15 August,2018

هل وافق ”بوتين“ على إخراج إيران من سوريا؟!

بقلم خالد عوض

putin

دور إيران في المنطقة هو الشاغل الأكبر للقوى الإقليمية والدولية، ليس لأهمية إيران بل لما يمكن أن يفضي إليه مشروعها التوسعي من تغيرات بنيوية في العالم العربي. التحدي الأكبر في المرحلة المقبلة أمام إيران والدول التي تسعى لتقوية نفوذها فيها هو إقتصادي ومالي قبل كل شيء إلى جانب وجودها في سوريا غير المرغوب فيه من الجميع.

الإنتخابات اللبنانية والعراقية انتهت من دون فوز إيران بالضربة القاضية رغم تقدمها الكبير بالنقاط في معركة السيطرة على أربع عواصم عربية، كما تفتخر. في لبنان لا يزال المعسكر المناهض لإيران يحظى بالشعبية النسبية القادرة على مواجهته وعرقلته، حتى في التكتلات المحسوبة عليه مثل <تكتل لبنان القوي> هناك معارضون لدودون للنهج الإيراني الإقليمي، وبين الأشخاص المستقلين المحسوبين على محور الممانعة من ليس متماهيا مع الخط الإيراني. وبحسبة سريعة يمكن التأكد أن لدى إيران الأكثرية النسبية في المجلس النيابي وليس الثلثين، فالثلث النيابي الضامن أو التعطيلي لا زال موجوداً مع معارضي إيران.

الحسابات نفسها يمكن الوصول إليها في العراق حيث انتهت الإنتخابات بفوز واضح للكتلة الصدرية المعارضة لإيران تليها الكتلة الحشدية الموالية لها ثم تكتل رئيس الوزراء حيدر العبادي الذي يضم مجموعة موالين وبعض المعارضين للسياسة الإيرانية في العراق، وأصبح مقتدى الصدر هو الرقم الأول في العراق ويتمتع ليس فقط بالقدرة التعطيلية بل بالتأثير الكافي لصنع الحكومات، ولكن رغم الفوز الصدري لا تزال إيران تمسك بالمفاصل السياسية والعسكرية العراقية الأساسية.

إيران لم تربح كما أرادت في لبنان والعراق، وهي اليوم أمام مرحلة جديدة تفرض عليها إعادة النظر في وجودها في سوريا، نوعاً وكماً.

وزير الخارجية الأميركية <مايك بومبيو> هدد إيران برزمة عقوبات مالية غير مسبوقة في التاريخ إن هي لم تستجب لإثني عشر شرطا تعجيزيا الكل يعلم أنه من المستحيل أن تقبل بها، وعلى صعيد الحكومات والمواقف السياسية الرسمية، لا الأوروبيون ولا الروس أو الصينيون يمكن أن يجاروا الولايات المتحدة في مسارها التصعيدي ضد إيران، ولكن شركات ومؤسسات تلك الدول ستفكر ألف مرة قبل المجازفة بتعاملاتها البنكية بالدولار ولن تهرول إلى إيران ارضاء لحكوماتها بل ستنسحب ببطء لتحمي مصالحها، وحتى لو قبلت بالتعامل باليوان الصيني فيمكن أن تتعرض تلك الشركات إلى عقوبات أمريكية مكلفة هي بغنى عنها. لماذا تصعد الولايات المتحدة بهذه الطريقة ضد إيران مع أنها تعرف مسبقا أن إيران لن تنصاع لشروطها؟ هل الهدف تغير النظام الإيراني مع أن ذلك من المستحيلات؟ هل هو فقط للضغط على إيران لتغير سياستها أم أن المقصود إخراجها من سوريا؟ المؤكد أن المفاعيل الإقتصادية والمالية على إيران ستكون كبيرة جدا خاصة إذا استمرت العقوبات فترة طويلة.

trumpمنذ سنة ونيف تقريبا بدأت أسعار النفط بالإرتفاع. السبب الأول لذلك كان الإتفاق التاريخي بين مجموعة دول <اوبيك> وروسيا بتخفيض الإنتاج وتقليص العرض. ولكن في موازاة ذلك كان إنتاج فنزويلا من النفط يهبط بحدة إلى أن وصل إلى مليون ونصف مليون برميل يوميا متراجعا حوالى نصف مليون برميل يوميا خلال سنة ٢٠١٧ بسبب الأزمة السياسية والاقتصادية المستفحلة هناك وتدهور البنية التحتية الفنزويلية وتفشي الفساد، ومع انتهاء الإنتخابات الرئاسية منذ أيام بفوز الرئيس <نيكولاس مادورو> المدعوم من روسيا والصين بولاية جديدة لست سنوات، وإعلان الولايات المتحدة عدم الإعتراف بها والتحضير لعقوبات جديدة ضد فنزويلا، سيستمر تراجع إنتاج النفط والمتوقع اليوم من قبل الخبراء الإقتصاديين والنفطيين هو أن يهبط ٢٠ بالمئة جديدة أي إلى مستوى مليون ومئتي ألف برميل يوميا مع نهاية السنة، ويتزامن ذلك مع العقوبات الاميركية المتوقعة ضد إيران والتي يمكن أن تؤدي إلى تراجع إنتاج إيران النفطي نصف مليون برميل يوميا، مما يعني أن المعروض من النفط سيهبط حوالى ثمانمئة ألف برميل يوميا خلال شهور قليلة مما يفسر صعود سعر النفط فوق الـ٧٠ دولار واستمرار صعوده في المدى القريب.

الخاسران الكبيران هما بالطبع إيران وفنزويلا، فالدولتان تعتمدان على تصدير النفط بشكل أساسي وستتضرران من خفض الإنتاج بشكل مباشر. الصين والهند تخسران أيضا لأنهما من أكبر مستوردي النفط وإرتفاع سعره يؤثر على كلفة الإنتاج فيهما وبالتالي على النمو الإقتصادي. روسيا تستفيد لأنها أكبر منتج للنفط عالمياً ويتيح لها إرتفاع سعر النفط فرصة لتعزيز إقتصادها الذي يئن تحت العقوبات الدولية. دول الخليج وأولها السعودية ستستفيد مباشرة من فورة الأسعار لإنها تحتاج إلى تعويض تراجع النمو الإقتصادي فيها وإلى تمويل الإلتزامات المالية الكبيرة التي فرضتها ظروف المنطقة خلال الأعوام الماضية. أما الولايات المتحدة فهي تربح من جهة لأن الاستثمارات في النفط الصخري ستزيد وبالتالي ستعزز بذلك النمو الإقتصادي ولكن من جهة أخرى سيرتفع التضخم وتزداد الأسعار على المستهلك الأميركي. خبر إرتفاع أسعار النفط هو سار للعراقيين الذين يمكن أن يبدأوا التفكير جديا في مرحلة إعادة الإعمار خاصة وان انتاجهم النفطي يناهز أربعة ملايين ونصف مليون برميل يوميا. أما اللبنانيون فعليهم أن يعانوا مزيداً من العجز المالي إلى أن تظهر نتائج التنقيب الأولية وتبين كمية الغاز الموجود والتواريخ الواقعية لإنتاجه.

من الواضح أن الإدارة الأميركية الجديدة بقيادة <ترامب> قررت رفع أسعار النفط عن طريق مسار سياسي تصعيدي مع إيران وفنزويلا، ويمكن القول وداعا لأسعار الأربعين والخمسين دولاراً للبرميل لعدة سنوات من دون أن يعني ذلك العودة بسرعة إلى مستوى ١٠٠ دولار للبرميل لأن ذلك يضر بالجميع.

انها مرحلة إدارة الإقتصادات والماليات الحكومية في ضوء مرحلة جديدة من أسعار النفط. من جهة هي فرصة للنمو القوي في دول الخليج والعراق، ومن جهة أخرى يمكن أن تؤشر إلى تصلب إيراني في مواجهة التصعيد ضدها ومحاولة إجبارها على الخروج من سوريا، بضغط إسرائيلي – أميركي، وربما برعاية روسية تريد، على الأقل، تحجيم الدور الإيراني في سوريا.