11 December,2017

هل يستمر سلام النفط بين روسيا والسعودية؟

 

بقلم خالد عوض

hariri

أسعار النفط لا تزال تتجه صعوداً. ارتفعت أكثر من عشرين بالمئة في الأشهر الثلاثة الماضية وهي اليوم تلامس الستين دولاراً، المستوى الذي يسمح للدول الخليجية وعدة دول أفريقية بتنفس الصعداء اقتصاديا وماليا بعد أكثر من سنتين من الضيق الخانق. أسباب عودة الأسعار إلى الارتفاع عديدة. الأهم هو ارتفاع الطلب العالمي على النفط وإلتزام دول <اوبيك> والدول الأخرى المصدرة وعلى رأسها روسيا بإتفاق خفض الإنتاج. وأهم مصدر لارتفاع الطلب العالمي هو النمو الاقتصادي القوي في الولايات المتحدة وفي الصين، المتوقع أن يستمر بالزخم نفسه عام ٢٠١٨، وتضاف إلى مسألة نمو الطلب، الأزمة السياسية والأمنية في <فينزويلا> حيث انخفض الإنتاج اليومي إلى حوالى ٢١٠٠ مليون برميل بعدما كان قد وصل منذ سنتين إلى ٢٧٠٠ مليون برميل يوميا. أما السبب المتعلق بالأعاصير مثل إعصار <هارفي> هذا العام، فهو أصبح شبه سنوي ولذلك لا يمكن اعتباره مؤثرا في المسار التصاعدي للأسعار.

هل يعني ذلك أن النفط متجه من جديد إلى مستوى ١٠٠ دولار للبرميل في المدى المنظور؟ بالطبع لا. المعروف أن توقعات أسعار النفط غالبا ما تخيب ولذلك لا أحد يملك قراءة المستقبل، ولكن وبحسب المعطيات الاقتصادية الموجودة اليوم، من الممكن أن تتجه أسعار النفط إلى مستوى السبعين دولاراً مع نهاية عام ٢٠١٨ في حالة واحدة فقط: استمرار الإتفاق بين <اوبيك> والدول الأخرى المصدرة على خفض الإنتاج. هذا الإتفاق الذي ينص على خفض مليون وثمانمئة ألف برميل يوميا، منها ثلاثمئة ألف برميل يوميا التزمت روسيا بتخفيضها، تنتهي مفاعيله في ٣١ آذار (مارس) ٢٠١٨، ولذلك فإن الإتفاق الذي جرى منذ أيام في <فيينا> لتمديده عزز الآمال باستمرار المسار التصاعدي للأسعار. الروس هم بيضة القبان في هذا الإتفاق وباستطاعتهم قلب الطاولة عليه لوقف صعود الأسعار. قدرة الإنتاج الروسي ستزيد خلال السنوات الأربع المقبلة بحوالى مليون برميل يومياً أي أنها يمكن أن تصل الى أكثر من ١١ مليون برميل يوميا. عندهم أيضا حقل <سخالين> المتطور والذي لم يشمله الخفض، ينتج ٢٠٠ ألف برميل يوميا وسيزيد إلى ربع مليون برميل في الأشهر الأولى من ٢٠١٨. لذلك أصبحت روسيا الرقم الصعب في معادلة أسعار النفط، ولذلك أيضا فإن الإتفاق بين <اوبيك> وروسيا هو استراتيجي ويمكن وصفه بالسلام النفطي لأنه يحقق النمو الاقتصادي للطرفين.

هناك اليوم ثلاث قوى عالمية للنفط تتحكم بأكثر من ثلث الإنتاج العالمي: السعودية وروسيا والولايات المتحدة. الأولى تنتج حوالى عشرة ملايين برميل يوميا وكذلك روسيا ثم الأميركيون أقل بقليل من ٩ ملايين برميل يومياً. هذه الدول هي اليوم بمصاف الدول العظمى في مسألة التحكم بموارد الطاقة، ولذلك ففهم مواقفها السياسية يجب أن يحمل دوما الجانب المتعلق بالطاقة. روسيا والسعودية تصدران أكثر بكثير مما تستهلكان على عكس الولايات المتحدة التي يصل استهلاكها الداخلي تقريبا aoun إلى مستوى انتاجها من النفط. أما الصين فهي المستورد الأكبر بأكثر من سبعة ملايين ونصف مليون برميل في اليوم، ولذلك هي أول من يتأثر بارتفاع أسعار النفط.

المهم في ما يحصل نفطيا أن دول الخليج على أبواب الخروج من الضائقة المالية التي عصفت بها منذ ٢٠١٥، وهذا يعني عودة النمو إليها بعدما انحسر في السنتين الماضيتين. في المقابل سترتفع الفاتورة النفطية في لبنان، وعندما تضاف إلى سلسلة الرتب والرواتب وإلى الارتفاع في الفوائد على الدولار، عالميا ومحليا، سنجد موازنة ٢٠١٨ في أكبر مستنقع عجز عرفه البلد في تاريخه. ليست المسألة متعلقة فقط بإدارة الدين العام المنتفخ والذي سيتجاوز الثمانين مليار دولار مع بداية السنة، بل هي في حجم النفقات المباشرة وتراكم الاستحقاقات المالية. الوضع النقدي مستقر، بمفاعيل مصرف لبنان وغطاء دولي، ولكن الوضع المالي والاقتصادي في إنحدار مخيف يزيد من خطورته الموقف السياسي اللامسؤول الذي يحاول حزب الله فرضه على البلد، هذه المرة بنعومة استثنائية مختلفة تماما عن مشهد ٧ أيار رغم أننا في أجواء مشابهة.

كل الكلام عن الكرامة والسيادة والمقاومة يسقط عندما يصبح البلد واقتصاده في نفق مظلم من كل الجوانب.

بالأرقام: الناتج المحلي في إسرائيل زاد من ١٣٥ مليار دولار عام ٢٠٠٦ أي أيام حرب تموز إلى حوالى ٣٠٠ مليار دولار حاليا. الناتج المحلي في لبنان زاد في الفترة  نفسها من ٣٠ مليار دولار إلى أقل من ٥٠ مليار دولار، أي اننا كنا نساوي ٢٢ بالمئة من اقتصاد إسرائيل بينما اصبحنا اليوم نساوي أقل من ١٦ بالمئة.

يجب تسجيل الأرقام الاقتصادية عندما نتكلم عن توازن الرعب ومحور المقاومة وعن إدارة سياسية ناجحة أو فاشلة. من دونها يبقى الكلام في إطار التجييش والعواطف التي، مع الأسف، لا تكفي لبناء وطن.