21 January,2019

هل يشكّل طرح بري قيام ”الدولة المدنية“ مقدمة لتحريك ملف إنشاء هيئة إلغاء الطائفية السياسية؟!

تطرح أوساط سياسية معنية أسئلة عدة حول الأسباب التي دفعت رئيس مجلس النواب نبيه بري الى طرح شعار قيام <الدولة المدنية> في وقت يغرق فيه لبنان بأزماته الحكومية والاقتصادية والاجتماعية والصحية، فيما لا يبدي أي طرف ليونة لمواجهة هذه الأزمات بحكومة فاعلة وقادرة ومنسجمة. وإذا كان هذا الشعار الذي حمله الرئيس بري الى أكثر من منبر دولي وطرحه على طاولة الحوار الوطني، يلقى اصداء ايجابية في بعض الاوساط، إلا انه يثير في اوساط أخرى استغراباً ليس من حيث المضمون بل من حيث التوقيت، لاسيما في ظل عجز مستفحل عن تشكيل حكومة بعد نحو 8 أشهر على تكليف رئيسها هذه المهمة، وذلك لأسباب مذهبية حيناً، و<حصصية> أحياناً، وطائفية دائماً. والسؤال المطروح بإلحاح: لماذا هذا الطرح من الرئيس بري وسط هذه الازمات المتلاحقة؟

تقول مصادر الرئيس بري انها ليست المرة الأولى التي يطرح فيها رئيس المجلس النيابي قيام <الدولة المدنية>، لكنه وجد هذه الأيام، وفي ظل الازمة الحكومية الراهنة، ان الفرصة سانحة أكثر من أي وقت مضى لإعادة تحريك هذا الطرح بعد الأزمة الحكومية المستعصية وبروز عوائق بإمكان <الدولة المدنية> تذليلها لو كانت موجودة لأنها ستكون قادرة على اختزالها. وعندما تُسأل المصادر: من أين تكون البداية؟ يأتي الجواب سريعاً: من خلال استكمال تطبيق الدستور الذي هو أهم خارطة طريق في الدول.

 

ملف إلغاء الطائفية

السياسية!

إلا أن هذا الجواب وغيره يثير مسألة اخرى تتعلق برغبة دائمة عند الرئيس بري لتحريك ملف الغاء الطائفية السياسية التي نص عليها <اتفاق الطائف>، والدستور في المادة 95 منه، وذلك بتشكيل هيئة وطنية برئاسة رئيس الجمهورية وتضم بالإضافة الى رئيسي المجلس النيابي والحكومة، شخصيات سياسية وفكرية واجتماعية، مهمتها دراسة واقتراح الطرق الكفيلة بإلغاء الطائفية وتقديمها الى مجلسي النواب والوزراء ومتابعة تنفيذ الخطة المرحلية. كما ونص الدستور انه على مجلس النواب المنتخب على اساس المناصفة بين المسلمين والمسيحيين اتخاذ الإجراءات الملائمة لتحقيق الغاء الطائفية السياسية وفق خطة مرحلية تبدأ بتشكيل الهيئة الوطنية التي تتولى الدراسة والاقتراح. وفي هذا السياق تقول مصادر الرئيس بري ان المجلس النيابي اليوم، وبعد الانتخابات النيابية الاخيرة التي تمت على أساس قانون النسبية، هو القاعدة الاساسية للانطــــلاق، مع وجـــــود رئيس للجمهورية هو العمـــــاد ميشال عــــــون الـــــذي يتمتع بقوة تمثيلية شعبية واسعة تمكّنه من طرح المسائل الأساسية بعيداً عن المزايدة والمحاباة، ما يعني وضع الاسس لإلغاء الطائفيـــــة تنفيــــــذاً لأحكــــــام الدستـــــور الذي أقسم الرئيس عون على احترامه. وتضيف المصادر نفسها ان الدستور اللبناني يدعو الى المساواة وتعزيز المسار المـــــدني في بناء الدولة اللبنانية وفق قواعد تحميها من تداعيات الطائفية والمذهبية.

غير أن طرح رئيس مجلس النواب تقابله <مخاوف> من أن يتعثر في بداية الطريـــــق، لاسيمــــــا وانــــــه يأتــــــي في وقت <تتجذر> فيه الطائفية اكثر فأكثر، وترتفـــــع أصوات السياسيين قبـــــل رجـــــــال الدين تطالب بـ<حقوق مكتسبة> وبـ<أعراف وتقاليد> وتشكو من <غبن وعدم مساواة> وغيرها من الشعارات المستندة على معايير مذهبية وطائفية، تجعل من المتعذر قيام <الدولة الفاضلة> و<الجمهورية الأفلاطونية> البعيدة عن الواقع المعيوش.

احترام الحريات… وقانون اختياري للأحـــــوال الــــشخصية!

وفي هذا السياق، ترى مصادر لا تلتقي مع الرئيس بري في توقيت طرحه <الدولة المدنية>، ان اعتماد <الدولة المدنية> لا يكون فقط من خلال الغاء الطائفية السياسية وحصر هذا <الإنجاز> في هذا الإطار الضيق، بل يفترض أن يكون من اسس قيام <الدولة المدنية> احترام حريات الافراد والجماعات وتوفير الديموقراطية الحقيقية وضمانات حقوق الإنسان، إضافة الى اعتماد قانون اختياري وليس الزامياً للأحوال الشخصية كما هو الحال راهناً في لبنان، في وقت سبقت دول من بينها تونس مثلاً لبنان بمسافات بعيدة إذ عجز المشترع عن <اقناع> مكونات المجتمع اللبناني بقانون اختياري للاحوال الشخصية، ما يعني أن أبرز المعوقات في هذا المجال هي بنيوية. وتتوقف المصادر نفسها عند  حق حرية المعتقد الوارد في الدستور، في وقت ان المادة 24 منه تتحدث عن تأليف مجلس النواب بالتساوي بين المسلمين والمسيحيين ونسبياً بين الطوائف، متجاهلة وجود أشخاص لبنانيين غير طائفيين وانهم حذفوا ذكر الطائفة عن هوياتهم أي انهم غير ممثلين في الدستور ولا أحد يضمن

لهم حقوقهم، اضافة الى وجود يهود (غير صهيونيين) لا يمكنهم أن يتمثلوا في مجلس النواب وفي إدارات الدولة ومؤسساتها.

ويرى الذين لا يلتقون مع وجهة نظر الرئيس بري، أن <الدولة المدنية> لا تقوم بإلغاء الطائفية السياسية فحسب، بل لا بد من توفير مناخ لهذه الدولة لاسيما على مستوى تكريس الحريات عموماً وحريات الافراد والجماعات خصوصاً، مع قيام سلطة قضائية قادرة على حماية المواطنين وتوفير الضمانات اللازمة لهم، ولا بد من احترام الطوائف كما هو حاصل في لبنان منذ العام 1926 بموجب القانون الرقم 60 الشهير الذي أصدره المفوض السامي الفرنسي آنذاك ولا يزال ساري المفعول وأي مساس به يهدد الوحدة الوطنية والصيغة الفريدة في الصميم. ويورد هؤلاء ما حصل بالنسبة الى الزواج المدني الذي أثيرت عند طرحه <عواصف> رافضة له، قادها في حينه الرئيس الشهيد رفيق الحريري الذي احتفظ بمشروع القانون الذي أحاله رئيس الجمهورية آنذاك الراحل الياس الهراوي، في جارور مكتبه في السرايا طوال وجوده فيها، ولا يزال <ضائعاً> حتى الساعة.

ومع طرح اسئلة وعلامات استفهام، تبرز مخاوف لدى البعض من ان تكون إثارة الرئيس بري لمسألة قيام <الدولة المدنية> مقدمة لطرح لاحق يدعو الى إنشاء الهيئة التي ستتولى درس السبل الآيلة الى إلغاء الطائفية السياسية، لاسيما مع وجود معترضين على هذه المسألة سبق أن تحركوا رافضين مثل هذه الطروحات التي تأتي في ظروف دقيقة وحساسة تمر بها البلاد وتجعل من الصعب مقاربة هذه المسألة بموضوعية وواقعية بعيداً عن المزايدات والشعارات التي تدغدغ القلوب وتعطل العقول. وفي رأي المتسائلين ان الرئيس بري شاء من خلال طرحه موضوع <الدولة المدنية> صرف الانظار عن التعثر الذي أصاب عملية تشكيل الحكومة والذي ابرز تناقضات على خلفيات مذهبية وطائفية، وبالتالي فتح نقاشاً حول مسألة لطالما تباينت الآراء في شأنها منذ سنوات، وكانت في كل مرة تطرح فيها تثير اعتراضات متنوعة لكنها مرتكزة على اسس وقواعد طائفية ومذهبية وليس على قواعد وطنية. وتتوقع هذه الجهات أن يفتح طرح الرئيس بري باب النقاش صعوداً وهبوطاً، سلباً وايجاباً، ولن يكون من السهل الوصول الى <خواتيم سعيدة> في شأنه.

ويرى المعترضون أن ثمة مادة خلافية جديدة أضيفت الى المواد التي يختلف عليها اللبنانيون ويتفقون على حل عادل لها!