20 October,2018

هل يتعلم القطاع الخاص العربي من درس ”جيف بيزوس“ العمالي؟!  

 

بقلم خالد عوض

عندما تقوم شركة خاصة برفع مستوى الحد الأدنى للأجور من دون الاكتراث الى سياسة حكومة بلدها أو مدى انعكاس ذلك على مكانتها السوقية يعني أنها قررت توزيع جزء من أرباحها مع موظفيها. ليس الحديث هنا عن شركة تحتضن مبادئ الاشتراكية أو تستوحي افكارها من نظرية <كارل ماركس> عن حكم <البروليتاريا> بل عن شركة <امازون> أكبر رموز رأسمالية القرن الواحد والعشرين.

الأرباح أولا…!

أسس <جيف بيزوس> شركة <امازون> عام ١٩٩٤ بمساعدة من أهله قدرها ٢٥٠ ألف دولار. كانت الشركة في البداية متخصصة في بيع الكتب عن طريق الإنترنت وكان <بيزوس> يقوم بنقل الطلبات بنفسه إلى شركات البريد. يتذكر مؤسس <أمازون> هذه الفترة بأن حلمه الكبير كان يومذاك في أن تصبح لديه سيارة نقل <بيك أب>. دخلت الشركة البورصة عام ١٩٩٧ ولكنها بقيت تخسر حتى نهاية ٢٠٠١ أي بعد ثماني سنوات من تأسيسها. اليوم أصبحت القيمة السوقية للشركة تفوق ألف مليار أو تريليون دولار وأصبح <بيزوس> اغنى رجل في العالم بثروة تقدر بـ١٦٦ مليار دولار أي حوالى ضعف ثروة <بيل غايتس> مؤسس <مايكروسوفت>. مبيعات الشركة ستتخطى ٢٠٠ مليار دولار في عام ٢٠١٨ أكثر من ثلثيها من الولايات المتحدة، وهي توظف حوالى ٥٦٠ ألف موظف في كل أنحاء العالم. وحتى سنة ٢٠١٥ كانت نسبة ارباح الشركة لا تتعدى ٢ بالمئة. ورغم النمو المستمر في المبيعات ظلت نسبة الأرباح ضعيفة نسبيا. القفزة الكبيرة في الأرباح حصلت منذ عدة شهور وجاءت على يد الرئيس الأميركي <دونالد ترامب> الذي خفض ضرائب الشركات بشكل كبير، فتمكنت شركة <أمازون> من تحقيق ٢ مليار دولار في الربع الثاني من ٢٠١٨ وهي ستحقق هذا العام أرباحاً تزيد عن مجمل ارباحها في فترة الأربع عشرة سنة الأخيرة.

 

 …والعمال ثانياً!

منذ أيام أعلنت <امازون> أنها ستزيد الحد الأدنى لأجور موظفي الشركة إلى مستوى ١٥ دولاراً للساعة أي ما يزيد بقليل عن ٣٠٠٠ دولار شهريا، كما قامت برفعه إلى 9.5 باوند في بريطانيا. هذا الإعلان شكل صدمة لسوق العمل في الولايات المتحدة لعدة أسباب. أولا لأنه استبق إجراءات الولايات الأميركية الأكثر دعما لحقوق العمال مثل <كاليفورنيا> التي كانت تقوم برفع تدريجي للحد الأدنى للأجور وحددت عام ٢٠٢٠ للوصول إلى مستوى ١٥ دولاراً للساعة. ثانيا لأنه غيّر طبيعة سوق العمل الأميركي فالكل أصبح يتوقع أن يحصل، على الأقل، على ما تقدمه شركة <أمازون> وليس على 7.5 دولار وهو الحد الأدنى للأجور المفروض من الحكومة الأميركية والذي أصبح يشكل نصف ما تعرضه <أمازون>. وثالثا والأهم هو أنه وضع القطاع الخاص والشركات الأميركية في موقع مسؤولية جديد في العلاقة مع الحكومة والعمال: من المفروض الا تكتفي الشركات بالاستجابة إلى طلبات العمال أو بالامتثال للقرارات الحكومية بل من واجبها أن تحدد هي المستوى الطبيعي واللائق إنسانيا واجتماعيا للأجور. الشركة كانت قد تعرضت سابقاً لانتقادات كثيرة حول طريقة معاملتها لعمالها حول العالم، حتى أن المرشح السابق لرئاسة الجمهورية السيناتور <بيرني ساندرز> كان يحضر لقانون <اوقفوا بيزوس> يفرض من خلاله ضريبة خاصة على <أمازون> لتعويض استغلالها لعمالها وموظفيها بينما ارباحها تحلق عاليا. المفاعيل المباشرة وغير المباشرة لخطوة <امازون> متعددة، منها أن معدل الأجور سيرتفع في الولايات المتحدة كلها ومنها أن حياة ربع مليون عامل يعملون في <أمازون> الأميركية والبريطانية ستتغير، كما أن مستوى إنفاق هؤلاء وغيرهم سيزيد مما سيعزز نمو الإقتصاد الأميركي الذي هو اليوم في أحسن أحواله. وبما أن شركة <امازون> تستحوذ على حوالى ٥ بالمئة من سوق التجزئة الأميركي من دون احتساب السيارات وقطع الغيار، وذلك يعني أن مبيعاتها هي أيضا ستتأثر إيجابيا بقرار رفع الحد الأدنى للأجور. ضربة معلم قام بها أغنى رجل في العالم وضرب عدة

عصافير إقتصادية وإجتماعية بقرار إنساني واحد.

 

النظرة إلى المستقبل!

 

أهم مبادرة داخلية لشركة <امازون> اليوم هي مضاعفة الإنتاجية عن طريق الأتمتة واستخدام <الروبوتات> لتقليص عدد الموظفين. الشركة تعرف أن التنافسية السوقية تفرض عليها الإعتماد أقل على العنصر البشري أو على الأقل وقف النمو الهائل لعدد العمال في الشركة، فقد زاد عدد موظفي <امازون> ٢٢٠ ألف عامل في سنة واحدة بين ٢٠١٧ و٢٠١٨ وكان قد زاد من ١٧ ألف عامل عام ٢٠٠٧ إلى أكثر من ٥٦٠ ألفا اليوم أي أنه تضاعف أكثر من ٣٠ مرة خلال عشر سنوات. ولكن في الوقت نفسه اكتشفت الشركة منذ مدة أن مجموعة موظفين لديها تعمل مع بعض الموردين بطريقة غير قانونية لتعزيز موقع بضائعهم على شبكتها وخداع الزبائن مقابل الحصول على مكاسب من هؤلاء الموردين. هذه الفضيحة الداخلية هزت <بيزوس> لأنه كان يعتقد أن شركته خالية من أي نوع من الفساد، وهي ساهمت في إعادة تركيزه على العنصر الدخلي بعد أن كان جل اهتمامه وشعار سياسة شركته هو الزبون، وتبين له أن العامل والموظف الراضي والمتصالح مع سياسة الشركة هو المفتاح الأول لإرضاء الزبون.

الحديث عن شركة <امازون> هو للاستعانة بما يحدث عالميا لفهم إتجاه تفاعل سوق العمل، فعندما يكون الأجر الأدنى الذي تفرضه الدولة هو نصف الحد الأدنى الذي يعرضه القطاع الخاص يعني أن الدولة، وهذا ينطبق خاصة في العالم العربي، لن تكون الهدف الأول للتوظيف. مطلوب من القطاع الخاص العربي واللبناني وعلى الهيئات الإقتصادية عندنا أن تستوحي من خطوة <امازون> لاستيحاء خطة طريق جديدة للتعامل مع موظفيها وعمالها وعدم انتظار قرارات الدولة أو سلسلة من هنا أو هناك، هذا إذا كان خيارها المستقبل وليس.. الماضي.