27 May,2019

واشنطن متمسكة بالعقوبات وتدعو الى التقيد بها وتتطلع الى تجاوب لبناني مع دورها في الترسيم البحري!

 

في الوقت الذي باشر فيه رئيس جمعية المصارف الدكتور جوزف طربيه مع وفد من الجمعية لقاءاته في الولايات المتحدة الاميركية لاستكمال البحث مع المسؤولين الاميركيين – ولاسيما منهم في الخزانة الاميركية – حول العلاقات مع المصارف اللبنانية والتعاون القائم لتطبيق القرارات المتخذة على صعيد <تجفيف> الموارد المالية لحزب الله وايران في لبنان، كانت الإشارات التي ترد من واشنطن تؤشر الى أن الموقف الاميركي لا يزال متصلباً حيال العقوبات التي فرضتها الإدارة الاميركية وان ما سمعه الوفد النيابي الذي زار العاصمة الاميركية قبل شهر تقريباً لم يتغير خلافاً لما نقلته مصادر سياسية قالت إنها لمست <تبدلاً ايجابياً> في التعاطي الاميركي مع هذا الملف. صحيح أن موضوع العقوبات على رئيس مجلس النواب وحركة <أمل> الرئيس نبيه بري مستبعد في الوقت الحاضر على الاقل، على أن هذا الاستبعاد غير نهائي، لاسيما وان الإدارة الاميركية تراقب عن كثب ما يجري وتتحيّن الفرص للانقضاض على مسؤولين وسياسيين لبنانيين تفرض عليهم عقوباتها.

وتقول مصادر مطلعة على مسار الإشارات الاميركية في هذا المجال، إن إمكانية ثني الإدارة الاميركية عن خطواتها التصعيدية لا تبدو متوافرة في الوقت الراهن، لأن كل المعلومات المتوافرة لـ<الأفكار> تشير بأن نفي استهداف الرئيس بري وعدد من معاونيه من العقوبات الاميركية، يقابله المزيد من الإصرار على فرض عقوبات تصاعدية على حزب الله وكل من يشتبه في أنه يشارك في تمويل الحزب ورفده باشكال الدعم، وهذان التهاون أو التراجع ليسا واردين في الحسابات الاميركية خصوصاً أن واشنطن تريد تضييق الخناق على حزب الله من جهة، لكنها من جهة ثانية لا تريد أن تؤذي الاقتصاد اللبناني وعموده المصرفي… حتى إشعار آخر. وتضيف المصادر انه اذا كان <الإشعار الآخر> غير محدد بعد، إلا أنه لا مناص من الوصول اليه لوضع حد لبعض الممارسات التي تقلق الاميركيين والتي تقوم بها جهات على صلة بعدد من المصارف اللبنانية. وفي هذا السياق يقول أحد اعضاء الوفد النيابي الذي زار واشنطن قبل مدة ان المسؤولين الاميركيين الذين التقاهم الوفد لم يكونوا <منشرحين> الى التطمينات التي يقدمها اللبنانيون لجهة التقيد بالعقوبات المفروضة، وإن كانوا يقرون في المقابل ان التعاون موجود مع المصارف اللبنانية. ويضيف النائب المعني ان الاميركيين قالوا – من دون اي مجاملة – ان العقوبات على حزب الله والمحور المنتمي اليه ستتصاعد وان على من يعنيهم الأمر ان يتوقعوا المزيد من الاسماء التي ستضاف الى لائحة المشمولين بالعقوبات بتهمتي التمويل والتعاون، وليس فقط التمويل.

 

لا حماسة اميركية للمساعدة اقتصادياً!

وعلى رغم الشروحات التي قدمت الى المسؤولين الاميركيين حول الانعكاسات الخطيرة لمثل هذه العقوبات على الاقتصاد اللبناني وماليته العامة من جراء المضي في العقوبات وتوسيع أطرها على المصارف اللبنانية التي لها نظام مراسلين في واشنطن ونيويورك، إلا أن المسؤولين الاميركيين قالوا بأنه على هذه المصارف أن تكون <دقيقة> في تعاملها مع المال الذي يضخ اليها من جهات قد تكون <متورطة> وتتنبه خصوصاً الى مصادر الحوالات المالية التي تصل اليها او تلك التي تصدرها. ووفق المعلومات المتوافرة، فإن ثمة من يرى داخل الادارة الاميركية أن الجهود المبذولة لتجنيب أي انعكاسات على القطاعات الاقتصادية والمصرفية اللبنانية يجب أن <يقابلها من الجانب اللبناني المزيد من التقيد بالشروط الموضوعة إذا كان حريصاً على سلامة القطاعات الاقتصادية اللبنانية>. وعندما طرح الوفد النيابي إمكانية مساعدة الادارة الاميركية للاقتصاد اللبناني المتعثر وتوفير الدعم له للخروج من عنق الزجاجة، كان الجواب الاميركي سريعاً في ضرورة إبداء لبنان <حرصاً أكبر وعناية أشد> لمساعدة نفسه وماليته قبل أن يطلب من الآخرين الدعم المنشود، علماً أن الجانب الاميركي اشار الى أن لا <إجراءات جدية> من جهة لبنان تتناسب وخطورة الموقف، لا بل هناك قصور في المعالجات من جهة وتضييع للوقت وإهدار للفرص من جهة أخرى.

دعم مفتوح للجيش!

 

واكثر ما فاجأ الوفد النيابي اللبناني كان ان الادارة الاميركية تتابع عن كثب ما يجري في لبنان على صعيد اعداد الموازنة وتواكب الاجراءات المتخذة، وليس صحيحاً أن ما يصل من معلومات الى واشنطن <يطمئن>، ما يفرض <حزماً> أكبر في التعاطي مع هذا الملف الحساس والدقيق. ويميز الاميركيون بين موقفهم من <التركيبة الرسمية> ومقاربتها للوضع الاقتصادي في البلاد ومسألة العقوبات، وبين الموقف من الدعم الذي سوف يستمر للجيش اللبناني سواء لجهة عدم تقليص المساعدات المقررة له، أو ما يمكن أن تطلبه المؤسسة العسكرية في المستقبل من دعم بهدف تمكينها من القيام بمسؤولياتها في المحافظة على الاستقرار والامن سواء في الجنوب الى جانب <اليونيفيل> أو على الحدود مع سوريا لمنع تسلل الإرهابيين أو تنامي الخلايا الإرهابية النائمة. والفارق كبير بين الدعم الاميركي المطلق للجيش اللبناني، والحذر الاميركي حيال <الاستبلشمنت> السياسي الذي يتولى إدارة اللعبة السياسية راهناً. وفي هذا السياق، صارح الاميركيون الوفد النيابي اللبناني بأن العروض التي قدمتها الادارة الأميركية للبنان من أجل المساهمة في تحقيق الترسيم البحري للحدود مع اسرائيل لم تلق آذاناً لبنانية صاغية، مع العلم أن الترسيم البري كان أكثر سهولة ووضوحاً، في حين يكتنف الغموض والتناقض موقف المسؤولين اللبنانيين في ما خص الترسيم البحري. ومع ذلك، تضيف المعلومات، إن واشنطن لن تقف عثرة أمام رغبة لبنان في أن تدخل الأمم المتحدة على خط الترسيم البحري كما فعلت، وبنجاح، عندما تدخلت في الترسيم البري.

وتشير المعلومات الى ان الانطباع السائد لدى المسؤولين الاميركيين ان لبنان الذي يتخذ مواقف متناقضة، لا يدرك خطورة استمرار هذه الحالة المتأرجحة وان عليه أن <يحسم> امره ويسعى الى أن يكون عمل <اليونيفيل> في موضوع الترسيم البحري متناغماً مع التوجهات الاميركية اذا كانت بيروت تريد فعلاً الوصول الى حل لأزمة الحدود البحرية التي سوف تؤثر حتماً على انطلاقة عملية التنقيب عن النفط والغاز في <البلوك 9> الذي تم تلزيمه الى <الكونسورتيوم> الثلاثي الذي يضم شركة <ايني> الايطالية و<توتال> الفرنسية و<نوفاتك> الروسية، ومن شأن هذا التناغم أن يسهل عملية الترسيم البحري كما تسهّل الترسيم البري وإن كان توقف لفترة في انتظار حل الاشكالات التي لا تزال قائمة حول النقاط المتنازع عليها والتي تحركت من جديد بعد بدء اسرائيل إقامة الجدار الإسمنتي على طول الحدود. وفي هذا السياق، تقول المعلومات ان واشنطن مستعدة لإرسال موفد عنها ليتولى هذا الملف من جديد إذا ما لمست فعلياً وجود رغبة لبنانية في تسهيل عملية التفاوض والترسيم، مع العلم أن واشنطن رصدت <تناقضاً> في مواقف المسؤولين اللبنانيين في هذا الصدد، خصوصاً أن ما أعرب عنه الرئيس عون عن ترحيب بدور اميركي في موضوع الترسيم البحري، لم يكن مماثلاً لما أظهره الرئيس بري في لقاءاته مع الموفدين الأميركيين والدوليين.

وترقب واشنطن، كما تقول المصادر نفسها، ما تسميه <تطوّر> العلاقات اللبنانية – الروسية، مبدية مخاوف علنية من <جنوح> لبنان الرسمي صوب روسيا في ضوء ما نتج عن زيارة الرئيس عون لموسكو في شهر آذار/ مارس الماضي، علماً أن رئيس الجمهورية كان دقيقاً جداً في مقاربته لملف العلاقات مع روسيا، إلا أنه في المقابل لا يمكنه تناسي أن إدارة الرئيس الأميركي <دونالد ترامب> عرقلت عملية عودة النازحين السورين الى بلادهم، وصار التدخل الأميركي مع الجانب اللبناني يأخذ منحى مختلفاً أشار اليه أكثر من مصدر، حتى بات يحتاج الى جلسة مصارحة توضع فيها كل الأوراق على الطاولة وينطلق البحث على قاعدة استعادة الثقة، خصوصاً في الشق السياسي، كما هي موجودة في الشق العسكري، وذلك لتفهّم أسباب الانفتاح اللبناني على روسيا في موضوع النازحين نظراً للدور الذي يمكن أن تلعبه موسكو في تسهيل العودة من جهة وضمان سلامة العائدين من جهة أخرى.

في أي حال، تمر العلاقة اللبنانية – الأميركية في مرحلة دقيقة هذه الفترة حيث التصرفات اللبنانية تحت المجهر الأميركي ليس فقط على صعيد المصارف والعقوبات، بل أيضاً على صعيد <التقارب> اللبناني – الروسي!