23 September,2018

هناك مخططات لتقسيم سوريا لكن الموحدين رفضوا سابقاً الوطن الدرزي ويرفضونه اليوم!  

SAM_1037حادثة <قلب لوزة> في إدلب التي أدت الى مقتل أكثر من 20 مواطناً درزياً على أيدي عناصر <جبهة النصرة> تركت تداعياتها في الوسط الدرزي وجعلته ينقسم بين من يدعو للتهدئة واعتبار الجريمة حادثة فردية وبين من يعتبرها مجزرة تدخل في إطار مخطط لتهجير الدروز من هناك، خاصة وانها ترافقت مع فخ جبهة السويداء والقنيطرة. فماذا يقول المعنيون في لبنان؟

<الأفكار> التقت أمين عام مؤسسة <العرفان> الدرزية الشيخ سامي أبي المنى داخل دار الطائفة الدرزية في شارع فردان وحاورته في هذا الملف، بالإضافة الى الاتصالات التي جرت لتطويق ذيول الجريمة وعدم تطورها الى اشتباك سني – درزي في لبنان بعد صدور تهديدات من هنا وهناك.

سألناه بداية:

ــ تباينت الآراء حول حادثة <قلب لوزة> في إدلب بين من اعتبرها مجرد حادث فردي وبين من رأى انها مجزرة وفق مخطط مدروس لتهجير الدروز من هناك. فأين أنتم من ذلك؟

– الحادث الذي تعرضت له بلدة <قلب لوزة> عند جبل السماق في ريف إدلب ليس عابراً ولكنه لا يؤدي الى تهجير الدروز الذين يسكنون هناك منذ ألف سنة. فقد حاول البعض دفع الدروز للتخلي عن أرضهم وأبدى هذا البعض الاستعداد للمساعدة والاستضافة لكنهم رفضوا، خاصة وان هناك عدداً من الشباب من جبل السماق موجود في لبنان بقصد العمل وليس بقصد الهجرة، فالأهالي يرفضون ترك أرض تجذروا فيها منذ أكثر من سنة، ولذلك جاءت هذه الحادثة في سياق المسلسل التصادمي الدائر في سوريا أو الحرب الجارية هناك. وإذا كان وليد بك قد سماها حادثة فردية فلأنها جاءت في غمرة الاحتكاك بين مجموعات موجودة على الأراضي وتعيش الفوضى داخلها وبين الأهالي عندما أرادت مجموعة السكن في منزل معين، فرفض الاهالي ذلك ما أدى الى صدام. وبالتالي فالحادثة من هذا المنطلق فردية وتطورت الى انفعال وتشابك، فقتل من المسلحين من قُتل وقُتل من الموحدين الدروز من قتل، وعند التجمع للتشييع، جاء من يطلق النار بشكل عشوائي همجي حتى وصلت حصيلة القتلى من الأهالي الى 23 قتيلاً، وفور وقوع الحادثة تضخمت الأنباء ووردت أخبار عن سقوط 40 أو مئة قتيل، وهذا أمر طبيعي في مثل هذه الحالات أن تتناقض الأخبار وتتضخم نتيجة تكهن بأن أمراً كبيراً كبيراً سيحدث، وأن هناك بداية خطة لتهجير الدروز أو لإبادتهم، لاسيما وأن هناك خبراء يتقنون بث مثل هذه الأخبار لإثارة الفتنة وإخافة الناس  وتشعر معها ان هناك عملاً مخابراتياً وراء ذلك لإثارة الذعر ولربط الأمور ببعضها البعض، إن كان من إدلب الى السويداء الى القنيطرة وجبل الشيخ، وكأن المعارضة بدأت خطتها لضرب الموحدين الدروز في سوريا بهدف خلط الأمور، ولذلك أنا أشخص الواقع وأنقل رسالة الى الموحدين الدروز في سوريا بأن يكونوا حذرين جداً من هذه الأخبار وفي كيفية تعاملهم مع الواقع.

ــ هل تعتقد أن محاولات تطويق الحادث من قبل بعض القادة اللبنانيين ستؤتي ثمارها، وان بيان <جبهة النصرة> كافٍ لإعادة الأمور الى نصابها، أم ان هناك ناراً تحت الرماد، خاصة وان هناك  مخطوفين من الأهالي لم يعودوا بعد؟

– لم يتأكد بعد خبر خطف مواطنين دروز في <قلب لوزة>، والمشكلة ان هناك شباناً من الدروز في الجيش النظامي، وإذا كان هناك من مخطوفين أو موقوفين، فهذا يكون في إطار الصراع بين المعارضة والنظام ولا يدخل ضمن إطار صراع سني – درزي. ونحن لا نريد أصلاً أن يتحول الأمر الى هكذا صراع كما يحلو للبعض أن يحوله. فالصراع  هو صراع سياسي وليس سنياً – درزياً، وبيانات <النصرة> والجيـش الحـر وغيرهما من المعارضة استنكرت الحادث، لكن ربما البعض يضع هذا الاستنكار في إطار التكاذب الإعلامي ومحاولة تهدئة الخواطر للانقضاض على الأهالي مرة ثانية. لكن نحن علينا أن نثق بوليد بك الذي يسعى الى تطويق الأمر سياسياً وهو قام بحركة واسعة من الاتصالات للالتفاف على الموضوع ولوأد الفتنة في مهدها، وهذا باعتراف الخصوم قبل الأصدقاء، وأعتقد انه أصاب في ذلك.

ــ زار النائب جنبلاط عمان وأوفد الوزير وائل أبو فاعور الى تركيا والسعودية، وأجرى مروحة من الاتصالات الداخلية والإقليمية. فهل انتهى الموضوع عند هذا الحد؟

– هذه حركة واكبها وليد بك باتصالات داخلية وخارجية، وهو يعتقد أن هناك قوى محلية خارجية مؤثرة على الساحة السورية ومنها تركيا والسعودية والأردن وقطر، وبالتالي فالمسعى باتجاه هذه الدول يخفف من وطأة الحادثة، فلا تكون القشة التي تقصم ظهر البعير وتحدث الانفجار الكبير.

ــ صدرت تصريحات تحذر من استقبال آلاف الدروز في لبنان بعد خروجهم من سوريا. فهل هذا الأمر وارد؟

– هذا الأمر غير وارد حتى الآن إطلاقاً، لا الأهالي يقبلون ترك أرض أجدادهم، خاصة وان الدروز لم يتخلوا عن أرضهم بسهولة، ولا  أحد غيرهم يقبل بذلك، وإذا كانت هناك لعبة دولية جهنمية أكبر من الدروز لتهجيرهم، فلا حول ولا قوة إلا بالله آنذاك، لكن نحن قادرون على الثبات في أرضنا بعزم ورسوخ وبالتعامل مع الأمر الواقع بالسياسة والحكمة والوعي، وبالتكيف مع الواقع المستجد.

ــ كيف ذلك، يعني طالما ان هناك دعوات من الطرفين لأسلمة الدروز؟

– أقصد التعامل بواقعية مع الحركات الإسلامية الموجودة على الأرض. فنحن مسلمون وان الدين عند الله هو الإسلام، ولكن هناك خصوصيات في المذهب، إلا انه في ظل التطرف الموجود علينا ان نتعامل مع الواقع بحيث نعود الى ما كان عليه الأوائل. فالأمير السيد عبد الله التنوخي الذي وضع وشرّع في هذا المذهب منذ أكثر من 500 سنة أكد على ضرورة إقامة الجوامع والالتزام بالفرائض الإسلامية، وبالتالي إذا كان هناك من تقصير عند البعض، فلنعالج هذا التقصير.. فهذا شيء لا نعتبره وكأنه نوع من إبادة الدروز أو تغيير معتقدهم أو هويتهم، ولكن إذا تجاوز الأمر هذا الحد، طبعاً آنئذٍ يكون لكل حادث حديث.

 

نرفض شعار أسلمة الدروز

ــ طرحت شعارات في إدلب مثل إعادة <أسلمة> الدروز. فكيف تقارب ذلك؟

– نحن نرفض هذه المقولة رفضاً تاماً، ليس هناك من ضرورة لإعادة الأسلمة، بل ربما هناك ضرورة لزيادة الثقافة الإسلامية في مجتمعنا وزيادة الوعي الإسلامي وهذا أمر مطلوب لأننا في النهاية مذهب من المذاهب الإسلامية، وهناك أصول لا بد من العودة إليها واتباعها، وهناك فروع لا يجوز أن يتجاوزها هؤلاء الإسلاميون في محاولة لطمس كل فرع من فروع الإسلام، فلا الدين يقبله ولا القرآن يقبله ولا الرسول (صلى الله عليه وسلم) يقبله.. فلنتعامل مع الواقع بحكمة ووعي لكي نتجاوز هذه المرحلة الحساسة من تاريخنا، علماً ان الطائفة سبق ومرّت بمثل هذا الأمر. فالعثمانيون حكموا 400 سنة ورغم ذلك حافظ هذا المذهب على خصوصياته والشرع في القضاء الدرزي، اليوم يعتمد الشرع الحنفي، وهناك بعض أمور الأحكام تعتمد على المذهب الشافعي، وبالتالي تأثر هذا المذهب بالدولة العثمانية دون التخلي عن خصوصيات معينة.

وأضاف:

– فإذا أخذنا موضوع تعدّد الزوجات والذي هو أمر غير مقبول في الشرع الدرزي نجد اننا لم نساير أحداً فيه عبر التاريخ لا الدولة العثمانية ولا غيرها، وبالتالي فهناك خصوصيات لا بد من الحفاظ عليها، لكن إذا تجاوز الأمر الى الحديد والنار والسيف لفرض عقائد معينة أو أحكام معينة، فعندئذٍ لكل حادث حديث ولن نقبل به، وهناك من يساعدنا في ذلك.

ــ إذاً لا ترى أن الأمر أبعد من ذلك ويتصل بتهجير الدروز من هناك مع الحديث عن تقسيم سوريا وإقامة دويلات طائفية ومذهبية أو لإقامة جدار درزي عازل مع حدود فلسطين المحتلة، لاسيما وان الأصابع الاسرائيلية ليست بعيدة عما يجري؟

– هذه مخاوف مشروعة وتطرح خرائط للمنطقة ورسماً تقسيمياً لسوريا، ونحن نتخوف من ذلك خاصة من لعبة الدول والمخططات. ووجود اسرائيل هو العلّة الكبرى في هذه المنطقة، خاصة إذا حاولت خلق دويلات طائفية ومذهبية لتبرير وجودها ولتبقى مهيمنة، ولكن الموحدين الدروز عبر التاريخ رفضوا ذلك سواء في أيام فخر الدين أو في عام 1925 مع ثورة سلطان باشا الأطرش حيث رفض أن تكون ثورة درزية، وكان على صلة وتنسيق مع أهل حوران ودرعا وحمص وغيرهم، أي كانت ثورة عربية سورية شاملة ورفضنا آنذاك أن تكون هناك دولة درزية وكنا في أوج قوّتنا، فكيف نقبل بها الآن فهذا أشبه بالانتحار والقضاء على الذات! فقوتنا تكمن في التماهي مع محيطنا وفي تشكّل وحدة وطنية مع اخواننا السوريين واللبنانيين وليس في إقامة دولة معزولة عن هذا المحيط العربي الإسلامي الواسع.

وتابع يقول:

– فوجودنا أو بقاؤنا هو ضمن هذه الهوية الإسلامية العربية لطائفة الموحدين الدروز وليس غير ذلك، وإسرائيل تحاول وهناك المواطنون الدروز في فلسطين المحتلة وربما البعض يتعاطف مع اخوانهم الدروز في سوريا بروح من النخوة والمروءة ويطالبون اسرائيل بالتدخل، لكن القيادات الحكيمة ترفض هذا الأمر رفضاً باتاً كما رفض الأمر سابقاً مع رفض كمال جنبلاط عند إثارة اسرائيل لموضوع الدويلة الدرزية زمن الرئيس جمال عبد الناصر، فالأمر يرفض اليوم من قبل وليد جنبلاط والأمير طلال ارسلان ومشايخ العقل وكل القيادات الدرزية. ومن يسعى بالترهيب أو بالترغيب لبث هذه الفكرة وإعادة إحيائها يعتمد على ان الدروز كما غيرهم من المجموعات الأقلية سيصلون الى نقطة يحشرون فيها لكي يقبلوا بمثل هذا الحل الإنقاذي لهم، لكن التعاطي بانتباه وحذر ووعي وبسياسة منفتحة وبتواصل مع بقية القادات في كل الطوائف ومع الدول المؤثرة هو الأمر المطلوب كسياسة حكيمة تقف سداً منيعاً في وجه مثل هذه الطروحات.

الحرص على الدروز رغم التباينات

ــ هناك وجهتا نظر بالنسبة لدروز لبنان حول ما يجري في السويداء بين من يطالب بالحياد وبين من يدعو للقتال الى جانب الجيش السوري. فأين أنتم من هذين الطرحين؟

– كل مسؤول سياسي يقارب الموضوع من موقعه السياسي سواء وليد بك أو الأمير طلال أو غيرهما، ولكن لاحظت ان هناك نقاطاً أساسية مشتركة عند الجميع وهي ان كل القيادات حريصة على السويداء وعلى اخواننا الدروز وعلى حمايتهم، فهذا يطالب بحمايتهم السياسية وذاك يطالب بحمايتهم بالتدخل العسكري وربما البعض يطالب بالدعم المادي. وبالتالي فنحن دروز سوريا ولبنان وفلسطين عائلات واحدة وهناك روابط اجتماعية تجمعنا. ومنذ العام 1925 كانت هناك حالات زواج مع دروز فلسطين، وهذه النخوة الدرزية موجودة. حتى انه في العام 1925 ساعد الأمراء الارسلانيون سلطان باشا الأطرش وكانوا الى جانبه وأيضاً في القرن التاسع عشر كانت هناك نخوات من جبل العرب الى لبنان لمساعدة اخوانهم هناك.

واستطرد قائلاً:

– هذا أمر موجود وليس مستغرباً ولكن ان ندعو اليوم الى حمل السلاح في لبنان لنذهب الى سوريا ونقاتل مع اخواننا، فهذا شيء من الاندفاع ومشكور من أطلقه، ولكن أجد فيه إهانة لإخواننا الدروز في السويداء لأنهم قادرون على حماية أنفسهم، وربما قال وئام وهاب انه ينقصهم السلاح والتنظيم، ولكن السلاح يأتي في إطار هذه الفوضى عبر كل الطرق، ومن عادة الموحدين الدروز حتى في الحروب انهم كانوا يأخذون السلاح من الحاميات الفرنسية ويقاتلونها به. وبالتالي عندما يكون هناك وضوح في الرؤية وتحديد من هو العدو ومن هو الصديق، أعتقد ان هذا يساعد على وحدة الكلمة، وهذا ما يحتاجه اخواننا في السويداء وهذا أول وأهم سلاح، بالإضافة الى الإيمان بالله سبحانه وتعالى والإيمان بأن المعتدي سيهزم في النهاية. فهذا يشكل دعامة لهم أيضاً، هم يحتاجون السلاح وهم أدرى كيف سيحصلون عليه  إنما لا بد من أن يعتمدوا على أنفسهم. نحن مع أن تكون سوريا قوية بجيشها وشعبها ولكن لا نريد أن يخذل الدروز في السويداء في اعتمادهم على النظام ولا بد ان يعتمدوا على أنفسهم وهم على كل حال أدرى بشأنهم وبشكل علاقتهم مع الجوار التي تحفظهم الى جانب الإيمان والاعتماد على الذات.

ــ وكيف ترى محاولة دخول مسلحي المعارضة لبلدة حضر للوصول الى القنيطرة، ألا ترى ان بصمات اسرائيل واضحة هناك؟

– طبعاً، المعارك جرت في حضر ووردت أخبار متناقضة نشم من خلالها رائحة المخابرات وإثارة الفتنة من اسرائيل ومن الداخل السوري. وأعتقد ان المعارضة تحاول ربط القنيطرة بريف دمشق كمحاولة لإسقاط النظام من خلال الوصول الى دمشق. وبالتالي فالمعركة ليست معركة درزية – سنية، بل هي معركة مع النظام والدروز يقعون في المأزق بين الطرفين وكل همّهم هو الدفاع عن مناطقهم وأهلهم. ولذلك نقول إن هناك مسؤولية على <جبهة النصرة>، فإذا كانت تريد إسقاط النظام فلتبتعد عن الاحتكاك مع الموحدين الدروز ومع القرى الدرزية، وهناك مسؤولية على النظام بألا يستخدم القرى الدرزية في قصف المعارضة، وبالتالي فالمسؤولية مشتركة بين النظام والمعارضة.