22 September,2018

هنا كان يتم تتويج الأباطرة وفيها وُلد الفيلسوف «غوته»

بقلم وردية بطرس

التذكارات-في-فرانكفورتB كل أنظار العالم موجهة الى المانيا التي فتحت أبوابها امام الآف المهاجرين القادمين من الشرق الأوسط، وكل العيون شاخصة الى المستشارة الألمانية <أنجيلا ميركل> التي اتخذت القرار باستقبالهم بالرغم من كل الضغوط الداخلية… <الأفكار> توجهت الى مدينة <فرانكفورت> للمشاركة في مؤتمر حول مرض السكري، وكانت لها جولة في أرجاء هذه المدينة الرائعة التي تستقطب الزوار من كل أنحاء العالم… وإن ناطحات السحاب والأبراج الزجاجية ذات الهندسة المعمارية الرائعة التي تزين أفق المدينة ليست سوى وجه واحد من وجوه <فرانكفورت>، فهي مدينة تنصيب الملوك تاريخياً، وهي المدينة التي ولد فيها الأديب والفيلسوف الألماني الشهير <فولفغانغ فون غوته>، وهي المدينة التي يمرّ في أرضها نهر <الماين> الذي يزخر بالأجواء الفنية والثقافية من خلال <ضفة المتاحف>… فهذه المدينة التي لعبت منذ قرون طويلة دوراً مهماً باعتبارها مركزاً تجارياً معروفاً، هي اليوم أكبر مركز مالي على مستوى القارة الأوروبية، والعاصمة المالية لألمانيا، وهي تزخر بثقافات مختلفة تعيش بعضها الى جانب البعض حيث يطغى التنوع على هذه المدينة ذات المناخ المضياف والمنفتح، وحيث يجد الزائر من يتحدث لغته، كما يجد مطعماً يقدّم له طبقه المفضل.

وتُعتبر مدينة <فرانكفورت> الواقعة على نهر <الماين> خامس أكبر مدينة في المانيا. لقد باتت الصبغة العالمية جزءاً لا يتجزأ من الحياة اليومية في عاصمة الأعمال هذه التي لا تنقطع عن وضع اتجاهات عالمية جديدة للقطاعات الاقتصادية سواء في معرض الكتاب الدولي او معرض السيارات العالمي. لقد كانت مدينة <فرانكفورت> منذ العصور الوسطى وما زالت حتى يومنا هذا مركزاً للتجارة العالمية ولرأس المال التجاري. وهي تتبوأ اليوم مكانة غاية في الأهمية كمركز أوروبي للأموال والمعارض والخدمات، حيث نجد فيها مقر البنك المركزي الأوروبي، والبنك المركزي الألماني، ومقر البورصة الألمانية، ناهيك عن أنها أهم سوق ألماني للأوراق المالية.

ومن أهم المعالم في <فرانكفورت> مبنى <كوميرز بنك> او البنك التجاري الذي يُعدّ أعلى مبنى للمكاتب في أوروبا حيث يصل ارتفاعه الى 258 متراً. ففي <فرانكفورت> تكثر الأبنية العالية، وبسبب موقعها على نهر <الماين> يُرمز لها أحياناً بـ<مانهاتن> تشبهاً بحي <مانهاتن> في <نيويورك>.

و<فرانكفورت> عاصمة <الرايخ> القديم وعائلات النبلاء، وهي مسقط رأس الفيلسوف الألماني <غوته> صاحب الديوان الغربي ــ الشرقي، وفيها تم تتويج ملوك السلالات التي حكمت المانيا منذ أكثر من ألف عام، ولقد اختيرت <فرانكفورت> منذ العام 749 كمركز لتتويج الملوك المتعاقبين، وتم فيها تتويج الملوك بين 1562 ــ 1806، ومن ثم تتويج القياصرة الألمان بين 1848 ــ 1898، وقد دشن <الرايخ> القديم حقبته الديمقراطية من خلال الاجتماع الأول للبرلمان الألماني في <فرانكفورت> على <الراين> في العام على-ضفاف-نهر-الماين1848.

وتمتد مدينة <فرانكفورت> على ضفتي نهر <الماين>، اذ تقع المدينة القديمة <Altstadt> وفي الناحية الأخرى على الضفة الغربية توجد المدينة الجديدة <Neustadt>. ويقطن المدينة القديمة العديد من التجار والحرفيين، ولا زالت تحتفظ الى اليوم ببعض من المعالم الشاهدة على عمارة القرون الوسطى، وتتخذ المؤسسات الكبيرة مقراً لها في حي الأعمال الشهير في المدينة الجديدة الذي يُعرف بالمباني الكبيرة والحديثة، ويعود تاريخ بنائه الى القرن الرابع عشر، وقد تم ترميمه مؤخراً في العام 1980 بدءاً من بوابة وبرج <ايشنهايم> التي تعود الى العام 1426، وصولاً الى قصر أمراء <تورن وتاكسس> والذي كانت تقام فيه اجتماعات المجلس التشريعي للتحالف الجرماني.

وتُعتبر كاتدرائية القديس <بارثولوميوس> من أهم الأبنية الدينية في المدينة، وقد شُيّدت في القرن الثالث عشر على انقاض كنيسة قديمة (القرن التاسع)، كان يجتمع فيها الأمراء من أنحاء البلاد الألمانية ويقومون بانتخاب امبراطور جديد من بينهم، ثم ومنذ العام 1562 أصبحت المكان الذي تتم فيه مراسم تتويج الأباطرة الجرمانيين.

 

ثاني أكبر مطار في أوروبا

 

ومنذ لحظة الوصول الى مطار <فرانكفورت> يشعر الزائر بمدى أهمية هذه المدينة. فمطار <فرانكفورت> يُعدّ أكبر مطار في ألمانيا وثاني أكبر مطار في أوروبا، ويمثل محوراً مهماً للمواصلات الدولية، وفيه تجد كل ما تحتاجه من وسائل النقل، فهناك محطة للقطار السريع <انتر سيتي اكسبريس>، ومحطة للقطار الاقليمي، كما توجد محطة حافلات أمام قاعات الوصول في المبنى، بالاضافة الى حافلة المطار التي تقوم بنقل نصب-تذكاري-للأديب-الشهير-غوته-في-فرانكفورتالركاب أكثر من مرة خلال اليوم من والى مناطق مختلفة بغض النظر عن شركات الطيران، ناهيك عن عدد كبير من سيارات الأجرة.

وقد قامت <الأفكار> بجولة في هذه المدينة الرائعة اذ دخلنا شارع <الزايل>، وهو أكبر الشوارع التجارية في أوروبا التي تنتشر على امتدادها العديد من المحلات والمتاجر والمطاعم التي يرتادها الزوار والسياح من كل أقطار العالم. فالحركة فيها لا تنقطع على وقع موسيقى وعزف الهواة الذين يضفون جواً من المرح والترفيه. ومن يبحث عن أحدث الموديلات العالمية، وأحدث صيحات الموضة، فعليه ان يقصد شارع <غوته> في قلب مدينة <فرانكفورت> حيث بامكانه التمتع بالتسوق في المتاجر الراقية… ويمكن لمحبي الأطعمة اكتشاف جوانب الطهي في هذه المدينة اذ تتوافر فيها تشكيلة كبيرة من أفخم المطاعم وأشهى الأطباق المحلية، وفيها يتذوق الزائر أشهى المأكولات من بلاد مختلفة أو الأطباق المحلية مثل <فطيرة الجبن> او <الحساء الأخضر>، أما الأحياء النابضة بالحياة في مدينة <فرانكفورت> فهي <ساشنهاوسن> و <بورنهايم> ووسط المدينة الذي يحفل بالمطاعم والنوادي.

 

كنيسة صارت برلماناً

ويمكن التعرّف الى التاريخ الألماني من خلال زيارة المكان الذي تمّ فيه تتويج ملوك ألمانيا واختيار أباطرتها لمئات السنين اي <كاتدرائية فرانكفورت> التي كانت ولسنوات عديدة أطول مبنى في المدينة. أما اليوم فيوجد عدد لا يحصى من المباني الحديثة العالية وناطحات السحاب. كما ان <كاتدرائية القديس بولس> (باولوس) هي النصب التاريخي الوطني في ألمانيا مع رمزية سياسية كبيرة، لأنها كانت مقراً لأول برلمان امام-تمثال-العدالة-في-ساحة-رومربيرغAمنتخب ديمقراطياً في العام 1848، وقد تأسست في العام 1789 ككنيسة بروتستانتية، ولكن بناءهــــا لم يكتمل حتى عام 1833، وأهميتهــــا ان لهــــا جذوراً في البرلمان، وقد اجتُمع في الكنيسة خلال السنوات الثورية 1848 ــ 1849 من أجل كتابة دستور لألمانيا الموحدة، وقد فشلت المحاولة بسبب ملوك بروسيا والنمسا الذين رفضوا فقدان السلطة، وفي العام 1849 أنهت القوات البروسية التجربة الديمقراطية بقوةالسلاح وتمّ حل البرلمان، وبعد ذلك تمّ استخدام المبنى لخدمات كنسية مرة أخرى.

ومـــــن معـــــالم <فرانكفورت> الشهيرة <ساحة رومربـــــيرغ> و<مبنـــــى رومـــــر>، اذ يوجــــــد في وسط ميدان <رومربيرغ> نبع العدالة <غيريشتيشكايتس بــــرونن> الذي كان يمثل قديماً المكان المفضل لأهالي مدينة <فرانكفورت> للاحتفال بتتويج القياصرة. أما القياصرة فكانوا يحتفلون بهذه المناسبة باقامة الولائم الفخمة. واليوم يطلق على كامل مبنى البلدية اسم <مبنى رومر>، ويقع فيه مقر البلدية منذ العام 1405.

<غوته هاوس>

ومن الأماكن التي يضعها الزوار المهتمون بالأدب على سلّم أولوياتهم هو منزل <غوته> أو <غوته هاوس> حيث لا يزال كل شيء في المنزل على حاله. فبالنسبة لعشاق <غوته> يمثل المنزل الذي وُلد فيه هذا الشاعر الكبير في شارع <هيرش غرابن> أهم مكان في <فرانكفورت>. والى اليوم يمكن للزوار من خلال جولة في المنزل تكوين انطباع حي حول حياة الناس في زمن <غوته>، فعندما يقف الزائر مثلاً أمام الموقد القديم في مطبخ الطابق الأرضي يشعر وكأنه يشاهد رسمياً والدة <غوته> منهمكة هناك، وفي الطابق الأول توجد غرف المنزل التمثيلية التي تُدعى <بكين> نسبة الى الزخارف الصينية، وبملاصقة <منزل غوته> سينما-ميتروبوليسمباشرة يقع <متحف غوته> الذي يعرض مجموعة واسعة من المخطوطات والصور واللوحات والوثائق التي تمثل حياته ومراحلها، كما يحتوي على العديد من الأعمال الفنية مما يوضح العلاقة الوثيقة بين الأديب والفن.

متحف الهندسة المعمارية

أما التجول على ضفاف نهر <الماين> فيمنح الزائر فرصة زيارة <ضفة المتاحف> التي تضم متاحف متخصصة تحتوي على معروضات ومنحوتات قيّمة تلهب عشاق الثقافة والمتاحف. ومن أهم هذه المتاحف: متحف <شتيدل> الذي يحتوي على مقتنيات تغطي حوالى سبعة قرون من الفن، ومتحف الهندسة المعمارية الألماني الذي يُعتبر الوحيد من نوعه في القارة الأوروبية ويعرض هذا المتحف على مدار السنة الهندسة المعمارية الحديثة الألمانية والأجنبية، وهناك أيضاً متحف النحوت القديمة الذي يقدّم لمحة فريدة من نوعها لتطور فن النحت مع روائع المعروضات التي تمثل 5000 عام من فن النحت، ومتحف الفن الحديث الذي يشتمل على معروضات تمثل أروع أعمال الفن الأوروبي والأميركي من حقبة ستينات القرن الماضي الى الاتجاهات الحالية للفن العالمي المعاصر، وقاعة <شيرن> للفن التي تُعتبر واحدة من أبرز قاعات المعارض الأوروبية وتسلط المعارض فيها الضوء على المواضيع الراهنة.

كما تقدّم المدينة مجموعة من خيارات الأوبرا مثل <أوبرا فرانكفورت>، المسرح الانكليزي، والأوبرا القديمة. وتتصف <أوبرا فرانكفورت> الحائزة على جائزة بأنها جزء لا يتجزأ من الحياة الثقافية في المنزل-الذي-ولد-فيه-الأديب--غوته<فرانكفورت>. أما المسرح الانكليزي الذي تأسس في العام 1979 فيُعدّ اليوم أكبر مسرح باللغة الانكليزية في القارة الأوروبية.

وتُعتبر <فرانكفورت> أيضاً من المدن الزاخرة بالفاعليات والأنشطة والأحداث المهمة بكافة أشكالها وانواعها، مثل المعارض والكرنفالات المحلية والدولية، وهي تُعدّ من أقدم جادات العرض في العالم أجمع، حيث يُقام على أرض معارضها 50 معرضاً سنوياً تجذب اليها 40 ألف عارض وأكثر من 1.5 مليون زائر. ويمكن ان نختصر قائمة أشهر المعارض التي تقام في هذه المدينة بشكل سنوي بالمعارض التالية: معرض الكتاب الذي يحمل اسم هذه المدينة <Frankfurter Buchmesse>، ومعرض <أمبينته> وهو أكبر معرض ومؤتمر دولي، ومعارض المواد الاستهلاكية على مستوى العالم، وبما يتعلق بالهندسة الكيميائية والتكنولوجيا الحيوية وحماية البيئة، بالاضافة الى معرض السيارات الدولي وغيرها من المعارض.

وكل زائر يدرك بأن <فرانكفورت> هي مدينة سياحية اذ استطاعت بفضل ما تتمتع به من مزايا ان تجذب اليها الزوار من كل أقطار العالم، وهي تحتل المرتبة الأولى على مستوى ألمانيا فيما يتعلق بعدد المقرات الرئيسية للمؤسسات العالمية، كما انها تتفوق على غيرها من المدن السياحية باستقطابها لأكبر عدد من السياح الذين يقصدونها في كل عام.