18 June,2019

هل نجح ”بوتين“ في نزع فتيل الحرب الإيرانية ــ الأميركية؟

بقلم خالد عوض

تصريحات الرئيس الأميركي <دونالد ترامب> محيرة. ساعة يهدد إيران بنهايتها الرسمية وساعة يؤكد أنه لا يريد الحرب وأنه بإنتظار مكالمة من الإيرانيين للتفاوض. يحشد جيشه من جهة ويطلب وساطات سويسرا وسلطنة عمان من جهة أخرى. الإيرانيون يردون بالتذبذب نفسه، التهديد والوعيد تارة والتأكيد أن إيران لا تسعى إلى حرب طورا. هل هذه مجرد رسائل إعلامية بين الأميركيين والإيرانيين أو أنها طبول حرب حقيقية يستعد لها الطرفان على قدم وساق؟

 

الأولوية ليست إيران!

منذ أيام قال <ترامب> لمحطة <فوكس> التلفزيونية ما يلخص استراتيجيته. <لن تصبح الصين القوة الإقتصادية الأولى في العالم طالما أنا موجود في البيت الأبيض>، (أي لغاية ٢٠٢٤ بسبب إيمانه بأنه سيعاد إنتخابه لأربع سنوات جديدة عام ٢٠٢٠). <كانت ستصبح كذلك خلال سنوات قليلة لو فازت <هيلاري كلينتون> بإنتخابات الرئاسة عام ٢٠١٦>. هذا هو ما يقلق الرئيس الأميركي اليوم وكل أمر آخر ثانوي. هذا هو ربما شعاره الإنتخابي الأول في السنة المقبلة ضد أي مرشح ديمقراطي سينازله. خطر الصين ليس فقط أنها ستصبح القوة الإقتصادية الأولى في العالم خلال خمس سنوات بل أنها ستصبح القوة التكنولوجية الأولى، متفوقة على الولايات المتحدة. هذا ما يفسر إجراءات <ترامب> الأخيرة ضد شركة <هواوي> الصينية والتي إمتثلت لها عدة شركات تكنولوجيا أميركية أولها <غوغل>. فقد تأكد لإدارة <ترامب> أن <هواوي> ستصبح قريبا رائدة عالميا في تكنولوجيا الجيل الخامس من الإتصالات، التي ستكون المحرك الأول للإقتصاد العالمي. وباختصار فإن تكنولوجيا الجيل الخامس 5G تتميز عن تكنولوجيا اليوم أي الجيل الرابع 4G والجيل الثالث 3G بالسرعة الفائقة مما يتيح إستخدام الإنترنت من دون أي عائق زمني، وفي كل شيء تقريبا، بدءا من المعدات الطبية الموصولة ببعضها وصولا إلى السيارات من دون سائق. ولو لم يتدخل <ترامب> مع <هواوي> أولا بطلب توقيف رئيستها التنفيذية ثم بفرض مقاطعتها لكانت الشركة الصينية ستصبح إحدى أهم المشغلين لتكنولوجيا الجيل الخامس في المدن الأميركية خلال سنتين. هذا هو ما يقض حقيقة مضجع <ترامب> اليوم وليست بالتأكيد تصريحات قاسم سليماني.

المفاوضات المسلحة… على الأرض السورية!

رغم تخفيف <البنتاغون> مؤخرا من حدة القلق حول إمكانية عمليات عسكرية إيرانية ضد المصالح الأميركية في المنطقة وإحتمالات حرب وشيكة، فإن الجميع متخوف من أن تنزلق الأمور بين البلدين إلى تصعيد عسكري لا يريده أحد. فتهور أذرعة إيران العديدة في المنطقة أو استدراجها لأي عمل عسكري ضد الولايات المتحدة أو حلفائها في الخليج يمكن أن يجر ردة فعل عسكرية مباشرة لا تحمد عقباها ولا يمكن السيطرة على تبعاتها. لذلك فإن أمر اليوم في المعسكرين الأميركي والإيراني هو ضبط النفس. ويبدو من خلال الأحداث الأخيرة أن الولايات المتحدة تريد جر الروس إلى التوتر الحاصل ونقله من الخليج إلى المناطق الأخرى مثل سوريا. فأفضل مكان لاستدراج الروس هو الساحة السورية حيث يوجد الروس والأميركيون والإيرانيون. ولذلك يبدو أن التوجه الأميركي هو إعادة التركيز على الساحة السورية، من جهة لتخفيف التوتر في الخليج ومن جهة أخرى لإقحام <بوتين> في المعمعة مع إيران. وقد حاول الرئيس الروسي <فلاديمير بوتين> تحييد بلاده من خلال مؤتمر صحفي عقده الأسبوع الماضي وحذر فيه إيران من مغبة الإنسحاب الأحادي من التزاماتها في الإتفاق النووي، وقال بوضوح أن إيران ستصبح لوحدها إن هي فعلت ذلك. بعد كلام <بوتين> تراجعت حدة التصريحات الإيرانية وتوقفت المناوشات العسكرية للحوثيين وتغير نبض التصريحات الإيرانية. الأميركيون يريدون أكثر من الرئيس الروسي ويقولون له بطريقة غير مباشرة أن الساحة السورية التي هو سيدها اليوم ليست بمنأى عن التوتر الأميركي ــ الإيراني في الخليج. هذا ما يفسر أيضا عريضة تقدم بها حوالى اربعمئة عضو في مجلسي النواب والشيوخ الأميركيين تطالب الرئيس <ترامب> بمزيد من الإجراءات في سوريا لدعم حلفاء الولايات المتحدة هناك وحماية إسرائيل.

المنطقة لا تتحمل حرباً جديدة!

لم يخف الرئيس الأميركي سرا عندما تحدث في المقابلة التلفزيونية نفسها مع <فوكس> أن هناك مجمعا صناعيا عسكريا في <الكونغرس> قاصدا به أولئك الذين يريدون زيادة مبيعات الأسلحة الأميركية عن طريق تشجيع الوجود العسكري الأميركي في الخارج. وقال <ترامب> أنه يعاني كثيرا عندما يعلن إنسحابا عسكريا من أي مكان بسبب المؤيدين لصناعة السلاح وأنه إضطر لإبقاء حوالى مئتي جندي أميركي في سوريا بسبب الضغط الذي تعرض له من هؤلاء. لأول مرة يعترف رئيس أميركي بقوة لوبي السلاح في السياسة الخارجية الأميركية. ولكن منطقة الشرق الأوسط المدججة حاليا بكل أنواع السلاح، ولا زالت شاهدة على عدة حروب من ليبيا إلى اليمن إلى سوريا إلى بعض مدن العراق حيث تظهر فلول <داعش> من جديد، لا تتحمل حربا جديدة. هكذا حرب ستضر بمصالح الجميع من دون إستثناء ولا فائدة لأحد منها سوى تجار السلاح. وعندما تغيب المصالح الأممية تتراجع فرص الحروب خاصة في منطقة هي أساسا في البركان.

من الواضح أن قلق <ترامب> هو من <هواوي> الصينية أكثر من <هوائيات> مستشاره للأمن القومي <جون بولتون> الذي لم يتوقف عن الحلم بإسقاط النظام في إيران.