16 October,2018

هل هو الرجل الآتي؟

1

الجيش هو الحدث، وهو المرجع والمآل في الخروج من وهدة الحالة الأمنية التي تعصف بالبلد من عرسال، البلدة البقاعية الوادعة التي تحولت الى أرض نار ودخان وتهجير لشريحة واسعة من أهاليها، وهو نزوح ليس له إلا معنى واحد هو أن هذه العائلات النازحة ترفض التعاون مع الغزاة المتمثلين في جبهة <النصرة> وتنظيم <داعش>، ولو كانت العائلات راضية عن هذا الوجود العسكري الغريب لما فارقت بيت العمر، ومعقل الجذور العائلية، بعكس شريحة واسعة من النازحين السوريين حملت السلاح وانضمت الى… الغزاة!

   وحجة النازحين السوريين في عرسال أنهم مغلوب على أمرهم، وليس عندهم مكان ينزحون إليه من جديد، كما حال عائلات عرسال، إلا ان ثمة من يقول إن النازح السوري بصورة عامة، ينتمي بتركيبته كمعارض للنظام في سوريا، والداخلون الغرباء الى عرسال يقاتلون النظام في سوريا، وعدو عدوك صديقك. وعلى كل حال فجموع النازحين السوريين في لبنان حالة تحتاج الى المراقبة والسهر، لأن استخدام فريق منهم في مواجهة ضد الجيش اللبناني يبقى دائماً وارداً!

   المهم أن اللبنانيين بكافة أطيافهم وطوائفهم حزمة وطنية واحدة الى جانب الجيش المقاتل في عرسال، وإن شذ عنهم نائبان في الشمال هما خالد الضاهر ومعين المرعبي من خلال اتهامهما لمقاتلي حزب الله وبعض الجيش باطلاق النار عشوائياً في عرسال.

   ومن حق الرئيس سعد الحريري المتضامن مع الجيش دون أي تراجع، أن يسائل النائبين الضاهر والمرعبي عن هذا الموقف الخارج عن الاجماع…

   وفي المعارك العسكرية يبرز عامل مهم هو التفاوض على وقف اطلاق النار، وتمرير المساعدات الانسانية، إلا ان مجلس الوزراء مجتمعاً، وهو يمرر المساعدات الانسانية عن طريق الصليب الأحمر الى أهل عرسال، كان حازماً بقراره الذي أعلنه الرئيس تمام سلام ظهر الاثنين الماضي ووراءه وقوفاً طاقم الوزراء، مستخدماً اللاءات الثلاث: لا تساهل، لا تراجع، لا تفاوض. ولكن الشيخ سالم الرافعي، المقرّب من الاسلاميين السوريين، لا يقف مكتوف اليدين أمام اللاء الثالثة، ويقول إن التفاوض جزء من المعركة، وليس خروجاً عليها، بدليل ان حركة <حماس> وافقت على التفاوض مع رئيس وزراء اسرائيل <بنيامين نتانياهو> عبر رئيس المخابرات المصرية، ولكن بشروط أهمها فك الحصار عن قطاع غزة، واخلاء سبيل الدفعة المتبقية من المعتقلين الفلسطينيين، حسب الاتفاق المعقود عام 2012، وإعادة فتح مطار غزة، ورجوع الصيادين الى شواطئ غزة لكسب الرزق.

النازحون السوريون..

وعقدة عرسال

   وقد نجح الشيخ الرافعي يوم الثلاثاء الماضي في تحرير ثلاثة رهائن من الجيش اللبناني عند <داعش> و<النصرة> في عرسال.   وحرب عرسال، مثل حرب غزة، شرح يطول. فقد تمكن المسلحون الغرباء من التمترس في نقاط استراتيجية داخل البلدة، وأوقفوا حركة النزوح، حتى لا يخسروا الآهلين كدروع بشرية، ويجعلوا الجيش اللبناني يتحسب للمخاطر إذا سلط نيرانه على داخل البلدة، بدلاً من أن يبقيها متأججة في المرتفعات، وبالمقابل يستطيع الجيش اللبناني بآلياته المتطورة، وخطته المدروسة والمدد المطلوب من السلاح الفرنسي، أن يقتحم عرسال من الداخل، ولكن ذلك سيكلف حياة مئات الأهالي في البلدة، وكذلك فلكل شيء حساب، و<التكتيك> الحربي يقتضي أن تتريث قيادة الجيش في اقتحام البلدة، بانتظار الظروف المناسبة لهذا الاقتحام. وانتظار بعض الوقت أفضل من المغامرة بحياة الأهالي، وكل فرد فيهم غال على الجيش والوطن.

   والسياسة وسط معارك عرسال لم تغب عن المشهد. فاجماع مجلس الوزراء على قرار واحد بمساندة الجيش، عبر كل المؤسسات، سياسة وسياسة كاملة الرؤية، والسؤال هو الآن عن الرئيس الآتي الى كرسي الرئاسة الشاغرة من صميم السياسة، ومعه باب ينفتح أمام حظوظ قائد الجيش العماد جان قهوجي بأن يكون هو الرجل الآتي الى سدة الرئاسة، بفضل ما أظهره من قيادة متميزة في حرب عرسال، وإن كان هذا الأمر غير محسوم بصورة نهائية حتى الآن.

3

 

   وقد ظهر في معركة الرئاسة قبل اندلاع أحداث عرسال، وقبلها أحداث فندق <دو روي> في بيروت، اجتهادان: واحد يقول برئيس عسكري، وآخر يقول برئيس آتٍ من عالم المال والاقتصاد. الأول يطرح اسم العماد قهوجي كشخصية عسكرية ذات دراية بمشاكل البلاد الأمنية، ويعيد في هذا السياق تجربة الرئيس فؤاد شهاب، وتجربة العماد اميل لحود، وتجربة العماد ميشال سليمان.

   والاجتهاد الآخر الذي يستدعي وجود رجل اقتصاد في سدة الرئاسة مثل الرئيس الراحل الياس سركيس، يمارس التصويب على حاكم مصرف لبنان الدكتور رياض سلامة الذي استطاع بواسع رؤيته وحنكته أن يحمي الليرة اللبنانية من خطر التراجع أمام الدولار، ويصون القطاع المصرفي من أي خطر كالذي تعرضت له مصارف قبرص واليونان وتتعرض له الآن مصارف الأرجنتين.

    ومعركة عرسال هي التي ستحسم أمر شخصية الرئيس الآتي، فإذا تكللت بنجاح القيادة العسكرية في طرد المجموعات المسلحة الغربية من عرسال، وإعادة الأهالي النازحين الى بيوتهم في جو من الأمان والاطمئنان، وردت جحافل <داعش> و<النصرة> على أعقابها، كان اسم العماد جان قهوجي هو الآتي الى المشهد الرئاسي، ومعه تأييد شريحة واسعة من اللبنانيين، على أساس ان العماد ميشال عون ليس في وارد هذا التأييد، وضيفنا في هذا العدد الدكتور فارس سعيد الأمين العام لجبهة 14 آذار، لا يحبذ المجيء الى قصر بعبدا بعسكري، بغض النظر عن اسم العماد جان قهوجي، لأن ذلك يعني افلاس المجتمع السياسي.

الأسماء الخمسة!

   ولكن هل قوى 14 آذار من هذا الرأي، أم ان الظروف المستجدة ستفعل فعلها كما حصل في صيف 1958 حين استطاع المبعوث الأميركي <روبرت مورفي> وهو آتٍ من القاهرة بعد مقابلة الرئيس جمال عبد الناصر، زعيم القرار العربي يومئذ، أن يوجه دفة زعيم المقاومة الشعبية الرئيس صائب سلام من التصويب على العميد ريمون اده، الى التصويب على اللواء فؤاد شهاب.

   وفي أفق الرئيس نبيه بري لا تغيب الأسماء التي يتمتع أصحابها بحنكة سياسية مثل الوزير السابق جان عبيد، أو الوزير السابق فارس بويز، والنائب روبير غانم. ولكن رئيس مجلس النواب وهو رقم مهم في المعركة الرئاسية، قد يتأثر بالظروف الاقليمية والدولية، ويوجه شراعه صوب العماد جان قهوجي، خصوصاً إذا التقت على تأييده كل من السعودية وإيران، وان بدون اجتماع يعقد بينهما. وقد تكون السعودية خارج أي اعتراض على اسم العماد جان قهوجي، على أساس أن الرجل المؤهل للاشراف على دعم الجيش بالسلاح الفرنسي المتفق عليه بين الرياض وباريس، وفق منحة الثلاثة مليار دولار المقدمة الى الجيش اللبناني من الملك عبد الله بن عبد العزيز. وشخص تعرفه أفضل من شخص تتعرف عليه.

   وثابت حتى الآن أن التمديد لمجلس النواب واقع لا محالة، لأن أحداث عرسال وتداعياتها، وأحداث طرابلس وتطوراتها، لا تسمح بفتح معركة انتخابات نيابية جديدة، قبل أن يبان الخيط الأبيض من الخيط الأسود في معركة رئاسة الجمهورية، لأن برلماناً بدون رئيس جمهورية قفزة في المجهول، على اعتبار ان السؤال سيكون: ومن ذا الذي سيجري الاستشارات النيابية، لتأليف حكومة جديدة، بعد استقالة حتمية لهذه الحكومة إثر ظهور نتائج الانتخابات الجديدة؟

خريطة للمستقبل

   فخريطة الطريق التي تحدث عنها الرئيس سعد الحريري، ويؤيدها أكثر قادة البلاد، بدءاً من الرئيس أمين الجميّل، والدكتور سمير جعجع، تنتهج الخط الآتي:

   ــ أولاً: اكتمال النصاب البرلماني لانتخاب رئيس جمهورية، حتى لو كان هذا الرئيس هو العماد ميشال عون، إذا استطاع أن يضمن لتأييده نصف عدد نواب البرلمان زائداً واحداً، أي 65 صوتاً!

2

 

   ــ ثانياً: تشكيل حكومة على صورة هذه الحكومة، حكومة المصلحة الوطنية ومثالها.

   ــ ثالثاً: الانصراف الى الأولويات، وهي المشاريع الانمائية، ومسح الأضرار الناجمة عن معارك عرسال، وفتح باب المفاوضات لاستخراج النفط والغاز من شواطئ لبنان، بعدما ثبت أن ظهور الغاز في شواطئ اسرائيل هو مؤشر لاستخراج الغاز في الشواطئ اللبنانية، وخط الشواطئ واحد.

   ــ رابعاً: التأهب لتجويف الديون المترتبة على لبنان والتي تقارب السبعين مليار دولار.

   ــ خامساً وهذا هو الأهم: تعزيز بنية الجيش اللبناني من خلال التجهيز العسكري الفرنسي بالمليارات الثلاثة من الدولارات المقدمة من الملك عبد الله بن عبد العزيز.

   ــ سادساً: الاتكال على الله وهو حسبنا ونعم الوكيل.