16 November,2018

هل يتحول الرئيس الإيراني  إلى ”غورباتشوف“ إيران؟

بقلم خالد عوض

بعد أيام وتحديدا في ٤ تشرين الثاني (نوفمبر) يبدأ تطبيق القسم الثاني من العقوبات الأميركية على إيران وتشمل منع شراء النفط وكل أنواع المنتجات البتروكيمائية مما سيؤدي إلى تراجع صادرات إيران النفطية أكثر من ٢٠ مليار دولار سنويا. الصين لن تتمكن من زيادة استيرادها النفطي من إيران بأكثر من مئة ألف برميل يوميا لأنها لا تريد هز علاقتها مع مورديها الآخرين خاصة أنها متمسكة باستراتيجية تنويع مصادر وارداتها النفطية. أما الدول الأخرى التي تستورد النفط الإيراني وأولها الهند فهي ليست مستعدة لمواجهة الولايات المتحدة وبدأت منذ أشهر تقليص وارداتها النفطية من إيران. لا شك أن إيران ستواجه قريبا زلزالا اقتصاديا وماليا، ولكن هناك بركانا من نوع آخر يثور منذ مدة في الداخل الإيراني ويذكر إلى حد كبير بالفترة التي سبقت انهيار الإتحاد السوفياتي عام ١٩٩٠.

المجتمع الإيراني تغير كثيراً منذ 1979!

من الطبيعي أن يؤدي الضغط المالي والاقتصادي والنقدي الذي تعرضت له إيران بسبب مقاطعة الغرب لها إلى شتى أنواع الأزمات الإجتماعية والتعب الشعبي، ولكن مشاكل إيران الداخلية ليست كلها اقتصادية. من جهة هناك اقليات كثيرة في إيران، أهمها الأذريون والأكراد والبلوش والسنة العرب، يشكلون مجتمعين أكثر من ثلث المجتمع الإيراني. هذه الأقليات غير راضية عن نظام الحكم وهي ستعاني من العقوبات أكثر من أهل النظام. كما هناك تيارات شبابية داخل المجتمع ترفض الهيمنة الدينية ولم تعد تعترف بالأنظمة والقيود التي جاءت بها الثورة الإيرانية عام ١٩٧٩. هذه التيارات تغذت من قنوات التلفزيون العالمية عبر البث الفضائي ولكنها أخذت منحى تصاعديا مع إنتشار شبكات التواصل الإجتماعي. ورغم سياسته الخارجية التشددية يتحدث الشباب الإيراني عن فترة حكم الرئيس الإيراني السابق <محمود احمدي نجاد> من ٢٠٠٥ إلى ٢٠١٣ على أنها فترة التحرر الإجتماعي الداخلي في إيران، فخلالها تراجعت حدة الملاحقة الدينية وتوسع نطاق الحرية الإجتماعية فبدأ غض الطرف عن مختلف أشكال الإنفتاح مثل إجتماع الذكور والإناث في الأماكن العامة وتخفيف التشدد في اللباس وزيادة تحرر النساء بشكل عام وغيرها من الأمور التي كانت شبه محرمة في العقدين الأولين للثورة الخمينية. إلى جانب ذلك فإن الهجرة من الأرياف ساعدت كثيرا في تعزيز الإنفتاح ووصلت نسبة التمدن اليوم إلى حوالى ٧٥ بالمئة بعدما كانت أقل من ٥٠ بالمئة عام ١٩٧٩. هذا التغيير الإجتماعي الشبابي حصل خلال فترة أكثر من ١٠ سنوات وهو لا يزال يتطور بل أصبح يطال الفئات العمرية الأكبر، كما أدى زخمه إلى تساهل النظام مع الأصوات المعارضة وزيادة تقبله للإنتقاد. وما شهدته إيران من مظاهرات وإضطرابات في عدة مدن خلال العام الماضي ما كان سوى تعبير عن تمدد هذا التيار وعدم قبوله بالأمر الواقع. هذا الجمهور الشبابي المتنامي لم يعد يقبل بسياسة عدم المحاسبة وغياب الرقابة المتأصلة في نظام الثورة الإيرانية، فهو ليس مقتنعا بتلازم الدين والدولة كما طرحه نظام ولاية الفقيه ويستعد لفرض التغيير، ولكن التغيير الإيراني لن يكون على شاكلة <الربيع العربي> الذي تعلم منه كيف يجب أن لا تكون الثورات بل سيكون عن طريق التأثير على المحيطين بالنظام للضغط من الداخل وفرض الإصلاحات البنيوية.

 

موازنة ٢٠١٩ والإمتحان الكبير!

التغيير من الداخل بدأت تظهر ملامحه عندما استدعى البرلمان الإيراني الرئيس حسن روحاني في ٢٨ آب (أغسطس) المنصرم وأبدى عدم رضاه عن معظم الإجابات التي أعطاها روحاني حول أسباب التراجع الاقتصادي والمالي. وليس من العادي أن تشهد الساحة الإيرانية استبدال أربعة وزراء وحاكم البنك المركزي في أقل من ٣ شهور. السبحة بدأت تكر مع استقالة الحاكم ولي الله سيف في نهاية تموز (يوليو) المنصرم ثم تبعها إقالة وزيري الاقتصاد والعمل في آب (أغسطس) ومنذ أيام استقال وزيرا الطرق والصناعة. صحيح أن العقوبات الأميركية التي أدت إلى تراجع الريال الإيراني كانت المحرك الأساس لهذه الاستقالات بل الإقالات ولكن تمدد الفساد داخل المؤسسات الإيرانية ساعد أيضا في ذلك. إيران تصنف في خانة أسوأ دول المنطقة من ناحية الفساد وتأتي في المرتبة ١٣٠ من ١٨٠ في لائحة منظمة الشفافية الدولية. هي أفضل من لبنان والعراق ولكنها أسوأ بكثير من كل دول الخليج ومعظم الدول النفطية في العالم. المحطة الكبرى لفرصة الإصلاح في إيران ستكون مع موازنة ٢٠١٩. فإذا لم تتمكن إيران من كسر العزل الأميركي إما بالتفاوض أو بمساعدة حلفائها ومن تحرير اقتصادها فستكون أمامها سنة في غاية الصعوبة حيث يمكن أن تختفي مئات آلاف الوظائف وتشح الواردات من الطعام والمؤن وتتغير كل معالم الإنفاق الحكومي. إحدى الإصلاحات المهمة التي يحاول الرئيس الإيراني تمريرها هي تطبيق أنظمة محاربة تبييض الأموال لتخفيف القيود الأوروبية على المصارف الإيرانية. هذا الإصلاح يعارضه الحرس الثوري لأنه سيؤثر على قدرة إيران على تمويل أذرعها في الخارج وعلى حركة <خاتم الأنبياء>، شركة الإعمار التابعة للحرس الثوري والتي تتحكم بمعظم المشاريع الكبيرة في الداخل. ولكن مع مرور الوقت ومن دون اي نافذة خلاص ستجد إيران نفسها أمام خيارات إصلاحية رئيسة ليست بعيدة بالجوهر عن تلك التي قام بها <ميخائيل غورباتشوف> آخر رئيس للإتحاد السوفيتي قبل انهياره.

الشبه بين فترة ما قبل سقوط الإتحاد السوفياتي وما تمر به إيران حاليا كبير. تململ الأقليات، أزمة اقتصادية ومالية، زخم التيار الشبابي، ضعف الحكومة، الفساد هي نفسها الأسباب التي أدت إلى ظهور روسيا التي نعرفها اليوم. الفرق الوحيد هو أن <غورباتشوف> بدأ تنفيذ أجندة إصلاحية حقيقية بينما الرئيس الإيراني لا يزال يتحدث عنها من دون خطوات عملية فعلية. مع وصول استحقاق العقوبات لم تعد الخيارات أمام حسن روحاني كثيرة.