23 September,2018

هناك غطاء إقليمي دولي لحماية لبنان وعدم تفجيره وإلا فكل المعطيات الداخلية قابلة للتفجير!

SAM_0038 رحل العميد المتقاعد سمير شعراني مع نهاية العام الماضي منذ أيام تاركاً وراءه سمعة طيبة كرئيس سابق لبلدية طرابلس وكقائد لشرطة بيروت ومعهد قوى الأمن الداخلي، لكن الأهم أنه كان صلة الوصل أواسط الثمانينات بين الرئيسين الراحلين كميل شمعون ورشيد كرامي بالتعاون مع الوزير السابق جوزف الهاشم، للوصول الى حلول للأزمة اللبنانية والتي دفع ثمنها الرشيد من دمه. فماذا يقول الوزير الهاشم عن تلك المرحلة؟

<الأفكار> استضافت في مكاتبها الوزير الهاشم وحاورته في هذا الشأن، بالإضافة الى شؤون وشجون الوضع الداخلي لاسيما الرئاسي منه والطرح الذي قدمه للبطريرك بشارة الراعي لحل الأزمة الرئاسية بدءاً من البيت الماروني.

وسألناه بداية:

ــ قبل استشهاد الرئيس رشيد كرامي عام 1987، حصل تواصل بينه وبين الرئيس الراحل كميل شمعون حيث كنت تمثله وتنوب عنه، فيما قام العميد الراحل سمير شعراني بتمثيل الرئيس كرامي وحصل تفاهم ترجم الى مسودة اتفاق لحل الأزمة الناشئة. فماذا تكشف لنا هنا من أسرار ومعطيات؟

– هذا صحيح، كان الرئيس شمعون في مستشفى  <أوتيل ديو> وكنت أمثله وأتواصل مع الرئيس رشيد كرامي، لكن العلاقة مع العميد شعراني سابقة لذلك وتعود الى يوم عقد مؤتمر لوزراء الداخلية العرب في تونس عام 1984، وكان الاخوة الفلسطينيون يضعون بنداً في جدول الأعمال يقول بضرورة أن تمنح البلدان العربية الفلسطيني <فيزا> ليستطيع بموجبها أن يدخل أي دولة عربية بدون تأشيرة، الأمر الذي أقلق السعوديين، فاتصلوا بالرئيس رشيد كرامي وقالوا له إن المؤتمر خطير وطلبوا إبعاد وزير داخلية لبنان ليتخذ الموقف المخالف لهذا المشروع، خاصة وان غالبية الدول العربية تؤيد طرح الفلسطينيين، فبحث الرئيس كرامي الموضوع مع الرئيس أمين الجميل وطرح اسمي لأكون مندوب لبنان في المؤتمر، رغم ان وزير الداخلية هو جوزف سكاف مكان الوزير عبد الله الراسي الذي لم يشارك في الاجتماعات، وأنا كنت وزيراً للبريد والاتصالات وللصحة والشؤون الاجتماعية بعد وفاة الشيخ بيار الجميل، واتفق أن يتكفل الرئيس كرامي بتمرير اسمي لأن هناك حساسية بين الرئيس الجميل وبين الوزير سكاف.

وأضاف يقول:

– وهنا تبرز حنكة وحكمة الرئيس رشيد كرامي، إذ عندما طرح بند تمثيل لبنان في مؤتمر تونس لوزراء الداخلية العرب، تمت الموافقة على المشاركة وطلب الرئيس كرامي من أمين عام مجلس الوزراء عمر مسيكة ان يكتب ان لبنان سيشارك بشخص الوزير سكاف، لكن بعد نصف ساعة أخرج الرئيس كرامي من جيبه مفكرة والتفت نحو الوزير سكاف وقال له إنه يحتاجه في هذا التاريخ المتزامن مع انعقاد المؤتمر، فطرح اختيار اسم آخر الى أن توقف عند اسمي وتم اختياري لأمثل لبنان. ثم استوقفني عند انتهاء الاجتماع في غرفة جانبية وقال لي إن اختياري متفق عليه لكي أكون صلباً في معارضة القرار المنتظر، علماً أنه تم اختيار العميد سمير شعراني ليرافقني في هذه المرحلة. وفعلاً سافرنا الى باريس وإذ بسفيرنا في تونس المرحوم سامي قرنفل يتصل بنا هناك لتسريع وصولنا كي لا يفوتنا افتتاح المؤتمر في اليوم التالي، فقررنا اختصار الوقت والذهاب فوراً ووصلنا وتم استقبالنا في قاعة جانبية حتى يتم استكمال وصول الوفود المشاركة.

مع زين العابدين بن علي

واستطرد قائلاً:

– وقد استقبلنا آنذاك الرئيس السابق زين العابدين بن علي الذي كان مديراً للأمن العام، وذلك بشكل عادي دون اهتمام، الى أن وصل وزير الداخلية السعودي الأمير نايف بن عبد العزيز الذي لاقى كل اهتمام وترحيب، خاصة وان الأمير محمد ابن الملك فهد كان يرافقه وحظي باستقبال حافل، ودخلنا الى قاعة المؤتمر دون معرفتي بأن رؤساء الوفود سيتكلمون، ولذلك لم أحضّر خطاباً أو ورقة ما، وبدأت الجلسة برئاسة الأمين العام للجامعة العربية الشاذلي القليبي وكرت سبحة الكلمات، فطلب مني سامي قرنفل كلمتي لكي يطبع نسخة منها ويوزعها على الوفود، فقلت له إنني لم أحضّر كلمة لأنني لم أكن أعرف أن هناك كلمات ستلقى، فضرب على رأسه ثم طلب مني السماح بأن يخرج مع شاب من السفارة لتحضير كلمة لي، فنكزه سمير شعراني بقوة وقال له إن جوزف الهاشم لا يحتاج لمن يكتب له كلمة، وهو الخطيب المفوّه، فسكت، وهنا بدأت أسمع الكلمات على التوالي الى أن جاء دوري فوقفت خطيباً لمدة نصف ساعة بارتجال لا مثيل له، واستشهدت بعدة آيات من القرآن الكريم الى أن انتهى الاجتماع، وعندما دخلنا الى غرفنا اتصل بنا الأمير محمد وقال لي إن الأمير نايف يريد أن يزورني، علماً أن مكة تُزار ولا تزور، وفعلاً زارني بعدما أخذت وهجاً في المؤتمر من خلال كلمتي لم ينله أحد، وقال لي الأمير انه لا يعقل أن يستشهد وزير مسيحي بالقرآن ويرتجل لمدة نصف ساعة دون أخطاء.

وتابع يقول:

– وفي اليوم الثاني للمؤتمر، افتتح الجلسة ممثل منظمة التحرير الفلسطينية فاروق القدومي (أبو اللطف) فهاجم الأنظمة العربية وقال: إنها تتاجر بالنفط وبالرقيق الأبيض، وان الشعب الفلسطيني معذب ولا يهتم به أحد. وطرح موضوع تأشيرة الدخول الى البلدان العربية. فقام الأمير نايف وقال إن لا مشكلة لدى السعودية، ولكن هناك قوانين داخلية تتعارض مع هذا الطرح، ولا بد من التوفيق بين القانون الداخلي وبين هذا الاقتراح، الأمر الذي يحتاج الى تنسيق وتدقيق، لكن أبا اللطف الذي وجه الكلام للأمير نايف في بداية كلامه، رفض رد الأمير نايف وطالبه بالموافقة مبدئياً على المشروع على ان تصبح باقي الأمو مجرد إجراءات إدارية، الى أن عقّب الأمير نايف وقال إن لبنان لديه تجربة في هذا المجال، الأمر الذي دفع القليبي لسؤالي عما إذا أردت الكلام، فقلت له: نعم، وبدأت الكلام بارتجال وقلت إنه رغم ان كلام الأمير أمير الكلام، فنحن في لبنان لا مشكلة لدينا لأن اخواننا الفلسطينيين زوّروا عشرين ألف جواز سفر وهم يستطيعون الدخول الى لبنان ويخرجون منه ساعة يشاؤون، فما كان من أبي اللطف إلا أن ضرب يده على الطاولة رافضاً كلامي، وقال إنه إذا كان هناك جواز سفر مزور فلا يعني أن كل الجوازات مزورة، فرددت عليه بالقول: اعترف ممثل فلسطين بأن هناك بعض الجوازات المزورة وهذا يعني ان المجرم ليس من الضروري أن يرتكب عشرين جريمة ليسمى مجرماً، بل يكفي أن يرتكب جريمة واحدة ليصنف في عداد المجرمين. وما ان انتهيت حتى علا التصفيق في القاعة بالتزامن مع صخب الجمهور، فعمد القليبي الى رفع الجلسة، وطار المشروع.

الوساطة بين شمعون وكرامي

ــ نأتي الى قضية الوساطة بين الرئيسين كميل شمعون ورشيد كرامي عبرك وعبر العميد شعراني. فما قصة ذلك؟

– كان الوضع متأزماً والضغط الخارجي على أشده، وسبق أن اجتمعت مع الرئيس كرامي الذي كان يحبني خاصة بعدما أثنت السعودية على أدائي في مؤتمر تونس، وكان هناك ودّ متبادل بيننا رغم الحساسية بينه وبين الرئيس أمين الجميل لاعتبارات شتى، وكذلك كانت هناك مودة بيني وبين الرئيس سليم الحص الذي كان وزيراً أيضاً حتى انه عند تعيين العماد ميشال عون رئيساً للحكومة الانتقالية، قال الرئيسان سليم الحص ونبيه بري (يوم كان وزيراً للعدل) ان الرئيس الجميل أخطأ ولو عيّن جوزف الهاشم لكان أحرجنا بالتسمية نظراً لوجود علاقات مميزة بيني وبين الجميع، ولأنني منفتح وليس لأنني كتائبي وخارج من رحم القوات. وقد اجتمعت مع الرئيس كرامي في قصر منصور وكان يتعذب للوضع السائد من موقع أنه لا يستطيع المواجهة ولا يستطيع التراجع عن موقفه، إلا ان فرص اللقاء بينه وبين الرئيس كميل شمعون كانت هي الأخرى مغامرة كبيرة. وأراد تهيئة الفرص والظروف للتوافق، وقلت له إن أي لقاء يحصل لا بد وأن يبرّد الأجواء، ولذلك استطعت أن أجمعه بالرئيس شمعون في قصر منصور وحصلت فيما بعد اتفاقات ووصلنا الى مسودة اتفاق لحل الازمة، وعندما دخل الرئيس شمعون الى المستشفى ورافقته الى هناك، تواصلت مع الرئيس كرامي وكتبت ملخصاً عن فحوى التوافق ونشرته في الوكالة المركزية بعد موافقة الرئيس شمعون، خاصة في ما يتعلق بالعلاقات اللبنانية – السورية حيث كان الرئيس كرامي يصرّ على عبارة <العلاقات المميزة> واقترحت أن يستعاض عنها بعبارة <تميزه> بمعنى تميز لبنان في علاقاته الأخوية وهذه أقوى لكن لم يوافق الرئيس كرامي، وقرأ الرئيس كرامي مضمون البيان الذي نشرته ووافق عليه بانتظار عودته من طرابلس للقاء شمعون، لا بل عمدت قبلها الى اقناع الرئيس الجميل بزيارة الرئيس سليمان فرنجية في زغرتا، ومن هناك اتصلت بالرئيس كرامي بمساعدة الوزير عبد الله الراسي وجعلته يتحدث مع الرئيس الجميل من دون معرفتهما بأننا نحن من رتّب الاتصال في محاولة لتبريد الأجواء، علماً ان العميد شعراني كان ساعي البريد بيننا وبين الرئيس كرامي وهو رجل صادق وخلوق ومناقبي ولبناني ومؤمن.

SAM_0051

ــ نأتي الى الوضع الداخلي ونسألك عن نتائج الحوار المنتظر بين تيار <المستقبل> وحزب الله، وبين العماد ميشال عون والدكتور سمير جعجع، فماذا عن هذا الامر وهل يرتبط بالاستحقاق الرئاسي؟

 

– هذه خطوة أولى نحو الحل.. فكل القوى والمراجع الديبلوماسية والدولية والقوى السياسية المحلية تقول: <فليتفق الموارنة فيما بينهم ونحن نوافق على ما يتفقون عليه..>. وأنا منذ مدة طرحت على البطريرك بشارة الراعي برنامجاً معيناً أشارت إليه الصحف، لكن دون تفصيل.

مؤتمر ماروني لإحراج الأربعة

ــ صحيح، ماذا عن التفاصيل؟

– قلت للبطريرك الراعي إن هناك خطوط تماس حمراء وليست سياسية فقط بين الأربعة الموارنة الكبار، والكل يعرف أن العلاقة بين الكتائب وسليمان فرنجية ليست كما يرام، والعلاقة بين القوات وسليمان فرنجية، والعلاقة بين سمير جعجع وأمين الجميل، وكذلك العلاقة بين العماد عون وسمير جعجع، وبالتالي فالخلاف ليس سياسياً، بل هناك أحقاد في النفوس وضغائن وملامح ثأر، ولذلك لن يتفق هؤلاء الأربعة، وبالتالي الأفضل أن يتم اغراق الأربعة في بحر ماروني أوسع من خلال عقد مؤتمر ماروني يضم رؤساء الجمهورية السابقين والوزراء والنواب الموارنة الحاليين والسابقين ورؤساء الروابط والأحزاب، حيث ان هذه الأسماء تشكل القوى المارونية الفاعلة، والبطريرك أضاف رؤساء الجامعات لأنهم يربون الأجيال، بحيث يعقد المؤتمر الذي سيحضره الأربعة ولن يغيبوا عنه كي لا يعزل أحدهم نفسه مارونياً، وبالتالي يحرجون ضمن هذه الحلقة الواسعة عندما يوجه لهم السؤال عن أن اتفاقهم هو الحل والطلب منهم الاتفاق فيما بينهم على مرشح واحد أو إفساح المجال للآخرين لكي يتم انتخاب ثلاثة من المرشحين عبر الموارنة، وتحول الأسماء الى مجلس النواب ليتم انتخاب واحد منهم، ولذلك يحرج الفريق الآخر الذي يقول إن الكرة في الملعب الماروني، فوافق البطريرك الراعي ثم تردد ثم قال إنه ينتظر ما ستسفر عنه اللقاءات المرتقبة بين سمير جعجع والعماد عون.

وأضاف:

– سبق أن طرحنا على البطريرك الراعي بعد عودته من القدس وقيام حملة تخوين ضده أن يكون أكبر من الأربعة الموارنة الكبار ولا يقتصر دوره على أن يكون رئيساً روحياً فقط، خاصة وأن الوزير سليمان فرنجية يقول إن البطريرك هو الرئيس الروحي فقط، ولا علاقة له بالسياسة، ولذلك قلت إنه إذا أراد أن تكون له علاقة بالسياسة، يجب أن يجعل حوله حشداً شعبياً مارونياً عريضاً، فإذا تكلم تصبح كلمته أقوى من الأربعة الكبار. وعلى كل حال، أعتقد أن البطريرك يتريث حول كل المبادرات ليرى أين سيصل الحوار المرتقب، علماً أنني أرى أن هذا الحوار هو نتيجة إحساس المرجعيات الحليفة باحتمال الانفجار نتيجة الضغط الهائل، وهذا غير مطلوب في لبنان لا إقليمياً ولا دولياً، ولذلك فتنفيس الاحتقان يكون بالحوار لسحب فتيل التفيجر من دون إتلاف القنبلة. وأعتقد أن محاولتي الحوار هما تمهيد لعدم انفجار الوضع في لبنان على غرار ما هو عليه خارج لبنان. وأنا هنا أقول إن هناك أسباباً داخل لبنان تؤدي الى تفجير داخلي أكبر مما حصل في العام 1975 ولو لم تكن هناك ضوابط إقليمية دولية تحصن لبنان، ولأن هذا الغطاء موجود. وأنا أقول هنا إن الدخول الأميركي الى العراق عام 2003 حصل بدفع اسرائيلي هدفه الرئيسي تفجير التناقض السني – الشيعي، وهذا ما <طرطش> كل العالم العربي بالشظايا الحالية، لكن الوضع اللبناني إذا فجّر سينتقل الصراع من سني – شيعي الى مسلم – مسيحي، وهذا غير مطلوب.