18 November,2018

هل يتفق الراعي ونصر الله على هوية الرئيس العتيد أم يتكرّر ما حصل بين البطريرك ووفد الحزب في بكركي؟

1 بين أن يبدي البطريرك الماروني مار بشارة بطرس الراعي استعداده للقاء الأمين العام لحزب الله السيد حسن نصر الله، وبين أن يحصل اللقاء فعلياً، ثمة من يرى أن الأمر يتطلب حسماً مسبقاً لملف رئاسة الجمهورية لأنه يكاد يكون الابرز العالق بين سيد بكركي وقيادة حزب الله، لأن الملفات الأخرى قد تم تجاوزها بدءاً من موقف البطريرك من سلاح حزب الله، وصولاً الى زيارة الراعي للأراضي المحتلة ودعوته السابقة الى محاورة تنظيم <داعش> في بُعدها الإنساني الذي أوضحه البطريرك خلال وجوده في اربيل مع بطاركة الشرق..

ويبدو أن البطريرك الراعي الذي كان يجيب عن سؤال طُرح عليه قبيل سفره الى اربيل الأسبوع الماضي عن احتمال لقائه السيد حسن نصر الله، يدرك أن دون هذا اللقاء التفاهم على الملف الرئاسي، بدليل انه أضاف على جوابه قوله ان <المهم ان نلتقي ونتحدث بلغة واحدة، فلبنان والشعب اللبناني في خطر والكيان أيضاً، ولا يحق لأحد أن يبقى <متمترساً> في بيته ويقول: أنا الدولة، والدولة أنا فقط، فالدولة اسمها لبنان وكلنا تحت سقفها>. وفي هذا السياق، أكدت مصادر بكركي ان التواصل مع حزب الله مستمر وان آخر لقاء عقد بين الجانبين سبق زيارة البطريرك الى الأراضي المقدسة، وقد اتسم اللقاء بالصراحة والوضوح والحوار البنّاء، رغم أن البطريرك تمسك بموقفه بزيارة الأراضي المقدسة، فيما وفد الحزب بقي على تمنيه بعدم حصول الزيارة. إلا أن الزيارة تمت وردود الفعل عليها كانت <مقبولة> لاسيما وان السيد نصر الله أعطى تعليماته – في حينه – لوزراء الحزب ونوابه والمتحدثين باسمه بعدم التطرق الى زيارة الراعي لا سلباً ولا إيجاباً، وتعاملت معها وسائل الإعلام الحزبية بـ<هدوء> بعيداً عن أي ردة فعل مبالغ فيها.

الحزب يرحّب… لتعزيز التواصل

3

وعلى الرغم من ان حزب الله سارع الى الترحيب بمبادرة البطريرك في لقاء السيد نصر الله، أكد الوزير محمد فنيش ان لا موانع تحول دون عقد هذا اللقاء، علماً أن الأمر مرتبط ببرنامج البطريرك والسيد وجداول أعمالهما وظروفهما. إلا ان ذلك الترحيب الذي عبّر عنه الوزير فنيش لم يلغِ وجود محاذير بعضها سياسي والبعض الآخر أمني، لاسيما وان ثمة صعوبة ستواجه لقاء الرجلين في موعد معلن أو في مكان معروف، لأن السيد نصر الله يحيط تنقلاته بسرية تامة وتُطبق إجراءات مشددة جداً على الشخصيات التي ترغب في زيارته، وهو أمر قد لا ينطبق على البطريرك الماروني الذي له أيضاً اعتباراته الأمنية والشخصية وحصانة الموقع وخصائصه.

 

أما في السياسة، فإمكانية اللقاء تبقى واردة جزئياً أي على المواضيع العامة التي فتحت قنوات التواصل والحوار في شأنها بين بكركي وقيادة حزب الله ولم تنقطع في أدق الظروف. ويقول الوزير فنيش في هذا السياق إن خطاب الأمين العام كان واضحاً لجهة ضرورة الانفتاح علىالجميع <لاسيما على من نختلف معهم في الرأي من أجل التعاون لتدارك الخطر الذي يهدد لبنان من المجموعات التكفيرية>. وفي رأي مصادر متابعة أن لا خلاف في المبدأ بين بكركي وحارة حريك في ملف الإرهاب والإرهابيين، ولا في الثوابت الوطنية وفي النظرة الى الصراع مع اسرائيل وغيرها من المواضيع، في حين تظل الدعوة الى الحوار في موضوع سلاح حزب الله <المخرج> المناسب لكل من الطرفين حيال هذا الموضوع الحساس الذي يوضع دائماً في خانة ضرورة التوصل الى إقرار <استراتيجية دفاعية وطنية>، ويتم تجاوز مسألة مشاركة الحزب في القتال في سوريا لأن بكركي تدرك ان هذه المسألة خلافية انقسم حولها اللبنانيون الى فريقين ولن يكون من السهل في الوقت الراهن توافر الاجماع حولها. ذلك فإن التشديد على ضرورة <النأي بالنفس>، والتزام موقف الحكومة اللبنانية و<اعلان بعبدا> السعيد الذكر، هي العناوين التي ترد بها بكركي على الذين يطالبونها بموقف من مشاركة حزب الله في القتال داخل سوريا.

ماذا دار بين البطريرك ووفد الحزب في بكركي؟

يبقى الموضوع الأبرز، أي الاستحقاق الرئاسي الذي جعله البطريرك مادة دائمة لعظاته وخطبه وللأحاديث التي يجريها مع زواره. وفي هذا السياق، تقول مصادر متابعة لـ<الأفكار> ان مسار الموقف البطريركي مختلف تماماً عن مسار موقف حزب الله وان كان الجانبان يلتقيان عند ضرورة حصول الانتخابات ويختلفان حول شخص الرئيس العتيد أو على الأقل يتفادى كل منهما تحمّل مسؤولية الاتيان بهذا الرئيس أو معارضة ذاك!

2

وتروي المصادر نفسها لـ<الأفكار> بعض ما دار بين البطريرك ووفد حزب الله في آخر لقاء بينهما في بكركي قبيل سفر البطريرك الى الأراضي المقدسة، فتقول انه خلال هذا اللقاء طرح البطريرك الملف الرئاسي وضرورة حصول الانتخابات والاتفاق على مرشح وفاقي بعد تعذر حصول المرشحين المعلنين وغير المعلنين، من «الأقوياء> و<الوسطيين> على الأصوات المطلوبة للفوز وما نتج عن ذلك من تغيّب متعمّد لنواب حزب الله ونواب تكتل التغيير والإصلاح عن الدعوات التي وجهها الرئيس نبيه بري لعقد جلسات انتخابية. ثم توقف البطريرك عن العرض وتوجه الى أعضاء الوفد سائلاً إياهم: <هل تعتقدون ان العماد ميشال عون يمكن أن ينتخب رئيساً للجمهورية في ظل المواقف السياسية والتوازنات الراهنة والانشطار القائم بين الكتل النيابية؟> ساد الصمت لفترة، كرر بعده البطريرك السؤال نفسه للحصول على جواب، فرد أحد أعضاء الوفد: <هناك صعوبة في وصول العماد عون الى قصر بعبدا إذا استمر الانقسام على ما هو عليه، علماً أن موقف الحزب واضح لجهة دعم الجنرال>. وهنا قال البطريرك لأعضاء الوفد: <لماذا إذن لا تقولون هذا الكلام للجنرال فهو حليفكم. صارحوه بهذا الواقع وبوجهة نظركم>، فرد أحد أعضاء الوفد: <لماذا لا تقول له ذلك يا غبطة البطريرك… نحن لسنا في وارد القيام بهذه المهمة… لتتولاها بكركي>. رد البطريرك: <الجنرال حليفكم ويحترم وجهة نظركم>، وهنا قال عضو في الوفد: <مش وارد نحن نقول له شيئاً من هذا القبيل.. مش وارد>!

وتضيف المصادر التي روت بعض ما دار في الحوار ان النقاش توقف عند هذا الحد، وان البطريرك أدرك بالتالي ان قيادة حزب الله ليست مستعدة للطلب من العماد عون <التنحي> والإفساح في المجال أمام المرشح الوفاقي، وزادت قناعة البطريرك بعد الذي سمعه من رئيس الحزب التقدمي الاشتراكي النائب وليد جنبلاط خلال زيارته له في بكركي والتي روى فيها بعض ما دار بينه وبين السيد نصر الله حول الملف الرئاسي ومسألة ترشح العماد عون وخلاصة ذلك ان <السيد> يرى ان <الجنرال> هو المعني الوحيد لبت مسألة ترشحه، وان الحزب لن <يضغط> عليه، بل سيستمر في دعمه للرئاسة الى ان يقرر هو – أي العماد عون – الخطوة الآتية إذا ما استمر من المتعذر وصوله الى قصر بعبدا!

وفي رأي المصادر نفسها ان لقاء الراعي – نصر الله لن يسفر عن اي تطور في الملف الرئاسي طالما ان المواقف لا تزال على حالها، وبالتالي فإن حصول اللقاء من دون نتيجة رئاسية سيزيد الأمور تعقيداً، علماً أنه مجرد التقاء البطريرك والسيد ونشر صورة تجمعهما، فإن المناخ السياسي الضاغط <سيرتاح> قليلاً وان لم يؤدِ ذلك الى انتهاء الشغور في موقع الرئاسة الأولى الذي أطفأ شمعة شهره الثالث..!

في أي حال، تتوقع مصادر معنية أن تكون لزيارة البطريرك الراعي للفاتيكان هذا الأسبوع مقدمة لتحرك بطريركي متجدد لتفعيل الملف الرئاسي، على أمل أن تتحقق منه نتائج عملية قبل الرحلة المرتقبة للبطريرك الى اوسـتراليا خــلال الأسبوعين المقبلين… علماً ان ثمة من يرى ان بكركي التي تشكو من عدم التجاوب مع نداءاتها المتكررة، تكاد <تيأس> من تجاوب الزعماء الموارنة مع رغبتها في ان تعود الحياة الى قصر بعبدا من جديد!