائب والوزير السابق البير منصور قد عمد بشكل غير مباشر الى الكشف عن خفايا بعض التعديلات على بعض النصوص في اتفاقية الطائف، في كتابه <الانقلاب على الطائف>، وعن المحادثات التي جرت، انما ليس بالشكل التفصيلي، اذ لم يتطرق منصور في كتابه الى ما أدلى به كل نائب من آراء وتمنيات ومواقف، خلال المحادثات، بل تناول بعض نصوص وثيقة الوفاق الوطني، وكشف للمرة الأولى، عن كيفية تعديلها خلال المناقشات، <ومقارنة النصين: الذي لم توافق عليه سوريا، والذي وافقت عليه…> وذلك وفق الآتي:

أولاً: نص لم توافق عليه سوريا:

– تقوم القوات السورية مشكورة بمساعدة قوات الشرعية اللبنانية لبسط سلطة الدولة اللبنانية في جميع الاماكن حيث توجد القوات السورية في فترة زمنية محددة أقصاها ستة أشهر تتجمع خلالها القوات السورية وتتمركز في منطقة البقاع، كذلك يتم التوقيع على اتفاق يجري بموجبه تحديد مركز وحجم ومدة وجود القوات السورية في البقاع، بين الحكومتين السورية واللبنانية، وبرعاية اللجنة الثلاثية العربية العليا.

 – نص وافقت عليه:

– ألغيت عبارة <في جميع الاماكن حيث توجد القوات السورية>… <في فترة زمنية محددة اقصاها سنتان. تقرر الحكومة السورية بالاتفاق مع الحكومة اللبنانية إعادة تمركز القوات السورية في منطقة البقاع ومدخل البقاع الغربي في ضهر البيدر حتى خط حمانا المديرج عين دارة وفي نقاط اخرى…>، واللجنة العربية العليا مستعدة لمساعدة الدولتين في الوصول…

ثانياً: نص لم توافق عليه سوريا:

66

… وهو مفهوم يرتكز عليه التنسيق والتعاون بين البلدين وسوف تجسده اتفاقات بينهما حيث تدعو الحاجة.

– نص وافقت عليه

وهو مفهوم يرتكز عليه التنسيق والتعاون بين البلدين وسوف تجسده اتفاقات بينهما، في شتى المجالات.

ثالثاً: <وبناء على ما تقدم يتم التوقيع على اتفاق امني بين الحكومتين السورية واللبنانية برعاية اللجنة الثلاثية العربية العليا>.

التعديل: (الغيت الفقرة بكاملها)

 

ويرى ألبير منصور ان النص الذي حذف في التعديل الاول يشير الى رغبة السوريين بمساعدة السلطة الشرعية على بسط سلطتها في جميع المناطق اللبنانية، وليس فقط في محل وجودها في حينه. اما التعديل الثاني، وهو إضافة في النص السابق، فيعبر عن رغبة السوريين في الابقاء على وجودهم ليس فقط في البقاع، بل ايضاً في ضهر البيدر وعلى خط حمانا ـــ المديرج عين دارة، وفي نقاط اخرى.حجتهم في ذلك حماية قواتهم الموجودة في البقاع.

وأما التعديل الثالث، فيتعلق بعدم رغبة السوريين في رعاية اللجنة العربية العليا للاتفاق الذي سيعقد مع الحكومة اللبنانية عن مدة بقاء القوات السورية وحجمها والتي تتمركز في البقاع وضهر البيدر، واستبدال الرعاية بالمساعدة شرط طلبها ومن قبل الحكومتين.واما التعديل الرابع، فيطول مدة التمديد اي المدة التي تقوم بها القوات السورية بمساعدة الدولة اللبنانية في بسط سلطتها من ستة اشهر الى سنتين.

والتعديل الخامس يتعلق بتعبير صيغة قرار تجميع القوات السورية وجعله على الزاميته وفي الوقت المحدد نتيجة قرار مشترك بين حكومتي البلدين.

اما التعديل السادس الذي استبدل عبارة <حيث تدعو الحاجة> بعبارة <في شتى المجالات>، فيؤكد رغبة السوريين في عقد اتفاقات تفصيلية مع لبنان في شتى المجالات وليس فقط حيث تدعو الحاجة. وأما التعديل السابع فيعبر عن رغبة السوريين في إجراء اتفاق امني مباشر مع لبنان من دون تدخل اللجنة العربية ورعايتها.

واعتبرالنائب السابق حسن الرفاعي في حديث سابق معه: انه يحق من الناحية القانونية لرئيس مجلس النواب، أو لرئيس الحكومة ، طلب هذه المحاضر السرية، إذ لا أسرار في النظام الديموقراطي ، ولا تؤثر هذه المحاضر في مجرى الحياة الدستورية في لبنان، لأن كل ما هو خارج النص الذي كرس في الدستور، لا قيمة قانونية له، مثال على ذلك ما يسمى بـ <الميثاق>، فهذا الميثاق يكون بين الدول أو في الانظمة العشائرية، اما في الانظمة ذات النظام المكتوب فلا يوجد اتفاقات. ففي سنة 1943، لم يكن هناك <ميثاق>، بل كان بيان وزاري، وانتهى الى توافق. فلم يكتسب <الطائف> قيمة، إلا عندما صادق عليه مجلس نواب منتخب عام 1992، رغم الشوائب التي رافقت العملية الانتخابية الاولى في ذلك العام، ورغم التزوير الذي رافقها…

شرطان للنشر

33

 

 

وتبقى الكلمة الفصل في موضوع الكشف عن محاضر <الطائف> للرئيس حسين الحسيني عرّاب هذا الاتفاق، ورئيس ما سمي بـ<لجنة العتالة> التي بذلت كل ما في وسعها للتوصل الى هذا الاتفاق، مما ادى الى اسكات المدافع، والى الانتقال من الحرب الى <السلم الاهلي>.

فالرئيس الحسيني قال في احد لقاءاته الصحافية ان النواب اجتمعوا كلقاء نيابي في الطائف، وصاغوا مشروعاً، واقاموا حفلة شتائم ومسبات وتصفية قلوب في محاضر لا علاقة لها بأساس الطائف، لأن الطائف أنجز في بيروت.

ويضيف: في الطائف وجدنا الإطار العربي والدولي لإعلان الاتفاق وجئنا الى القليعات وعقدنا جلسة رسمية حيث تم اقراره.

ويتابع: … نحن محكومون بعقدة التكاذب الوطني، اذ تحدث النواب في الطائف الى درجة لم يبقَ فيها سوى ورقة التين، واخذوا قراراً بأن تبقى المحاضر سرية…

وينفي الرئيس الحسيني ان يكون قد طلب منه نشر هذه المحاضر، أو الاطلاع عليها، يقول: … لم يطلب مني أبداً رئيس الجمهورية أو رئيس مجلس النواب، أو الحكومة الاطلاع على محاضر الطائف، وأنا رفضت هذا الطلب، فالنصوص واضحة، وأعتقد ان الطائف كُتِب باللغة العربية…

يضيف: هناك حالتان لنشر محاضر مناقشات الطائف. اولاً عندما يكون لبنان قد عاد الى حالته الطبيعية، وصار الذين تكلموا في الطائف في منأى عن اي استهداف، وثانياً عندما يرفض من بقي على قيد الحياة من النواب الذين وضعوا الطائف ان تبقى هذه المحاضر سرية.

77

مصير هذه المحاضر

 

ولكن ما هو مصير هذه المحاضر، والى متى ستظل من عالم الاسرار والمحرمات، وهل سيظل الرئيس الحسيني محتفظاً بها، وبالتالي يعمد الى توريثها لمن يشاء، ام انه سيأتي اليوم وتكون ـــ كما قال النائب بطرس حرب ـــ مرجعاً للباحثين والدستوريين والتشريعيين؟

يؤكد الرئيس حسين الحسيني انه ينتظر إنشاء مكتبة وطنية عامة بحيث تصبح محاضر الطائف من ضمن موجودات المكتبة الوطنية. وبالتالي فإن كل المناقشات التي حصلت في الطائف موجودة في محاضر جلسات مجلس النواب في مطار القليعات وبيروت.

وكان الرئيس بري قد قال في <لحظة غضب> في خريف العام 2004، وبينما كان يستعد آنذاك لزيارة للمملكة العربية السعودية، انه سيطلب من المسؤولين السعوديين نسخة عن محاضر الطائف، فرد الحسيني يومئذٍ ساخراً: <ليته يأتينا بنسخة منها>.