18 August,2019

هل ينقلب غضب الصين من ”ترامب“ إلى مواجهة عسكرية؟

بقلم خالد عوض

مثير تشبيه الكاتب <نيل إرفين> في صحيفة <نيويورك تايمز> بين ما حصل في ٩ آب (أغسطس) ٢٠٠٧ قبل اسابيع من إنفجار الأزمة المالية العالمية وبين ما حصل يوم ٥ آب (أغسطس) المنصرم. منذ إثنتي عشرة سنة بالتمام هبطت البورصات العالمية بالنسبة نفسها التي نزلتها منذ أيام، وبالتحديد ٢,٩ بالمئة لمؤشر <ستاندردز أند بورز>. عام ٢٠٠٧ تابعت البورصات هبوطها وبدأت ملامح الأزمة العالمية تظهر تدريجيا مع كل شهر بعد آب (أغسطس) إلى أن تجلت في ١٥ أيلول (سبتمبر) ٢٠٠٨ عندما أفلس مصرف <ليمان براذرز> في أكبر عملية إفلاس في تاريخ الولايات المتحدة. هل العالم اليوم في وضع مشابه لعام ٢٠٠٧ أي قبل عام من حدوث أزمة إقتصادية ومالية عالمية، ولو لأسباب مختلفة هذه المرة؟

نبوءة الذهب؟

عند كتابة هذه السطور كان سعر الذهب قد تجاوز ١٤٩٠ دولاراً للأونصة وذلك لأول مرة منذ شباط (فبراير) سنة ٢٠١٣ أي قبل أكثر من ست سنوات ونصف السنة. قد لا يكون وصول الذهب إلى مستوى مرتفع بالضرورة انباء بأزمة ولكن سرعة ارتفاعه من مستوى ١١٨٠ دولاراً منذ سنة تقريبا إلى مستوى ١٤٩٠ دولاراً منذ أيام أي أكثر من ٢٥ بالمئة في خلال سنة واحدة دليل أن العالم على أبواب مشكلة مالية غير عادية. فتاريخيا وبالتحديد منذ فك الرئيس الأميركي السابق <ريتشارد نيكسون> إرتباط الدولار بالذهب عام ١٩٧١، إرتفع الذهب بهذه الطريقة مرتين: مرة سنة ١٩٨٠ ومرة أخرى إبان الأزمة المالية عام ٢٠٠٨. في سنة ١٩٨٠ كان العالم يترقب مفاعيل وصول الثورة الإسلامية في إيران إلى الحكم وتأثيرها على أسعار النفط التي ارتفعت إلى أكثر من ٣٥ دولاراً للبرميل (أي ما يساوي أكثر من ١١٠ دولارات للبرميل بقيمة اليوم). وفي عام ١٩٨٠ أيضا كان الإتحاد السوفيتي يدخل إلى أفغانستان، والعالم ترقب يومذاك مواجهة أميركية – سوفيتية في آسيا. أما في عام ٢٠٠٨ فالأزمة المالية ضربت كل اقتصادات العالم تقريبا. وجراء ضخ السيولة من المصارف المركزية لتحفيز النمو، تراجعت أسعار العملات الرئيسية مقابل سعر الذهب فوصل سنة ٢٠١١ إلى ١٨٨٠ دولاراً. ما هو السيناريو الذي ينبئ به سعر الذهب اليوم؟

 

<ترامب> لوحده!

هناك ثلاثة أمور ساهمت في القلق العالمي الذي ساد منذ أول هذا الشهر. الأول إعلان الرئيس الأميركي <دونالد ترامب> عن رزمة رسوم جمركية جديدة على أكثر من ٣٠٠ مليار دولار من البضائع الصينية إبتداء من أول أيلول (سبتمبر) المقبل. هذا يعني أن كل المنتجات الصينية إلى الولايات المتحدة أصبحت خاضعة للرسوم. هذا التصعيد في الحرب التجارية بين الدولتين الأكبر اقتصاديا لم يعد قائما على دراسة للأسواق أو على فحوى المفاوضات القائمة بينهما بل على تفلت الرئيس الأميركي من أي قيد في التعامل مع الصين وقد أخذ الأمر على عاتقه، حتى أنه لم يعد يصغي إلى مستشاريه الماليين الذين نصحوه بالتروي رغم أن بعضهم مثل الممثل التجاري للولايات المتحدة <روبرت لايتهايزر> هم من أشرس المشجعين للحرب التجارية وفرض الرسوم. ولكن <ترامب> قرر أن يسير على طريقته ولذلك لا أحد يعرف إلى أين سيفضي ذلك.

 

من <بيداهي> مع التحية

الأمر الثاني الذي خلق الذعر في الأسواق هو رد الصين على الرئيس الأميركي بتخفيض سعر عملتها مقابل الدولار الذي أصبح يساوي أكثر من

سبعة <يوان> صينية. هذا المستوى هو أقل سعر للعملة الصينية منذ أيام الأزمة المالية العالمية وتحديدا منذ نيسان (ابريل) ٢٠٠٨. منذ عدة أيام توجه القادة الصينيون أعضاء المكتب السياسي والرئيس <شي جين بينغ> إلى منتجع <بيداهي> الساحلي وانعزلوا هناك لعقد إجتماع مغلق للبحث بأزمة <هونج كونغ> التي تتهم الصين الولايات المتحدة أنها تغذيها، وبالخطوات اللازمة للرد على رسوم <ترامب>. هذا النوع من الإجتماعات يحصل فقط في أوقات الأزمات أو القرارات الإستراتيجية الكبيرة. من الواضح أن الإقتصاد الصيني بدأ يعاني من هروب الشركات إلى أماكن أكثر <أمانا> تجاريا مثل <فيتنام> ولم يعد في يد الصينيين الكثير مما يملكوه في لعبة الرسوم فانتقلوا إلى خطوات أخرى، أولا عبر تخفيض العملة حتى لا تفقد بضائعهم قدرتها على المنافسة في الأسواق الأميركية، ثم عبر تصريحات تحذيرية غير اعتيادية حول رفض الصين واستعدادها للرد على أي خطوة أميركية في نصب صواريخ متوسطة المدى في وسط آسيا، بعد إعلان وزير الدفاع الأميركي <مارك اسبر> أن الولايات المتحدة عزمت على إتمام ذلك خلال سنة ونصف السنة من الآن. هذا هو الأمر الثالث، أي فرضية مواجهة عسكرية بين <القوتين> الذي قفز بالذهب وأعاد التذكير به كأفضل ملاذ آمن في زمن الأزمات.

هناك منتفعون من التصعيد التجاري بين الصين والولايات المتحدة. <فيتنام> مثلا أصبحت مقصدا للشركات الهاربة من الصين لتفادي رسوم <ترامب>. وإيران أيضا التي أصبحت الأزمة معها ثانوية وأصبح عندها هامش مناورة أوسع رغم الضائقة المالية التي تعاني منها بسبب العقوبات. ولكن إستمرار سياسة <من يخسر أكثر> بين أكبر اقتصادين في العالم سيضر الجميع في النهاية، خاصة أن الأمر خرج عن منطق الحسابات وأصبح لعبة عد أصابع لا يبدو أن هناك من يقدر على لجمها.