16 November,2018

هل يؤدي التطبيع مع إسرائيل إلى استعادة الحقوق الفلسطينية؟  

 

بقلم خالد عوض

 

ليس منظرا محبوبا للعين ولا للقلب ولا حتى للعقل أن نرى رئيس وزراء إسرائيل، وبالتحديد <بنيامين نتنياهو>، يغط في العاصمة العمانية مسقط. ومؤذ للأذن سماع نشيد إسرائيل الوطني في دورة ألعاب <جودو> في دبي على مسمع وزير إسرائيلي ذرف دموع التماسيح تأثرا. ومؤذ جدا للنظر مشاهدة علم إسرائيل على جدران قاعة رياضية في العاصمة القطرية الدوحة. وما هو فعلا سوريالي أن نسمع وزير المواصلات الإسرائيلي يعرض في عاصمة الإمارات أبو ظبي منذ أيام مشروع <قطار السلام>  الذي ينطلق من الخليج العربي نحو إسرائيل. كل هذه المظاهر التطبيعية المتلاحقة تحزن فعلا، ولكن ما يغضب أكثر هو الإمعان العبثي في سياسة الصمود والتصدي على مدى عقود وإعطاء إسرائيل من خلالها الغطاء الدولي لتقضم مزيدا من الحقوق والأراضي الفلسطينية ونجعلها تضرب عرض الحائط بكل القرارات الدولية.

النكبة حصلت بعد ١٩٤٨ وليس يومها!

 

في ١٤ ايار (مايو) ١٩٤٨ ومع رحيل آخر جندي بريطاني من مدينة حيفا اجتمع ما كان يسمى بـ<مجلس الشعب اليهودي> برئاسة <ديفيد بن غوريون> في متحف تل أبيب ليعلن إنشاء دولة يهودية في مدينة <اريتز>. منذ ذلك اليوم وهذا الكيان الصهيوني يتمدد حتى وصلت أطرافه عام ١٩٦٧ إلى الداخل المصري والسوري، ولولا أنور السادات الرئيس المصري الذي دفع حياته ثمن بعد نظره لكان علم إسرائيل اليوم لا يزال يرفرف على جبل سيناء، <الموعود> للشعب اليهودي حسب فهم الإسرائيليين للتوراة. لم تنفع المحاولات الديبلوماسية ولا الكفاح المسلح ولا الحروب ولا المفاوضات السياسية في استرجاع الحق الفلسطيني المغتصب. بالعكس فقد كانت سياسة الصمود والتصدي التي رفعها معظم الحكام العرب الشماعة التي سمحت لهم بفرض أنظمة توتاليتارية خانقة على الشعوب أدت إلى هدر المزيد من الأراضي وإلى عدم لحاق العرب بركب التطور العالمي. قد يصر البعض أن المقاومة ردعت إسرائيل ولولاها لكان الإسرائيليون خربوا وقتلوا وذبحوا وإحتلوا أكثر مما فعلوه، ويمكن إدراج لبنان في الأمثلة التي تدعم هذه النظرية، فهنا تمكنت المقاومة اللبنانية أولا ثم الإسلامية تحت لواء حزب الله بعد ذلك من طرد إسرائيل من الأراضي اللبنانية واسترجاع كل الأسرى ومنع إسرائيل من استغلال ثروات البلد. ولكن مقياس الهكتارات والشعارات ليس دقيقا. فالتراجع، على كل الأصعدة، الذي أصاب اللبنانيين منذ أن خرجت إسرائيل عام ٢٠٠٠ يؤكد أن منظومة المقاومة ومفاعيلها السياسية الداخلية لم تؤد إلى الرخاء والبحبوحة في بلاد الأرز، بل العكس هو ما حصل، أما إسرائيل فأصبح اقتصادها أكبر من ثلاثة أضعاف مجموع اقتصادات لبنان وسوريا وفلسطين المحتلة مجتمعة، وهي تصدر الغاز وتنعم بالنمو والاستقرار وتحارب الفساد، وهذا نقيض الوضع في دول <التصدي والصمود> الثلاث.

إيران والاستراتيجية الفاشلة!

 

 ظن الكثيرون أن الثورة الإسلامية في إيران عام ١٩٧٩ ستضعف إسرائيل، حتى أن البعض صدقوا الرئيس الإيراني السابق <محمود احمدي نجاد> الذي وعد بمحو إسرائيل من الوجود، ولكن الوقائع تؤكد أن ما يحصل هو عكس ذلك. اختارت إيران لبنان ومن خلفه سوريا لمواجهة الإسرائيليين، ونجحت إلى حد كبير في تهديد الداخل الإسرائيلي من خلال منظومة الصواريخ التي ظهرت في حرب تموز (يوليو) ٢٠٠٦ في الأراضي اللبنانية ويبدو، حسب التقارير الاستخباراتية الغربية، أنها تطورت مؤخرا وأصبحت مجهزة بتكنولوجيا توجيه وتحكم متطورة. ولكن من الواضح أن لا إيران ولا إسرائيل في وارد مواجهة جديدة قريبا رغم التهديدات المرتفعة الصوت من الجانبين. إيران غرقت في أزمة اقتصادية داخلية ومتورطة في وحول حروب اليمن وسوريا ومنهمكة في اقتسام العراق مع الأميركيين. في المقابل اسرائيل تحلق اقتصاديا ولا مصلحة لها في أي حرب بل تتجنب حتى المناوشات. إذا حسبنا الاستثمارات الإيرانية في الحرب ضد إسرائيل أو حتى الاستعدادات لهكذا حرب يتبين كم خسر الشعب الإيراني وكم كسب الإسرائيليون على مختلف الأصعدة منذ مجيء الخميني. اليوم بدأت دول العالم تتعامل مع الفلسطينيين على أنهم عبء دولي ثقيل وأصبحت تنظر إلى القدس كوجهة محتملة جدا لسفاراتها.

دول الخليج: البراغماتية أولاً!

من يعرف الدول الخليجية جيدا وطريقة تعاملاتها الاقتصادية يعي تماما أنها ليست جمعية خيرية. ورغم كل الكلام عن الإرتماء في احضان الأميركيين وعن صفقات المليارات التي ينالها الغرب، فإن كل عقد يوقع مع أي دولة خليجية يخضع لمقاييس تنافسية شديدة وليس هبة أو عطاء كما يصور طبالو الصمود والتصدي. من هذا المنطلق لا يمكن التصور أن الإسرائيليين سيغرفون الصفقات، ولكنهم، نظرا إلى تطورهم التكنولوجي وخاصة في مجالات الدفاع والأمن والزراعة، يمكن أن يحصلوا على عقود مختلفة أو على الأقل سينافسون عليها. صحيح يمكن أن يستفيد الإسرائيليون من الأسواق الخليجية ولكن إذا اعتاد اقتصادهم عليها فيمكن أن يضطروا إلى تقديم تنازلات سياسية لا مجال لتحصيلها منهم اليوم، بل يمكن تصور الإسرائيليين يخففون من حصارهم ومضايقتهم للفلسطينيين طمعا بمزيد من القبول الخليجي.

حان الوقت لجردة حساب الخسارة والربح في الاستراتيجيات العربية منذ ١٩٤٨ وحتى اليوم، ويجب الإعتراف أن مزيدا من الكيلومترات للفلسطينيين لن تعني بالضرورة مزيدا من الرخاء، كما أنه من الضروري التعامل مع حقيقة وجود إسرائيل على أنه نتيجة لذكاء وجهد الإسرائيليين الذين انشأوا دولة ديمقراطية ونتيجة فشل العرب في مجاراتهم على كل الأصعدة وقولبتهم لشعوبهم في أنظمة تقتل كل أنواع التطور. ربما الحل مع إسرائيل هو سياسة الجزرة الاقتصادية الخليجية التي يمكن أن تتحول إلى عصا غليظة في لحظة مفاوضات جدية. عاطفيا يمكن أن يكون ذلك مؤلما جدا ولكن عمليا وعقلانيا لا يمكن الاستمرار بالسياسات الحمقاء نفسها التي أدت إلى كل هذه الخسائر على مدى سبعين سنة.