16 October,2019

هل يمكن للمنطقة العربية والعالم التعايش مع إنهيار مالي في لبنان؟

 

بقلم خالد عوض

 

الكلام عن أزمة إقتصادية في لبنان وما يصحبه من تهويل مالي وشح للدولار في الأسواق أصبح نوعا من الكليشيهات الإعلامية اليومية. الأرقام ليست خافية على أحد. فبالمفهوم الإقتصادي العلمي لبنان يعاني منذ ٢٠١١ من أزمة عدم نمو كلفته كثيرا من العجز في الموازنة وبالتالي مزيدا من الديون. الدين العام سيناطح ٩٠ مليار دولار مع نهاية سنة ٢٠١٩ وستصل نسبته من الناتج المحلي إلى ١٥٥ بالمئة أي أن دين اللبنانيين يزيد عن مرة ونصف المرة مجمل انتاجهم السنوي. العجز المعلن في موازنة ٢٠١٩ أي ٧,٥ بالمئة هو تجميلي لأن هناك نفقات كثيرة لم تحتسب، كما أن مسألة إكتتاب المصارف اللبنانية بـ١١ ألف مليار ليرة بفائدة ١ بالمئة والتي بنت عليها الموازنة تقدير خدمة الدين، لا يمكن أن يحصل في الظروف الحالية، أولا لأن البنوك اللبنانية لا زالت مقتنعة أن الدولة لم تعالج جذريا مكامن الهدر الكبير في الجمارك، وثانيا لأن إجراء كهذا يهبط بأرباحها بشكل كبير. ما هي السيناريوهات الممكنة في الحالة الإقتصادية المتدهورة في لبنان؟

النفط والسلسلة!

 

هناك أمران طارئان رئيسان ضربا موازنة الدولة، هذا من دون التطرق إلى الإدارة الحكومية والسياسية الفاشلة للبلد أو إلى شح تدفق الإستثمارات الخارجية المباشرة أو إلى العجز المتواصل في الميزان التجاري أي الفرق بين الواردات والصادرات أو إلى عجز مؤسسة كهرباء لبنان، فكل ذلك قديم. الأمر الأول هو تراجع تحويلات اللبنانيين المغتربين إلى لبنان منذ اواخر ٢٠١٨ بشكل متزايد، فهذه التحويلات كانت قد تجاوزت ٨ مليارات دولار سنويا قبل سنة ٢٠١٥ أما اليوم فالأرقام تشير إلى أنها أصبحت أقل من ٧ مليارات دولار والحبل على الجرار. أسباب هذا الإنخفاض عديدة، منها أولا تراجع مداخيل اللبنانيين في الخارج بسبب إنخفاض أسعار النفط وتأثيره على موازنات دول الخليج وبعض الدول الأفريقية مثل نيجيريا، كما أن الحالة الإقتصادية المتفاقمة والشلل السياسي والخوف من الإنهيار الذي يبشر به الإعلام اللبناني والدولي بإستمرار كلها لا تشجع أحدا على تحويل أمواله إلى لبنان، إلا الذين يعيلون أقاربهم أو لهم مصالح في البلد. والسبب المهم الآخر هو التضييق المصرفي الذي يتعرض له لبنان من جراء العقوبات الأميركية على حزب الله والذي جعل العديد من اللبنانيين يبحثون عن دول أخرى لمدخراتهم.

أما الأمر الثاني فهو من دون شك سلسلة الرتب والرواتب التي اقرت بشكل إعتباطي غير مدروس لأسباب محض سياسية وإنتخابية. هذه السلسلة تكلف اليوم حسب تقديرات وزارة المالية أكثر من ملياري دولار سنويا، وفاقمها التوظيف العشوائي الذي سبق الإنتخابات النيابية الأخيرة، أي أن السلسلة لوحدها تساوي أكثر من ١٠ بالمئة من مجمل النفقات وأكثر من ثلث العجز المقدر في الموازنة.

هذان السببان لا يمكن معالجتهما في فترة الستة أشهر التي يتحدث عنها الجميع على أنها آخر فرصة متاحة للإنقاذ. لن يتغير حال ميزان المدفوعات أي مجموع التدفقات النقدية إلى البلد، ولن يتراجع أهل السلسلة عنها، كما أن أموال مشروع <سيدر> أصبحت في مهب الريح ومشروطة بأمور كثيرة هيهات للحكومة الحالية أن تنفذها بسرعة هذا إذا تمكنت من تنفيذها أساسا.

الأمل في البحر أو في ما وراءه!

لم يعد هناك إذا إمكانية حل سريع من الداخل. الأمل الباقي هو في أمرين إثنين أيضا. الأول إعلان الشركات النفطية التي باشرت إستكشاف البحر اللبناني بحثا عن الغاز عن الكمية الموجودة والسعر الذي يمكن أن يستخرج الغاز على أساسه. هذا سيغير من النظرة السلبية المستقبلية إلى البلد ويساعد في تحسين التدفقات الإستثمارية والمالية. اذ حتى الآن ورغم كل الكلام عن الثروة الغازية لا يزال مدراء الشركات النفطية يؤكدون أنه لا يمكن الحديث عن ثروة نفطية في لبنان قبل إنتهاء الأعمال الأولية في شباط (فبراير) المقبل. كل ما يمكن تأكيده حسب الخبراء أن كمية أكياس البلاستيك الموجودة في المياه اللبنانية تكفي لإنشاء عدة مصانع إنتاج بلاستيك وأنها قياسية ولم يسبق أن اكتشفوا مثل حجمها في أي منطقة في العالم. ما عدا ذلك يرفض مدراء <توتال> الفرنسية و>إيني> الإيطالية كل ما يقال عن حجم الثروة النفطية لأن ما هو مهم بنظرهم ليس فقط الكميات الموجودة بل كلفة استخراجها.

الأمر الثاني الذي يمكن أن يساهم في وضع البلد على مسار حل مالي ولو مؤقت هو دعم خليجي مالي عبر ودائع وشراء سندات لبنانية. حتى الآن دول الخليج لا زالت مترددة لإن الأداء السياسي في لبنان لا يشجع نهائيا. لا يقتصر الأمر فقط على موقف لبنان السياسي غير الواضح، مثل تلكؤ الحكومة والسياسيين في إعلان التضامن مع السعودية بعد الهجوم على <أرامكو> والاكتفاء بتغريدة رمزية لرئيس الحكومة من باب رفع العتب، بل الموضوع هو عدم ثقة دول الخليج وغيرها بقدرة الطقم السياسي الحالي من خلال أسلوب إدارته للأزمات على إحداث نقلة إقتصادية نوعية في البلد.

من دون ثروة غازية في البحر مؤكدة ومحددة علميا أو دعم خارجي سريع للبنان، أصبح الأفق المالي مسدودا. الكلام عن <قصة شعر> للودائع الكبيرة على الطريقة القبرصية أو لإعادة النظر في سياسة تثبيت سعر الصرف لم يعد تهويلا بل أقرب إلى الواقعية. البلد يدخل تدريجيا في مرحلة تقييد الرساميل (Capital Restriction) التي تتبعها المصارف منذ مدة للمحافظة على الودائع أو للجم التحويلات من الليرة إلى الدولار. هذه المرحلة تسبق عادة الأزمة المالية الكبرى التي أصبح من الصعب احتواؤها من الداخل خاصة في ظل إدارة سياسية عاجزة وغير خلاقة حتى لا نقول أكثر.

كرة الثلج المالية بدأت تكبر ولم تعد المكابرة تنفع. المجتمع الدولي ودول الخليج بالتحديد هي التي ستحدد إن كانت تريد إعطاء لبنان فرصة جديدة أو المجازفة بالتعايش مع أزمة مالية خانقة في لبنان ومع تبعاتها السياسية والإجتماعية.