14 December,2018

هل يكون البديل حكم عسكري  أو حكم مدعوم من العسكر؟

 

بقلم جورج بشير

tamam-salam

لاحظ المراقبون طوال الأسبوع الماضي أن الحملة التي شُنّت على موقف وزير الخارجية جبران باسيل على هامش الأزمة مع المملكة العربية السعودية تستهدف في جزء كبير منها غير معلن، رئيس الحكومة تمام سلام من خصومه السياسيين، لكن هذه الحملة فضلت عبر القائمين بها وموجهيها أن تضع شخص وزير الخارجية جبران باسيل في الواجهة لأسباب سياسية أيضاً تتناول أداءه في وزارة الخارجية وفي المؤتمرات الدولية بهدف النيل منه كرئيس للتيار الوطني الحر من جهة، وكداعية أساس لانتخاب العماد ميشال عون رئيساً للجمهورية، وداعم للالتحام السياسي الذي تمّ أخيراً بين حزبي القوات اللبنانية والتيار الوطني الحر من جهة ثانية.

السبب الظاهر لهذه الحملة التي تستهدف الرئيس سلام يعود الى الغطاء السياسي الحكومي الذي أمّنه في نظر القائمين بالجملة عليه من خلف الستار لموقف وزير الخارجية في اجتماع وزراء خارجية الدول العربية في القاهرة واجتماع وزراء خارجية الدول الإسلامية في الرياض، حيث ان الوزير باسيل ردّ على منتقدي مواقفه باسم لبنان من قرار مجلس الجامعة بأنه جاء تنفيذاً لسياسة الحكومة الخارجية وبالتفاهم مع رئيس هذه الحكومة، أي الرئيس سلام حيث ان باسيل <أدان في اجتماع القاهرة العدوان على السفارة السعودية في طهران وقنصليتها في مشهد بإيران وطالب بملاحقة المعتدين ومعاقبتهم>، ولم يوافق – أي باسيل – على إدانة حزب الله اللبناني واتهامه بالإرهاب كما فعل وزراء الخارجية العرب الآخرون، لأن هذا الحزب – كما قال باسيل  – حزب لبناني ممثل في الحكومة وفي مجلس النواب، وهو يحارب الإرهابيين في سوريا من وجهة نظره…

 

نكاية،أم <قلوب مليانة>؟

 

بين أعضاء بعض الكتل النيابية من تحكمه الغيرة من وجود الوزير باسيل في وزارة الخارجية… وعلى رأس بعض هذه الكتل والأحزاب السياسية من باتوا يضيقون ذرعاً بوجود رئيس الحكومة تمام سلام في السرايا جالساً طوال هذه المدة على الكرسي رقم 3، فيما هو، أي سلام، اختير لترؤس حكومة مؤقتة تدوم على الأكثر ثلاثة أشهر يُصار خلالها الى انتخاب الرئيس الجديد للجمهورية، وبعدها يعود الى السرايا من هو معتبر الرئيس العتيد للحكومة. لكن <حساب الحقل لم يطابق حسابات البيدر> بالنسبة للمراهنين على انتخاب الرئيس العتيد للبلاد ممن يعتبرون مرشحين حياديين أو معتدلين للرئاسة الأولى، فتعطّلت اللعبة أمام إصرار الكتل السياسية والحزبية المسيحية (على انتخاب رئيس للبنان يكون مسنوداً الى قاعدة شعبية وسياسية في الوقت ذاته، ولا يشبه ولا في أية صورة الرئيس السابق للجمهورية ميشال سليمان مثلاً… كما أن الحزبين المسيحيين الأقوى سياسياً وشعبياً (التيار الوطني الحر والقوات اللبنانية) توافقا على ترشيح العماد ميشال عون للرئاسة الأولى في خطوة عُدّت تاريخية، لاسيما بعد مناداة كتل سياسية كبرى في البلاد (تيار <المستقبل>، وحركة <أمل>، والوزير وليد جنبلاط) بضرورة توافق الكتل المسيحية الأساسية على مرشح واحد للرئاسة الأولى، وبعد ذلك لكل حادث حديث ويُبنى على الشيء مقتضاه.

الرئيس نبيه بري رئيس مجلس النواب وزعيم حركة <أمل>، كما الرئيس سعد الحريري زعيم تيار <المستقبل> ذهبا الى أبعد من هذا الموقف عندما دعا كل منهما على حدة العماد عون والدكتور جعجع الى التفاهم والاتفاق على ترشيح أحدهما للرئاسة الأولى، <وبعد ذلك نحن نبارك ونهنئ ونلتف حول المرشح الواحد المتفق عليه>…

فهل ان الرئيسين الحريري وبري ومن معهما كانوا يراهنون أصلاً على استحالة اتفاق وتوافق العماد والحكيم، أم على خطة لتمرير وصول مرشح ثالث للرئاسة غيرهما؟! هذا هو السؤال، لا بل هذا هو بيت القصيد في كل هذه العملية المعقدة التي أوصلت لبنان الى هذا الدرك والانحلال في كل قطاعات الحكم والحكومة ومجلس النواب والإدارة، في ظل روائح تلال النفايات التي زادت صورة لبنان على الصعيدين الإقليمي وخاصة العربي، والدولي، تشويهاً وقلّة اعتبار بحيث اننا بتنا أمام مسؤولين لبنانيين وسياسيين يروّج بعضهم لحث بعض الدول العربية لاعتبار الجاليات اللبنانية العاملة فيها <كبش المحرقة> لهذه الأزمة.. والأخطر من كل هذا أن بعض وسائل الإعلام المرئي والمكتوب والمسموع، باتت بدورها تسوّق إعلامياً لمثل هذا الإجراء، بهدف الإمعان في مضايقة حكومة الرئيس سلام، وحتى الرئيس سلام ذاته، مع أن هؤلاء يدركون سلفاً بأن رئيس الحكومة إن هو طفح الكيل معه ولجأ الى <آخر الدواء>، أي الى <الكي>، وبصريح العبارة الى الاستقالة من السرايا، فإنه لا بد له من أن يكلّف إدارة البلد والحكم والحكومة قائد الجيش العماد جان قهوجي، تماماً كما فعل رئيس الجمهورية كميل شمعون عام 1958، عندما استقال وسلّم مقاليد السلطة الى قائد الجيش آنذاك اللواء فؤاد شهاب الذي انتُخب بعد ذلك رئيساً للجمهورية…

لا شك بأن لبنان متشوّق الى حكم قوي وفاعل ذي وجه مدني مدعوم بقوة من الجيش، لكن الطاقم السياسي اللبناني هل يتقبّل الهزيمة الى هذا الحدّ على رغم اقتناعه – الطاقم السياسي – في معظمه بالفشل، وإلقاء معظم اللبنانيين مسؤولية الفشل والانحطاط اللذين صار إليهما لبنان بكل قطاعاته على معظم أركان هذا الطاقم؟! والسؤال الأهم هو: هل يبلغ الطاقم السياسي اللبناني الفاشل حكم العسكر، أو الحكم المدعوم من العسكر؟!

 

جبل-النفاياتروائح فضيحة النفايات

ما دام الحديث عن الاهتراء الحاصل في السلطة الحكومية والسياسية، فإن الاهتراء الاقتصادي والاجتماعي المظلّل بتلال النفايات وروائحها وسمومها المنتشرة في أرجاء الوطن الجميل تنشر الأمراض والموت والتي باتت لا تطاق، أصبح عنواناً مقرفاً للفراغ الحاصل في سلطة الحكم في البلاد، وشهادة مؤلمة عن عجز كل المسؤولين من دون استثناء عن حل معضلة النفايات، والكشف عن الفضيحة المتمادية منذ أكثر من سنتين من دون حلّ، حيناً بمناقصة وحيناً بـ<السوكلين>، وأحياناً أخرى بإلغاء المناقصة، وتارة بالترحيل، وطوراً بإلغاء الترحيل، من دون أن يذيع المسؤولون سراً بات القاصي والداني في لبنان وخارجه يعرفه ويحفظه بالأسماء عن ظهر قلب، خصوصاً ما نال المال العام، ومال المواطنين من خسائر فادحة أصبحت في خزائن وحسابات وجيوب <مافيا> النفايات المتعددة <الوجاهات والاتجاهات> التي يشكو منها ومن تفاصيلها رئيس الحكومة ومسؤولون آخرون ولبنانيون، مردّدين في الصالونات المغلقة في لبنان وخارجه أسماء أركانها – <المافيا> – من دون أن يتحرّك أحد لمساءلة ومحاسبة المسؤولين عن هذه الفضيحة، ورؤوس هذه <المافيا>، وبعضهم معروف يتوزعون ويوزعون الحصص يميناً ويساراً <على عينك يا لبنان>.

لقد كان حرياً بالقضاء اللبناني، وبالنيابة العامة التمييزية، وخصوصاً بالنيابة العامة المالية، التضامن بإجراء انقاذي لجمع المعلومات من السفارة الروسية، وخاصة من السفير الروسي <الكسندر زاسبكين> ومن الإدارة الروسية عن فضيحة ترحيل النفايات الى روسيا، وهي آخر فصول فضائح النفايات لمعرفة مزوّري توقيع السفير الروسي في لبنان، وتواقيع مسؤولين روس في موسكو، والمستندات المزورة الأخرى لترحيل النفايات من لبنان الى روسيا، ولمعرفة الذين خطّطوا لهم ودعموهم من أصحاب الرؤوس الكبيرة من أركان <مافيا> النفايات، وسوقهم الى القضاء، وإذاعة النتائج على الرأي العام، وإنزال أشد العقوبات بهؤلاء، أياً كانوا، لأن ما جرى في هذه المرحلة بالذات يشكّل فضيحة الفضائح لاسيما بعد إسدال الستار عن مسألة ترحيل النفايات…

لدى طرح مثل هذه الآراء على الدولة وأركانها والغيارى يجيبونك: <وهل أصبحنا في <جمهورية الموز>؟>. إذا لم نكن في <جمهورية الموز> ففي أية جمهورية نحن؟!… هذا هو السؤال.