19 November,2018

هل يقول سمير جعجع للعماد عون: مبروك الرئاسة  ويسدل.. الستار؟

 

بري-الحريري

في الأمثال ان الحقيقة والكذب متقاربان ولا يبتعد أحدهما عن الآخر. وهكذا هي الحال في ما نشاهد من سياسات وتصرفات ومواقف. فالمرشد الأعلى للثورة الإيرانية السيد <علي خامنئي> يتهم الرئيس الأميركي <باراك أوباما> بأنه هو الذي اخترع <داعش> وأطلقه في المنطقة لترويع أهلها، وإحداث شروخ جغرافية فيما بينهم. والرئيس التركي <رجب طيب أردوغان> أرسل قوة عسكرية الى شمالي سوريا لنقل رفات <سليمان شاه> مؤسس السلطنة العثمانية منذ سبعة قرون من سوريا، ولم يسأل عن ردة الفعل، ولا عن قرارات الأمم المتحدة التي تمنع دولة من اختراق دولة أخرى. وحجة <أردوغان> أنه أراد أن ينقل رفات <سليمان شاه> الى أرض الجدود تركيا، منعاً لاستغلال تنظيم <داعش> وجود مقبرة <سليمان شاه> في أرض يسيطر عليها في سوريا، وطلب المساومة على هذه الرفات!

   وواقع الأمر ان <داعش> لم يكن كتنظيم مسلح بعيداً عن <أردوغان>، ولولا الدعم التركي له بالمال والسلاح لما تحقق لأشواكه البرية أن تأخذ مداها، ولا تصل الى منتهاها.

   والرئيس الفرنسي <فرانسوا هولاند> يأمر بإرسال حاملة الطائرات الكبرى <شارل ديغول> الى الخليج، مقدمة لإنهاء الفصل الأخير من فظائع <داعش> التي كان أخيرها إعدم 21 مصرياً قبطياً بالسكاكين في ليبيا. ومع ذلك فإن حاملة الطائرات <شارل ديغول> لن تقتلع جذور <داعش> بالطائرات والقصف الجوي، لأن الطائرات الأميركية حاولت هذا الاستئصال ولم تفلح حتى الآن، ولو التفت <هولاند> ــ كما يقول الخبراء ــ الى منابع الارهاب، وعمل على تجفيفها، لكان أغنى الدولة الفرنسية من تحمل هذا العبء المالي الكبير الذي يترتب على تحريك حاملة الطائرات <شارل ديغول>، ولكان أغنى الساحة الباريسية عن مجزرة مجلة <شارلي ايبدو>، إلا إذا اعتبرنا تلك المسيرة الدولية الكبرى في باريس بعد جريمة <شارلي ايبدو> هي الهدية التي قدمها الارهاب الى <هولاند> حتى يرفع منسوب شعبيته في استطلاعات الرأي من 17 بالمئة الى 37 بالمئة.

   وأفضل ما تفعله حكومة <دانيال فالس> برعاية <فرانسوا هولاند> هو أن تطلق ورشة اقتصادية انمائية واسعة في الأحياء ذات التردي المعيشي، كما في ضواحي باريس، كذلك في <مارسيليا>، ومدن أخرى تعج بالمحرومين.

   ومن خطأ التعبير أن يقال في الإعلام الفرنسي، وفي تصريحات المسؤولين الفرنسيين، والأوروبيين عموماً، ان المسلمين هم وراء العمليات الارهابية. فهؤلاء المسلمون فرنسيون بالهوية أو بريطانيون، أو ايطاليون، بحيث تأتي الهوية الوطنية أولاً، ثم يأتي الدين، وها هو رئيس وزراء ايطاليا الجديد <سيرجيو ماتاريلا> يقول إن ايطاليا أقرب دولة أوروبية الى ليبيا، ولها فيها تاريخ وجذور، وانها لذلك مستعدة لدخول أي تحالف يقتلع جذور الارهاب في ليبيا. ولو انسجم مع نفسه وأنصف لتساءل: <ما الذي يجعل ثلاث فتيات بريطانيات، صادف أنهن مسلمات، على الفرار الى سوريا، للانضمام الى <داعش> و<النصرة>؟ وما الذي يجعل وزير داخلية فرنسا <برنار كازنوف> يمنع التصريح بالسفر الى سوريا لعشرين فرنسياً>؟

   الجواب بسيط وهو أن الارهاب يسحب المنضمين والمنضمات إليه من بطونهم أولاً ثم عقولهم ثانياً. فالمواطن المكتفي معيشياً، ولا يتمرغ في وحال البؤس، لا يملك أية لهفة الى أن يكون ارهابياً، أو يلتحق بالتنظيمات الارهابية.

كيف يكون تجفيف منابع الارهاب؟

 

حاملة-الطائرات   ومن هنا يتعين على دول الاتحاد الأوروبي أن تبدأ، لا من حاملات الطائرات وحدها.

   وقرار المؤتمر الدولي الذي عقده <باراك أوباما> في البيت الأبيض بتجفيف منابع الارهاب، هو الامساك بأول الخيط، اللهم إذا كانت النيات صادقة، وأن القرارات لم تكن إلا للاستهلاك الإعلامي.

   وقد أمسك الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي بأول هذا الوتر عندما عمد في خطابه الأخير باسم <خطاب الرئيس> ليل الأحد الماضي وهو يجلس على كرسي وسط الصالون، الى إقامة توازن بين القوات الجوية التي قصفت معاقل <داعش> في ليبيا عقاباً على مذبحة المصريين الأقباط الواحد والعشرين، وبين البرامج الانمائية في صعيد مصر، والأحياء العشوائية في القاهرة وغيرها من المدن، وركز على قناة السويس الجديدة لضخ موارد مالية جديدة في الخزينة المصرية التي يعوّل عليها في تجفيف منابع الارهاب.

   ومما يلفت للنظر، وسط المعارك الدائرة في الأراضي السورية، أن يأتي الى دمشق رئيس مجلس الشيوخ الباكستاني <نياز حسين بخاري>، ويعلن انضمام باكستان الى سوريا في مكافحة الارهاب، خصوصاً وان باكستان كانت ولا تزال تعاني من الحركات الارهابية، كما يلفت النظر أيضاً مجيء وفد برلماني فرنسي الى دمشق وتناوله طعام العشاء مع نائب وزير الخارجية السوري فيصل المقداد، وكأن الاتحاد الأوروبي قد أخذ قراراً بفك عزلة سوريا عن أوروبا، خصوصاً وأن سوريا هي الطريق من لبنان الى أوروبا.

   ونحن الآن في ساعة الانتظار: انتظار ما ستسفر عنه غارات حاملة الطائرات <شارل ديغول> في الخليج، سواء بالنسبة الى العراق، أم بالنسبة الى ليبيا التي تملك أكبر ساحل في البحر الأبيض المتوسط، ومن ضمن ساعة الانتظار ترقب مباحثات وزير الخارجية الأميركي <جون كيري> في جنيف مع وزير خارجية إيران <محمد جواد ظريف>، حول الملف النووي. فالشاغل الإيراني هو أن يسمح المجتمع الدولي لإيران بتخصيب نووي لا يقل عن عشرين بالمئة، لتنفيذ الأغراض السلمية كالكهرباء والأشعة الطبية وتحلية مياه البحار، والشاغل الأميركي هو أن يمنع إيران من الوصول الى حافة امتلاك القنبلة النووية. وفي هذا الفلك يسبح الطرفان.

 

أعيدونا الى الوراء!

   وفي تصريح لـ<فايزة رفسنجاني>، ابنة الرئيس الإيراني السابق <هاشمي رفسنجاني>، يوم الاثنين الماضي، أن المباحثات الأميركية والإيرانية في جنيف حول الملف النووي لن تصل الى نتيجة، وستظل تدور في حلقة مفرغة. وعندما تتكلم <فايزة رفسنجاني> يكون كلامها نابعاً من صميم المجتمع الإيراني.

   وهذه الأدلة مجتمعة تقودنا الى الاستنتاجات الآتية:

   ــ لا أفق في المدى المنظور لمباحثات الملف النووي الإيراني.

   ــ لا أفق في المدى المنظور لإعلان النصر النهائي على <داعش>.

   ــ لا أفق في المدى المنظور للشغور الرئاسي في لبنان، ذهاباً من ربط المعركة الرئاسية في لبنان بالملف النووي الإيراني، حتى قيل على سبيل النكتة ان الرئيس اللبناني المقبل سيكون رئيساً نووياً.

   وفي غمار كل هذه التوقعات، لا يملك اللبناني إلا الدعاء بأن يمن الله عليه بالعودة خمسين سنة الى الوراء، حيث كانت الدنيا بألف خير، وكان هناك بداية زاهرة للمصارف بفضل مشروع سرية المصارف الذي حمله العميد ريمون إده من جنيف الى الرئيس كميل شمعون وحوّله الرئيس شمعون الى مجلس النواب ليصبح نافذاً..

   أعيدونا خمسين سنة الى الوراء حتى نشعر بالأمـــــان، ونبتهــــج باقتصــــــاد يعـــــم بالخير على كل المواطنين، وباصلاحيات اسكانية في الضواحي، مثل إنهاء مجمعين حجريين ذائعي الصيت في زمانهما هما <كامب هاجين> و<كامب شرشبوك>، و<شرشبوك> تعني بالأرمنية التصرف بسرعة!

عون-جعجع-1   ولكن من ذا الذي سيعيدنا الى هذا الماضي الجميل؟!

   إنه الشعور بأن في القصر الجمهوري رئيساً يمارس صلاحياته، وتستكمل به الرؤوس الدستورية، منه ومن رئيس مجلس النواب ورئيس مجلس الوزراء.

   وقد تَمَلك مجلس نقابة الصحافة وهو يلتقي الرئيس نبيه بري ظهر الاثنين الماضي شعور بأن الرئيس نبيه بري وسعد الحريري متفقان على أن كلمة من الدكتور جعجع في حواره الدائر وراء الكواليس مع العماد ميشال عون، تكفي لحسم المعركة، وهذه الكلمة هي: نعم للعماد عون رئيساً للجمهورية.

قبس من فرنسا!

   والمفهوم من ذلك كله ان مصير الكرسي الرئاسي في قصر بعبدا هو الآن عبارة بين شفتي رئيس حزب القوات اللبنانية. إذا قال للجنرال عون <مبروك>، لأنه صاحب الحيثية المسيحية الأكبر في لبنان، وضعت المعركة الرئاسية أوزارها، وكانت هناك صناعة لبنانية لكرسي قصر بعبدا، وإن لم يفعل، وتعثرت العبارة بين شفتيه، فالحكم عندئذ هو للجنرال <انتظار> كما الحكم الآن في الأعالي للجنرال ثلج.

   وإذا تعثرت العبارة بين شفتي الدكتور سمير جعجع، فمعنى ذلك ان كرسي الرئاسة ليس صناعة لبنانية مطلقة، بل هي رهن بظروف المنطقة، تماماً كما كانت في زمن أواخر الخمسينات صناعة مصرية ــ أميركية، بمجيء الرئيس فؤاد شهاب، وصناعة مصرية ــ لبنانية عام 1964 بمجيء الرئيس شارل حلو، وصناعة لبنانية بجناح روسي بمجيء الرئيس سليمان فرنجية، ثم بصناعة عربية من السعودية والمغرب والجزائر بالرئيس رينيه معوّض، ثم الرئيس الياس الهراوي.

   ويحاول المبعوث الفرنسي <جان فرانسوا جيرو> أن يكون الرئيس المقبل صناعة لبنانية ــ فرنسية، معتمداً على صفقة الأسلحة الفرنسية الممولة من المملكة العربية السعودية، وعلى شبح الحضور في مياه الخليج لحاملة الطائرات الفرنسية <شارل ديغول>. فهل يصل الى مبتغاه؟! أم ان لباقي الدول المؤثرة في السياسة اللبنانية رأياً آخر وموقفاً مختلفاً؟

   مرة أخرى نمسك بيد الجنرال انتظار ونشد عليها!!